التواصل بالبريد الالكترونى

بحث فى المدونة

الأحد، 18 أكتوبر 2009

روايتان متناقضتان وحقيقة واحدة



روايتان متناقضتان وحقيقة واحدة

محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

منذ عام 1993 ، و هناك روايتان عن الاتفاقيات الفلسطينية الاسرائيلية المشهورة باسم اوسلو ، رواية فلسطينية ، و أخرى صهيوينة :
اما عن الرواية الفلسطينية و مع افتراض حسن النوايا ، فتقدمها لنا جماعة السلطة ، وتروج لها الانظمة العربية وخلاصتها :
 ان التسوية مع اسرائيل هى الممكن الوحيد فى ظل موازين القوى الدولية الحالية ، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتى ، وانفراد الولايات المتحدة بالعالم .
 وان حلم تحرير كامل التراب الفلسطينى غير واقعى وغير ممكن .
 وان الممكن الوحيد هو الحصول على دولة فلسطينية كاملة السيادة فى الضفة الغربية وغزة ، عاصمتها القدس الشرقية ، خالية من اى مستوطنات اسرائيلية ، مع التمسك بحق العودة لللاجئين الفلسطينين .
 وان الطريق الوحيد لذلك هو التفاوض السلمى ، فالمواجهة العسكرية مع اسرائيل هى عملية انتحارية ، ولن تؤدى الى شىء .
 ولكى تقبل اسرائيل قيام دولة فلسطينية ، فلابد من الاعتراف بشرعية وجودها ، والتنازل عن فلسطين 1948 ، ونبذ العنف والمقاومة ، وتوحيد الصف الفلسطينى تحت قيادة السلطة الفلسطينية ، فهى الطرف الوحيد الذى تعترف به اسرائيل والمجتمع الدولى وتقبل التعامل معه .
 وان خروج حماس واخواتها عن شرعية السلطة وشرعية اوسلو ، يضعف من موقفها التفاوضى ويعيق تحقيق الحل النهائى .
 وانه اذا توفرت هذه الشروط ، فانهم سيحصلون على دولة فلسطينية ان عاجلا ام آجلا
 ولكن لابد اولا من ترتيب الوضع الامنى الفلسطينى بما يطمئن اسرائيل .
 وان هذا اقصى ما يمكن ان يحققه الجيل الحالى ، وعلى من لا يقبله ، ان يعتبره حلا مرحليا ، ومقدمة للحل النهائى المتمثل فى تحرير كامل التراب الفلسطينى ، وهى مهمة الاجيال القادمة عندما تتغير موازين القوى الى الافضل .
* * *
اذن ، خلاصة الرواية الفلسطينية : ان اوسلو هى اتفاقيات تحرير هدفها الرئيسى هو اقامة دولة فلسطينية مستقلة فى الضفة الغربية وغزة ، مع بعض الاستحقاقات الامنية لطمأنة اسرائيل .
* * * * *
اما عن الرواية الصهيوينة ، فلقد قدمها بجلاء نتنياهو فى خطابه الاخير فى وخلاصتها :
 ان فلسطين هى ارض اسرائيل التاريخية منذ 3500 عاما ، بالاضافة الى يهودا والسامرة !
 يختص بها الشعب اليهودى وحده
 و لذلك ان دولة اسرائيل هى بالضرورة دولة يهودية
 وان الرفض العربى والفلسطينى للاعتراف باسرائيل هو اصل المشكلة
 وان على كل الفلسطينيين ان يعترفوا باسرائيل ، وبحقها فى ارضها التاريخية
 وان ينزعوا سلاحهم فورا ، نزعا كاملا و نهائيا ودائما .
 وان هذه هى المهمة الرئيسية وربما الوحيدة للسلطة الفلسطينية ، مهمة تصفية الارهاب ( المقاومة ) ونزع السلاح الفلسطينى ، ودفع كل الفلسطينيين الى الاعتراف الفعلى باسرائيل . والكف عن الحديث على فلسطين 1948 .
 بعد ذلك فقط وليس قبله ، يمكن الحديث عن دولة فلسطينية ما ، منزوعة السلاح ، منزوعة السيادة ، لاسرائيل السيطرة على اوضاعها الامنية ، وعلى علاقتها الخارجية ، وعلى حدودها وعلى كل ما من شأنه تهديد أمن اسرائيل .
 مع العلم بان القدس الموحدة ستظل دائما عاصمة لاسرائيل ، و ان المستوطنات باقية . وانه لا عودة لاى فلسطينى الى اسرائيل اليهودية .
* * *
خلاصة الرواية الصهيونية اذن : ان اتفاقيات اوسلو هى بالاساس اتفاقيات امنية لخدمة امن اسرائيل ، مع بعض الاستحقاقات الفلسطينية المحدودة و المشروطة و المؤجلة ، والتى لن تصل ابدا الى دولة ذات سيادة .


