بحث فى المدونة

الثلاثاء، 7 فبراير 2023

الدفاع عن الوطن حق من حقوق الانسان


 هناك من يتهم الديمقراطية والحريات بأنها تهدم الدول وتهدد أمنها القومى، فهل اطلاق حرية الشعوب فى الدفاع عن اوطانها تهدد أمن هذه الأوطان أم تحميها؟

وفى بلد مثل مصر على سبيل المثال، فان من حقوق كل مواطن وواجباته ان يعمل ويناضل من أجل تحريرها وكل المنطقة من التبعية والهيمنة والنفوذ الامريكى، ومن القيود المفروضة عليها فى اتفاقيات كامب ديفيد، ومن تراجع دورها وتحول (اسرائيل) الى قوة اقليمية عظمى تعربد فى المنطقة كما تشاء، ومن سيطرة نادى باريس ومؤسسات الاقراض الدولى على اقتصادها الوطنى وتدميره والعصف بصناعتها وعملتها الوطنية، ومن استئثار رؤوس الاموال الاجنبية ووكلائها المصريين بموارد وثروات البلاد، ومن تهديدات سد النهضة واستخفاف الجانب الاثيويى بمكانة مصر وقوتها وغيره الكثير...

فهل الحركة والنضال والمطالبة والضغط من أجل كل هذه الأهداف الوطنية يهدد أمن مصر أم يحميها؟

***

·        ليس الدفاع عن الوطن واجبا فحسب بل هو قبل ذلك وبعده حق اصيل من حقوق كل مواطن.

·        وهو ايضا دفاعا شرعيا عن النفس، فلا حياة أو نجاة لأى انسان بدون أن يكون له وطن.

·        وهو حق يمارسه الانسان منذ أن خلقه الله على الارض وقبل ان تنشأ الاوطان والامم.

·        بل ان الفضل في نشأة كل الامم والقوميات والدول التي نراها اليوم واختصاص الشعوب بأراضيها التى تعيش عليها دونا عن باقى شعوب العالم، يعود الى كفاح ونضال وتضحيات اجيال متعاقبة من البشر دفاعا عن هذه الارض فى مواجهة اعدائها والمتربصين بها والطامعين فى الاستيلاء عليها والاستيطان فيها.

·        وكان ذلك قبل ان تعرف البشرية اى دساتير او قوانين او نصوص صريحة تنص على ان الدفاع عن الوطن واجب مقدس.

·        والدفاع عن الوطن هو حق مشترك بين كل مواطنيه، لا فرق فى ذلك بين حاكم ومحكوم او غنى وفقير او رجل وامرأة او مسلم ومسيحي او مدني وعسكري او قومي واشتراكي وإسلامي وليبرالي.

·        وتتعدد السبل والوسائل والادوات لممارسة هذا الحق، ففى عصور الاحتلال والحروب تشترك الجيوش مع الشعوب فى حمل السلاح لتحرير الاوطان والدفاع عنها كما هو الحال فى فلسطين ولبنان وفى كل حروب التحرير الشعبية.

·        وفى غير اوقات الاحتلال فان للمواطنين مئات الادوات والقنوات الدستورية والسياسية والشعبية للدفاع عن اوطانهم من خلال الأنشطة والنضالات الفكرية والاعلامية والسياسية والحزبية والنقابية ومن خلال البرلمانات ونشر الوعي وتنظيم الناس وتأسيس جماعات الضغط واللجان الشعبية ومنظمات المجتمع المدنى ومن خلال المعارضة والوقفات والاضرابات والتظاهرات والاعتصامات واي شكل من أشكال الفاعليات لتحقيق الهدف الوطنى المنشود.

·        وفى كثير من الأحيان تكون معارضة انظمة الحكم التابعة او الفاسدة والمفقرة والفاشلة ضرورة للدفاع عن الوطن وسلامته وعافيته ومناعته فى مواجهة ما يحاك له من الخارج.

