التواصل بالبريد الالكترونى

بحث فى المدونة

السبت، 8 مايو 2021

القدس رايتنا

 في الحروب القديمة، كان لكل جيش من المتحاربين راية، يحملها مقاتل شجاع، يتم انتقاءه بعناية، مهمته الوحيدة هي الإبقاء عليها مرفوعة مرفرفة على الدوام. وكان يكلف بالصمود حتى اللحظة الأخيرة مهما كانت الصعاب او اشتد الكر والفر او حمى وطيس المعركة.

وفى مواجهة احتمالات الهزيمة، كان يوصى بان يكون هو آخر المتراجعين أو المنسحبين، وان يحاول إن جُرح أو ضُرب في مقتل، إن يرفع رايته عاليةً ولو لبضعة دقائق إضافية، الى ان يتسلمها منه مقاتل جديد.

لماذا؟

لأنه فى ذروة القتال حين يكون كل إمرئ مشدودا بكل جوارحه الى ظرفه الخاص من كر وفر، وهجوم ودفاع، وحين تكون حياته على المحك، كانت أطرف الأعين تسترق لمحات خاطفة الى راياتها. فان وجدتها متقدمة ومقتحمة لصفوف العدو، دل ذلك على ان النصر قريب، فزادهم ذلك همة وحماسة وقدرة على التحمل ومواصلة القتال.

وان تراجعت الرايات، أدركوا ان أحوال المعركة لا تسير لصالحهم، فتهتز ثقتهم قليلا او كثيرا، فيتدبرون أمرهم، ويبحث قادتهم عن خطط وتكتيكات جديدة.

 كانت حركة الراية ومكانتها وموضعها أثناء المعارك تقوم بنفس الدور الذي تقوم به اليوم البيانات العسكرية وأجهزة الإعلام وإدارات الشئون المعنوية.

وكان ظهور راية الجيش المهاجم فى قلعة العدو، بمثابة إعلان ان الحصار قد نجح وان الحصن على وشك السقوط.

وان سقطت الراية، واختفت ولم يعد هناك من يرفعها، كان هذا مؤشرا على هزيمة أصحابها واندحارهم.

***

ان القدس بهذا المعنى البسيط، هى رايتنا كعرب ومسلمين، وسقوطها يختلف عن سقوط غيرها من المدن العربية، كحيفا ويافا وغزة ورام الله وبغداد. فسقوطها يعنى سقوط حامل الراية، الذى مات او استشهد او انكسر او جبن عن ان يحمل رايته ورمز أمته.

فالحروب الصليبية التى دارت معاركها من 1096 حتى 1291، شاهدت سقوط عديد من المدن والإمارات العربية والإسلامية في يد الغزاة، ولكن كان لسقوط القدس عام 1099 دويا أليما، وكأنها عاصمة الأمة.

وكذلك شاهدت نفس هذه الفترة انتصارات ومعارك تحرير عربية إسلامية كثيرة فى عهود عماد الدين زنكى، ونور الدين محمود، والناصر داوود الايوبى، والظاهر بيبرس، والمنصور قلاوون.

ولكن كان لتحرير القدس على يد جيش صلاح الدين عام 1187 وقعا مختلفا ودلالة تاريخية فارقة.

 وعندما مات صلاح الدين، كان لا يزال هناك عدد من الامارات الصليبية فى اراضينا، ولكن معركة حطين كانت هى الضربة القاصمة التى توالى بعدها انهيار المشروع الصليبى بأكمله.

***

لماذا للقدس هذه المنزلة؟

اولا ــ لما لها من قدسية خاصة منذ أسرى الله سبحانه و تعالى بالرسول عليه الصلاة والسلام الى المسجد الأقصى. وهو الرسول الذى مثلت رسالته، نقطة تحول فارقة فى تاريخ هذه المنطقة، فبها أسلمنا وتعربنا، وخرجت الى الحياة امة وليدة جديدة، كانت لقرون طويلة، واحدة من القوى الكبرى فى العالم.