* * * * *


أين الحقيقة بين الروايتين ؟


لا شك ان الرواية الصهيونية هى الاكثر تطابقا مع النصوص ومع الواقع :
 فقراءة نصوص اتفاقية اوسلو واخواتها ، وخطاب اعتراف منظمة التحرير باسرائيل ، وتوصيات مؤتمرات مكافحة الارهاب وعلى الاخص مؤتمر شرم الشيخ 1996 ، و اتفاقات شرم الشيخ 2000 ، والقاهرة 2001 ، و خطة ميتشل 2001 ، ووثيقة تينت 2002 ، وخريطة الطريق 2003 ، وخطاب التطمينات الامريكى 2004 ، والاتفاقيات الامنية الامريكية الاسرائيلية المتعددة ، و التصريحات المتكررة للرؤساء الامريكيين بما فيهم أوباما ، وشروط الرباعية ، واتفاقية فيلادلفيا بين مصر واسرائيل 2005 ، واتفاقيات المعابر وغيرها . نقول اى قراءة فى كل هذه النصوص والوثائق سترصد ملمحين رئيسيين متلازمين :
1) الملمح الاول هو تحديد شديد الدقة لطبيعة الالتزامات الامنية للسلطة الفلسطينية ضد ما اسموه بالارهاب والارهابيين ، من حيث المهام و الشراكة والتنسيق مع اسرائيل ، وبرامج وجداول التنفيذ ، و التدريب للعناصر الامنية الفلسطينية وكيفية تمويلها ... الخ . مع المتابعة والرقابة والحساب العسير عند التقصير .
2) اما الملمح الثانى فهو تعويم وتمييع وابهام لكل ما يتعلق بقضايا الحل النهائى ، حول الدولة الفلسطينية من حيث المفهوم والسيادة اوالمستوطنات والقدس والحدود والمعابر واللاجئين و المياه ..الخ


 اما على المستوى العملى وعلى ارض الواقع فان السياسات الصهيوينة تؤكد كل اليوم اننا بصدد تسوية امنية من أجل اسرائيل وليس تسوية سياسية من أجل الفلسطينيين : فالمستوطنات والجدار العازل وحواجز الطرق وتصفية واغتيال قادة المقاومة ، و 11 الف معتقل داخل السجون الاسرائيلية ، والتهويد النشيط للقدس ، والتعاون الصهيونى الفلسطينى المصرى لغلق المعابر وفرض الحصار على غزة ، واخيرا وليس آخرا العدوان الاجرامى الاخير على غزة فى يناير الماضى . كل ذلك وغيره هو تطبيق وتفعيل لاستراتيجية امنية صهيوينة واضحة ومحددة الاهداف والمعالم والادوات بتعاون وتوظيف كامل لاجهزة السلطة الفلسطينية و جماعة أوسلو .
 وفى المقابل لم يتم اى انسحاب فعلى للقوات الصهيوينة من الاراضى المحتلة عام 1967 تفعيلا لاتفاقيات التسوية .، ما عدا انسحابها من غزة عام 2005 تحت ضغط المقاومة الفلسطينية ، وليس تنفيذا لاستحقاقات السلام .
اما ما تم فى المرحلة الاولى 1993 ــ 2000 فلم يكن اكثر من اعادة انتشار وتوزيع للقوات الصهيوينة ، و هو ما ثبت لاحقا عدم جدواه وجديته ، فالضفة الغربية لا تزال سداح مداح لهذه القوات ، تقتحمها متى شاءت لتعتقل وتقتل وتدمر و تنسحب لتعود مرات أخرى .
* * * * *
أما بعد :
 فإنه قد آن الاوان للتحرر من اتفاقيات اوسلو ، فـ 16 عاما من الفشل والفتنة والانقسام واضاعة الوقت والجرى وراء الاوهام ، والتحالف مع العدو والتخديم على أمنه ، واضفاء الشرعية على ما يقوم به من عمليات قتل وإغتيال واعتقال لاهالينا و شهدائنا باسم السلام والتسوية ، و تضليل الراى العام الفلسطينى والعربى والعالمى . نقول 16 عاما من كل ذلك تكفى وتزيد . وهى سنوات ضاعت بلا ثمن وبلا مقابل : فاسرائيل لن تعطيكم شيئا ، وان فعلت فستعطيكم مسخ كيان فلسطينى خاضع وتابع ، يستمد بقاءه ووجوده من فتات ما تجود به اسرائيل . وما ستعطيه ونقبله الآن سيكون آخر المطاف لعقود طويلة وربما للابد . فترتيبات الحرب العالمية الاولى للوطن العربى من تقسيم وتجزئة ، ما زالت قائمة حتى الآن .
 وفشل التسوية كان واضحا منذ البداية ، ولكنه تجلى للجميع بعد العدوان الأخير على غزة . فمنذ تلك اللحظة كان يتوجب على الجميع الانسحاب الفورى من مشروعات التسوية مع العدو : سواء أوسلو او كامب ديفيد او وادى عربة ، او مبادرة السلام العربية .
 والعودة مرة أخرى الى الطريق الواضح الفطرى البسيط ، الذى سلكته وتسلكه كل الامم المحترمة ، وهو طريق تحرير كامل التراب الوطنى بالمقاومة والكفاح المسلح ، وعدم التنازل عن شبر واحد من ارض الاجداد والآباء والأحفاد ، مهما اختلت موازين القوى .
 وهو طريق شاق وطويل ولكنه يظل الممكن الوحيد .
* * * * * * * *
القاهرة فى 18 يونيو 2009