·        ولذلك فان نزاهة الانتخابات وتداول السلطة وتشكيل برلمانات حقيقية تراقب السلطة التنفيذية وتعارضها عند اللزوم ووجود احزاب معارضة قوية واحزاب مستقلة ومجتمع مدنى قوى هى من ضرورات حماية الامن القومى.

·        كما فى بلادنا النامية، التى تكون الدولة ومؤسسات الحكم فيها شديدة الضعف فى القدرة على مواجهة وتحدى الدول الكبرى، فان الشعوب تكون هى خط الدفاع الحقيقى وحائط الصد الاخير عن الاوطان فى مواجهة هذا الاختلال الهائل فى موازين القوى.

·        وهذا ما فعله الشعب المصرى فى عديد من الملاحم والمعارك الوطنية فى العقود القريبة الماضية ومنها على سبيل المثال وليس الحصر: معركة بورسعيد 1956 والسويس 1973 ومظاهرات الطلبة 1968-1973 وانتفاضة يناير 1977 ومعركة النيل فى خطر فى السبعينات والدفاع عن هوية مصر العربية بعد كامب ديفيد ومواجهة التطبيع ومعركة استقلال القضاء واللجان الشعبية لدعم الانتفاضة الفلسطينية والحملة الدولية ضد الاحتلال الامريكى للعراق والاسرائيلى لفلسطين 2003-2008 ورفض تصدير الغاز لاسرائيل ومقاومة الخصخصة وتصفية القطاع العام، ومناهضة التمديد والتوريث 2005-2011 وثورة يناير واغلاق السفارة الاسرائيلية 2011 وغيرها.

·        كلها وغيرها الكثير هى نماذج وأمثلة قليلة من معارك وطنية كثيرة وجليلة خاضها الشعب المصرى ممثلا فى قواه السياسية والشعبية المستقلة عن السلطة بل والمعارضة لها.

·        الا أن الحكام والانظمة في بلادنا العربية تخشى الشعوب وتحرص على تقييد حركتها وفاعلياتها حتى لو كانت فى سبيل الدفاع عن الاوطان.

·        وحينها يكون الاستبداد وليس الحرية هو الذى يهدم الدول ويهدد أمنها القومى.

*****

محمد سيف الدولة


مقالات مماثلة:

حب فلسطين حق من حقوق الانسان

السبت، 4 فبراير 2023

الاستغلال الأمريكى لأزمة مصر الاقتصادية


 

بينما تعيش مصر اليوم حالة من الاضطراب والخوف والغضب الشديد من الازمة الاقتصادية الطاحنة، فان الولايات المتحدة على العكس وكالعادة، تراها فرصة سعيدة ومناسبة للتدخل وزيادة النفوذ.

ففيما يلى نموذج مكرر يكشف كيف يرحب الامريكان دائما بأزماتنا ويسارعون لاستغلالها. فعلوها معنا مئات المرات منذ أن قررت الادارات المصرية المتعاقبة، الانضواء تحت النفوذ الامريكي بعد حرب 1973. يصنعون ازماتنا، فيغرقونا فى القروض والديون والمعونات، ثم يوظفونها لممارسة مزيد من الضغوط والهيمنة.

***

كتب* "بن فيشمان" على موقع معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى وثيق الصلة باللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة، مقالا حث فيه الادارة الامريكية على الاستفادة من الازمة الاقتصادية المصرية الطاحنة وتوظيفها لمزيد من الضغط على مصر لتغيير سياساتها تجاه روسيا والصين وليبيا وحقوق الانسان. فلا بدّ لأحدٍ أن ينكسر على حد قوله.

***

وبعد أن قدم عرضا تفصيليا للأزمة الاقتصادية، خاطب الادارة الامريكية مؤكدا:

·       أن مصر مهمة لأمن اسرائيل ولكن هذا لا يكفى:

لطالما ركّزت العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر على أهمية القاهرة لأمن المنطقة، ولا سيما على دورها في الوساطة مع حركة "حماس" وفي الحفاظ على علاقاتٍ أمنيةٍ إيجابيةٍ مع إسرائيل. وتشير التقارير المصرية إلى أن هذه الأولويات تعزّزت عندما قام مدير "وكالة الاستخبارات المركزية" وليام بيرنز بزيارة السيسي في 23 يناير.

·       ولكن يتعين على واشنطن في المرحلة المقبلة وضع استراتيجيةٍ أكثر شموليةً تجاه مصر تشمل:

1)   تقديم مساعداتٍ اقتصاديةٍ أكبر،

2)   وتسهيل الاستثمار من خلال ضمانات القروض،

3)   ودراسة خيارات الإعفاء من القروض،

4)   والاستفادة من نفوذ الولايات المتحدة على "صندوق النقد الدولي"

5)   والطلب من الشركاء الخليجيين النظر في طرق للحد من اعتماد مصر على المساعدات.

***

وفي المقابل انه يتوجب على القاهرة أن تتقبل إحداث تغييرٍ كبيرٍ في سياساتها بشأن روسيا والصين وحقوق الإنسان وليبيا.

أولا ـ روسيا:

الضغط لإبعاد مصر عن روسيا ودفعها إلى قطع خط التجارة والمبيعات العسكرية والسياحة. فهى تتخذ حتى الآن موقفٍا حياديا بشأن الحرب في أوكرانيا لتفادي استفزاز موسكو، وتقوم إحدى الشركات الروسية ببناء محطةٍ لتوليد الطاقة النووية بقيمة 30 مليار دولار في مصر بتمويلٍ كبير من موسكو، بينما وضعت شركات روسية أخرى قدمها في المنطقة الصناعية في السويس، وحاولت موسكو تسهيل التجارة ودعم الجنيه المصري بربطه بالروبل.

***

ثانيا ـ الصين:

وقف التقرب المصرى الى الصين للحصول على الدعم. وتحذيرها من أن الاستثمارات الأجنبية الصينية غير موثوقة ومشروطة باستيراد العمال الصينيين في غالب الأحيان، ولن يساعد ذلك السيسي في معالجة معدلات البطالة المرتفعة في مصر. علاوةً على ذلك، قد تؤدي شروط القروض الصينية إلى إغراق القاهرة في المزيد من الديون.

***

ثالثا ـ حقوق الإنسان

تعدّ حكومة السيسي من أكثر الحكومات انتهاكاً لحقوق الإنسان في العالم، ولكن يتوجب التوقف عن الضغط عليها فى هذا الشأن عبر تعليق أجزاء من المعونة العسكرية الامريكية السنوية، فلقد ثبت فشل هذا الاسلوب فى تحسين سجلّ حقوق الإنسان. واللجوء بدلا من ذلك الى تسهيل الاستثمار في البلاد حالما يتحسن وضع الحريات المدنية فيها بشكلٍ ملموس.

***

رابعا ـ ليبيا: لا تزال مصر تشكّل عائقاً كبيراً أمام إرساء الاستقرار في ليبيا. فقلد دعمت خليفة حفتر في مغامراته العسكرية الضارة ضد طرابلس، وهو ما يستوجب الضغط عليها من أجل:

·       الاعتراف بـ "حكومة الوحدة الوطنية"

·       والانضمام إلى الاتفاقات الدولية التي تحدد الخطوات المستقبلية في هذا الصدد.

·       مع لفت انتباهها إلى الفوائد الاقتصادية التي تنجم عن تعزيز بناء دولةٍ مجاورةٍ مستقرة لا تعاني من صراعٍ دائم.

***

انتهى عرض ملخص ما ورد فى مقال "فيشمان"، ليؤكد مجددا ومجددا أن خيار التبعية والتطبيع والارتباط بالاقتصاد الراسمالى العالمى والخضوع لتعليمات صندوق النقد الدولى وتوريط البلاد فى مستنقعات القروض والديون، وتصفية المصانع والصناعات الوطنية لصالح الاستثمارات الاجنبية ومنتجاتها ووكلائها فى الداخل .. الخ ليس سوى دائرة جهنمية لا فكاك منها أوردت مصر موارد الهلاك على ايدى من خضعنا لهم وتحالفنا معهم وأسلمناهم مقاليد الأمور او 99% من أوراق اللعبة كما قالها السادات الأب المؤسس لما نعيش فيه حتى اليوم.

وأنه لا أمل ولا مخرج سوى اعادة النظر والتراجع عن أسس وطبيعة وانحيازات وسياسات النظام الذى تأسس ليحكم مصر منذ 1974 الى يومنا هذا، والذى اسميته فى عشرات الكتابات "بالكتالوج الأمريكى لحكم مصر".  

*****

محمد سيف الدولة


*رابط المقال

 

الجمعة، 3 فبراير 2023

السودان فى الوثائق الصهيونية

أهدى الوثيقة التالية للشعب السودانى وقواه الوطنية والثورية الذين أدانوا اجتماع عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادى السودانى مع وزير خارجية (اسرائيل)، واعلنوا رفضهم القاطع للتطبيع مع (اسرائيل).

***

فى شهر سبتمبر من عام 2008 القى "آفى ديختر" وزير الامن الداخلى الصهيونى الأسبق، محاضرة فى معهد ابحاث الامن القومى الاسرائيلى، عن الاستراتيجية الاسرائيلية فى المنطقة، تناول فيها سبعة ساحات هى فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وايران و مصر والسودان. نشرتها الصحف العبرية.

وفى الجزء الخاص بالسودان، كانت اهم المحاور كما يلى:

·       ان اضعاف الدول العربية الرئيسية بشكل عام، واستنزاف طاقاتها وقدرتها هو واجب وضرورة من اجل تعظيم قوة اسرائيل واعلاء منعتها فى مواجهة الاعداء، وهو ما يحتم عليها استخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة اخرى

·       والسودان بموارده ومساحته الشاسعة، كان من الممكن ان يصبح دولة اقليمية قوية منافسة لدول مثل مصر والعراق والسعودية.

·       كما انه يشكل عمقا استراتيجيا لمصر، وهو ما تجسد بعد حرب 1967 عندما تحول الى قواعد تدريب وايواء لسلاح الجو المصرى وللقوات الليبية، كما انه ارسل قوات مساندة لمصر فى حرب الاستنزاف عام 1968.

·       وعليه فانه لا يجب ان يسمح لهذا البلد ان يصبح قوة مضافة الى قوة العالم العربى.

·       ولابد من العمل على اضعافه وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة.

·       فسودان ضعيف ومجزأ وهش افضل من سودان قوى وموحد وفاعل.

·       وهو ما يمثل من المنظور الاستراتيجى ضرورة من ضرورات الامن القومى الاسرائيلى.

·       ولقد تبنى كل الزعماء الصهاينة من بن جوريون وليفى اشكول وجولدا مائير واسحاق رابين ومناحم بيجين وشامير وشارون واولمرت خطا استراتيجيا واحدا فى التعامل مع السودان هو: العمل على تفجير ازمات مزمنة ومستعصية فى الجنوب ثم دارفور.

·       وانه حان الوقت للتدخل فى غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل لتكرار ما فعلته اسرائيل فى جنوب السودان.

·       وان النشاط الصهيونى فى دارفور لم يعد قاصرا على الجانب الرسمى، بل يسانده فى ذلك، كل المجتمع الاسرائيلى بمنظماته وقواه وحركاته وامتدادته فى الخارج.

·       وان الدور الامريكى فى دارفور يسهم بشكل فعال فى تفعيل الدور الاسرائيلى.

·       وامريكا مصرة على التدخل المكثف فى السودان لصالح انفصال الجنوب وانفصال دارفور على غرار ما حدث فى كوسوفو.

·       وان اسرائيل نجحت بالفعل فى تغيير مجرى الاوضاع فى السودان، فى اتجاه التأزم والتدهور والانقسام، وهو ما سينتهي عاجلا ام آجلا الى تقسيمه الى عدة كيانات ودول مثل يوغوسلافيا.

·       وبذلك لم يعد السودان دولة اقليمية كبرى قادرة على دعم الدول العربية المواجهة لاسرائيل.

***

وقبل ان نعرض نص المحاضرة، نراجع معا ما جاء فى وثيقة صهيونية اخرى حول نفس الموضوع، نشرتها مجلة كيفونيم لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية عام 1982 تحت عنوان "استراتيجية اسرائيل فى الثمانينات"، ونشرناها نحن بعنوان: "الوثيقة الصهيونية لتفتيت الامة العربية"، حيث جاء فيها ما يلى:

·       ان مصر المفككة والمقسمة الى عناصر سيادية متعددة، على عكس ماهى عليه الآن، سوف لاتشكل أى تهديد لاسرائيل بل ستكون ضمانا للزمن والسلام لفترة طويلة، وهذا الامر هو اليوم فى متناول ايدينا.

·       ان دول مثل ليبيا والسودان والدول الابعد منها سوف لن يكون لها وجود بصورتها الحالية، بل ستنضم الى حالة التفكك والسقوط التى ستتعرض لها مصر. فاذا ما تفككت مصر فستتفكك سائر الدول الاخرى.

·       والسودان أكثر دول العالم العربى الاسلامى تفككا فانها تتكون من أربع مجموعات سكانية كل منها غريبة عن الأخرى، فمن أقلية عربية مسلمة سنية تسيطر على أغلبية غير عربية افريقية الى وثنيين الى مسيحيين.

***

نص المحاضرة

 

يتساءل البعض فى اسرائيل: لماذا نهتم بالسودان ونعطيه هذا القدر من الأهمية؟ ولماذا التدخل فى شئونه الداخلية فى الجنوب سابقا وفى الغرب دارفور حاليا طالما أن السودان لا يجاورنا جغرافيا، وطالما أن مشاركته فى إسرائيل معدومة أو هامشية وارتباطه بقضية فلسطين حتى نهاية الثمانينات ارتباطا واهيا وهشا؟  

   وحتى لا نطيل فى الإجابة يتعين أن نسجل هنا عدة نقاط محورية تكفى لتقديم إجابات على هذه التساؤلات التى تطرح من قبل ساسة وإعلاميين سواء فى وسائل الإعلام وأحيانا فى الكنيست:

1)    إسرائيل حين بلورت محددات سياستها واستراتيجيتها حيال العالم العربى انطلقت من عملية استجلاء واستشراف للمستقبل وأبعاده وتقييمات تتجاوز المدى الحالى أو المنظور.

 

2)   السودان بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه كان من الممكن أن يصبح دولة إقليمية قوية منافسة لدول عربية رئيسة مثل مصر والعراق والسعودية. لكن السودان ونتيجة لأزمات داخلية بنيويه، صراعات وحروب أهلية فى الجنوب استغرقت ثلاثة عقود ثم الصراع الحالى فى دارفور ناهيك عن الصراعات حتى داخل المركز الخرطوم تحولت الى أزمات مزمنة. هذه الأزمات فوتت الفرصة على تحوله الى قوة إقليمية مؤثرة تؤثر فى البنية الأفريقية والعربية. 

كانت هناك تقديرات إسرائيلية حتى مع بداية استقلال السودان فى منتصف عقد الخمسينات أنه لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عنا أن يصبح قوة مضافة الى قوة العالم العربى لأن موارده إن استمرت فى ظل أوضاع مستقرة ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب. وفى ضوء هذه التقديرات كان على إسرائيل أو الجهات ذات العلاقة أو الاختصاص أن تتجه الى هذه الساحة وتعمل على مفاقمة الأزمات وإنتاج أزمات جديدة حتى يكون حاصل هذه الأزمات معضلة يصعب معالجتها فيما بعد.

 

3)   كون السودان يشكل عمقا استراتيجيا لمصر، هذا المعطى تجسد بعد حرب الأيام الستة 1967 عندما تحول السودان الى قواعد تدريب وإيواء لسلاح الجو المصرى وللقوات البرية هو وليبيا. ويتعين أيضا أن نذكر بأن السودان أرسل قوات الى منطقة القناة أثناء حرب الإستنزاف التى شنتها مصر منذ عام 1968 ـ 1970.

   كان لابد أن نعمل على إضعاف السودان وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة رغم أنها تعد بالتعددية الأثتية والطائفية ـ لان هذا من المنظور الاستراتيجى الإسرائيلى ضرورة من ضرورات دعم وتعظيم الأمن القومى الإسرائيلى.

 

   وقد عبرت عن هذا المنظور رئيسة الوزراء الراحلة (جولدا مائير) عندما كانت تتولى وزارة الخارجية وكذلك ملف إفريقيا فى عام 1967 عندما قالت: " إن إضعاف الدول العربية الرئيسية واستنزاف طاقاتها وقدراتها واجب وضرورة من أجل تعظيم قوتنا وإعلاء عناصر المنعة لدينا فى إطار المواجهة مع أعداءنا. وهذا يحتم علينا استخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة أخرى ".

   وكشفت عن أن إسرائيل وعلى خلفية بعدها الجغرافى عن العراق والسودان مضطرة لاستخدام وسائل أخرى لتقويض أوضاعهما من الداخل لوجود الفجوات والتغيرات فى البنية الاجتماعية والسكانيه   فيهما.

***

(وراح ديختر يورد المعطيات عن وقائع الدور الإسرائيلى فى إشعال الصراع فى جنوب السودان انطلاقا من مرتكزات قد أقيمت فى أثيوبيا وفى أوغندا وكينيا والزائير سابقا الكونغو الديموقراطية حاليا)

 

وقال ان جميع رؤساء الحكومات فى إسرائيل من بن جوريون وليفى أشكول وجولدا مائير واسحاق رابين ومناحم بيجين ثم شامير وشارون وأولمرت تبنوا الخط الاستراتيجى فى التعاطى مع السودان الذي يرتكز (على تفجير بؤرة وأزمات مزمنة ومستعصية فى الجنوب وفى أعقاب ذلك فى دارفور).

   هذا الخط الاستراتيجى كانت له نتائج ولاتزال أعاقت وأحبطت الجهود لإقامة دولة سودانية متجانسة قوية عسكريا واقتصاديا قادرة على تبوأ موقع صدارة فى البيئتين العربية والأفريقية.

   فى البؤرة الجديدة فى دارفور تداخلنا فى إنتاجها وتصعيدها، كان ذلك حتميا وضروريا حتى لا يجد السودان المناخ والوقت لتركز جهودها باتجاه تعظيم قدراته. ما أقدمنا عليه من جهود على مدى ثلاثة عقود يجب ألا يتوقف لأن تلك الجهود هى بمثابة مداخلات ومقدمات التى أرست منطلقاتنا. الاستراتيجية التى تضع نصب اعينها أن سودان ضعيف ومجزأ وهش أفضل من سودان قوى وموحد وفاعل.

   نحن بالإضافة الى ذلك نضع فى إعتبارنا وفى صميم اهتمامنا حق سكان الجنوب فى السودان فى تقرير المصير والإنعتاق من السيطرة. من واجبنا الأدبى والأخلاقى أن ندعم تطلعات وطموحات سكان الجنوب ودارفور. حركتنا فى دارفور لم تعد قاصرة على الجانب الرسمى وعلى نشاط أجهزة معينة. المجتمع الإسرائيلى بمنظماته المدنية وقواه وحركاته وامتداداتها فى الخارج تقوم بواجبها لصالح سكان دارفور.

   الموقف الذي أعبر عنه بصفتى وزيرا إزاء ما يدور فى دارفور من فظائع وعمليات إبادة ومذابح جماعية هو موقف شخصى وشعبى ورسمى.

   من هنا نحن متواجدين فى دارفور لوقف الفظائع وفى ذات الوقت لتأكيد خطنا الإستراتيجى من أن دارفور كجنوب السودان من حقه أن يتمتع بالاستقلال وإدارة شؤونه بنفسه ووضع حد لنظام السيطرة المفروض عنوة من قبل حكومة الخرطوم.  

  لحسن الطالع أن العالم يتفق معنا من أنه لابد من التدخل فى دارفور سياسيا واجتماعيا وعسكريا. الدور الأمريكى فى دارفور دور مؤثر وفعال ومن الطبيعى أن يسهم أيضا فى تفعيل الدور الإسرائيلى ويسانده كنا سنواجه مصاعب فى الوصول الى دارفور لنمارس دورنا المتعدد الأوجه بمفردنا وبمنأى عن الدعم الأمريكى والأوروبى.

   صانعوا القرار فى البلاد كانوا من أوائل المبادرين الى وضع خطة للتدخل الإسرائيلى فى دارفور 2003 والفضل يعود الى رئيس الوزراء السابق إرييل شارون. أثبتت النظرة الثاقبة لشارون والمستمدة من فهمه لمعطيات الوضع السودانى خصوصا والوضع فى غرب أفريقيا صوابيتها. هذه النظرة وجدت تعبيرا لها فى كلمة قاطعة ألقاها رئيس الوزراء السابق خلال اجتماع الحكومة فى عام 2003 (حان الوقت للتدخل فى غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل وبنفس أهداف تدخلنا فى جنوب السودان).

   لابد من التفكير مرة أخرى بأن قدر هام وكبير من أهدافنا فى السودان قد تحقق على الأقل فى الجنوب وهذه الأهداف تكتسب الآن فرص التحقيق فى غرب السودان فى دارفور.

***

   وعندما سئل ديختر ما هى نظرته الى مستقبل السودان على خلفية أزماته المستعصية فى الجنوب وفى الغرب والإضطراب السياسى وعدم الاستقرار فى الشمال وفى مركز القرار الخرطوم؟  هذا السؤال طرحه نائب وزير الدفاع السابق جنرال الإحتياط "إفرايم سنيه".

   رد ديختر على هذا السؤال: ان هناك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف فى السودان لصالح خيارات تتعلق بضرورة أن يستقل جنوب السودان وكذلك إقليم دارفور على غرار استقلال إقليم كوسوفو. لا يختلف الوضع فى جنوب السودان وفى دارفور عن وضع كوسوفو. سكان هذين الإقليمين يريدون الإستقلال وحق تقرير المصير قاتلوا الحكومة المركزية من أجل ذلك.

    وأريد أن أنهى تناولى للمحور السودانى فى هذه المحاضرة تأكيد أن استراتيجيتنا التى ترجمت على الأرض فى جنوب السودان سابقا وفى غربه حاليا استطاعت أن تغير مجرى الأوضاع فى السودان نحو التأزم والتدهور والإنقسام. أصبح يتعذر الآن الحديث عن تحول السودان الى دولة إقليمية كبرى وقوة داعمة للدول العربية التى نطلق عليها دول المواجهة مع اسرائيل. السودان فى ظل أوضاعه المتردية والصراعات المحتدمة فى جنوبه وغربه وحتى فى شرقه غير قادر على التأثير بعمق فى بيئته العربية والأفريقية لأنه متورط ومشتبك فى صراعات ستنتهى إن عاجلا أو آجلا بتقسيمه الى عدة كيانات ودول مثل يوغوسلافيا التى انقسمت الى عدة دول البوسنة والهرسك وكرواتيا وكوسوفو ومقدونيا وصربيا ويبقى السؤال عالقا متى؟

   بالنسبة لجنوب السودان الدلائل كلها تؤكد أن جنوب السودان فى طريقه الى الإنفصال لأن هذا هو خياره الوحيد. هو بحاجة الى كسب الوقت لإقامة مرتكزات دولة الجنوب. وقد يتحقق ذلك قبل موعد إجراء الاستفتاء عام 2011 إلا إذا طرأت تغيرات داخلية واقليمية إما أن تسهم فى تسريع تحقق هذا الخيار أو فى تأخيره. 

*****

القاهرة فى 3 فبراير 2023

 

الأربعاء، 1 فبراير 2023

لماذا أعادوهم بعد أن أخرجوهم؟


 

نقلا عن صفحة الدكتور صالح النعامى فان أحد المتحدثين على قناة 12 الاسرائيلية ذكر ما قاله ابو مازن الى رئيس المخابرات المركزية الامريكية بالنص، حيث قال له: *

·      ان التعاون الاستخباراتى مع اسرائيل مستمر.

·      نحن الفلسطينيون سنستمر فى منع العمليات الامنية.

·      وسنجدد التنسيق الامنى لكى تهدأ النفوس.

·      وحين اعلنا انه ليس موجودا كان ذلك لكى تعجل اسرائيل من تبطيئ افكارها بالنسبة الى الاستيطان.

·      وانا لم استطع شجب عملية القدس لان الشجب من ناحيتى كان بمثابة انتحار سياسى

***

اجتاح الجيش الصهيوني لبنان عام 1982 ووصل إلى قلب بيروت، وحاصرها 83 يوما، ولم ينسحب منها إلا بعد أن أَجبَر القوات الفلسطينية على مغادرة لبنان إلى المنفى فى أبعد بقاع الأرض عن فلسطين، إلى تونس واليمن .

وكان الصهاينة طوال فترة السبعينات يهددون ويتوعدون ويطالبون بإخراج الفلسطينيين من لبنان لأنهم يهددون أمن (إسرائيل) ووجودها .

***

ولكن فى عام 1994 سمح الصهاينة بدخول القيادات الفلسطينية إلى غزة والضفة، بموجب اتفاقيات أوسلو  بعد 12 سنة من طردهم من لبنان .

أعادوهم إلى القلب من الكيان، على بعد أمتار من فلسطين التي يسمونها الآن (إسرائيل) . فأصبحوا أقرب للصهاينة بكثير من الوضع الذي كانوا عليه فى لبنان . أصبحوا متلاصقين ومتداخلين .

ماذا الذي تغير؟ فجعل الصهاينة يعيدوهم هنا، بعد ان أخرجوهم من هناك؟

هل غيروا من آرائهم ومعتقداتهم الصهيونية؟

هل أصبحوا فجأة من الأخيار؟

هل أصبحوا أقل حرصا على أمن (إسرائيل) ووجودها ؟

أم ماذا ؟

الإجابة واضحة وصريحة ويعلمها الجميع .

لقد أعادوهم لانجاز مهمتين واضحتين لا ثالث لهما :

الأولى: هي التنازل لهم عن 78 % من فلسطين وإعطاءهم صكا فلسطينيا شرعيا بذلك، وهو ما تم بالفعل.

الثانية: هي تصفية المقاومة وتجريمها ونزع سلاحها. وحين أراد أبو عمار التحرر والتطهر من هذه الالتزامات قاموا بتصفيته، وجاءوا بمن يلتزم بها وينفذها.

وهو ما يجرى الآن على قدم وساق من خلال التنسيق الأمني المشترك،

هذا هي حقيقة ما يجرى الآن من السلطة الفلسطينية .

وكل ما عدا ذلك هو لغو وتضليل .

*****

القاهرة فى أول فبراير 2023

* رابط الحديث