وثانيا ـ  لان القدس هى البوابة التي كان المعتدون على مر التاريخ سواء من الصليبيين الفرنجة او من الصهاينة، يحاولون الولوج منها إلى أوطاننا، بذرائع دينية كاذبة؛

فهى ارض المسيح التى يجب تحريرها من العرب الكفرة، وفقا لخطبة البابا أربان الثاني فى فرنسا عام 1095 م.

وهى الأرض المقدسة لليهود، التى ذكرت فى التوراة اكثر من 660 مرة، وفيها هيكلهم المزعوم، والتي احتلها الغزاة العرب المسلمون على امتداد 14 قرنا، حسب فتاوى الحاخامات والقادة الصهاينة المعاصرين.

فجميع الغزاة، استخدموا القدس لاختلاق مشروعية دينية مقدسة لغزواتهم، علهم ينجحون بذلك فى انتزاع مشروعية قومية، مشروعية لاغتصاب أوطاننا والبقاء فيها.

وكان رد أسلافنا على مر التاريخ، هو القتال لطرد الغزاة وتحرير الأرض المغتصبة، انطلاقا من الحقيقة التاريخية الموضوعية، وهى ان هذه أرضنا نحن، التى تعربت وتعربنا معها منذ الفتح الإسلامي، وعشنا فيها قرونا طويلة، و لم نغادرها أبدا منذ ذلك الحين، فاختصصنا بها دونا عن غيرنا من الشعوب والأمم.

 أما المقدسات الدينية فإنها لا تعطى وحدها، أهل هذا الدين أو ذاك، أى حق في امتلاك الأرض التى تحتضن مقدساتهم. فالأمم ليست مقدسات فقط، وإنما هي ايضا شعب وارض وتاريخ طويل ولغة واحدة وحضارة متميزة ولا نقول ممتازة.

***

وهكذا كانت القدس على الدوام رمزا للجميع: رمزا لهويتنا العربية والإسلامية، وهى هوية صادقة وحقيقة موضوعية ثابتة تاريخيا.

وكانت أيضا رمزا كاذبا ومختلقا ومزعوما للصهاينة ومن قبلهم الصليبيين.

***

وبالتالي فان حماية القدس من السقوط، هي فى الأولوية دائما، لان حمايتها تمثل حائط صد ضد تحصين الاغتصاب الصهيوني بمشروعية دينية زائفة.

·   ولان الدفاع عنها هو دفاع عن اختصاصنا التاريخي بكل فلسطين، بل وكل الأرض العربية.

·   ولأنها قضية لا يملك أحدا فى السلطة الفلسطينية من جماعة أوسلو، ان يدعى اختصاصه وانفراده بها، فهى قضية كل العرب مسلمين ومسيحيين وكل المسلمين من غير العرب، وليست قضية فلسطينية فقط، وهو ما يستدعى من ناحية أخرى إخراجها من أجندة المفاوضات العبثية بين السلطة والصهاينة.

·   ولأنها قادرة برمزيتها المقدسة، على تعبئة جماهيرنا في كل مكان للاشتباك مع العدو الصهيوني، فهي البوابة الأنسب لهذه المهمة.

·   وأخيرا وليس آخرا، لأنها قضية ملحة وعاجلة، حيث يقوم العدو الآن بتصعيد وتكثيف العدوان عليها، لهضمها وابتلاعها فى اقرب وقت.

***

التهويد قديم :

ومسلسل اغتصاب القدس وتهويدها قديم، بدأ منذ بدايات الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1922، عندما تركزت الهجرات اليهودية الوافدة، غرب المدينة القديمة، لتكون نواة ما يسمونه الآن بالقدس الغربية. ثم توالى المسلسل باغتصاب القدس الغربية عام 1948 ضمن ما تم اغتصابه من فلسطين. وقام الصهاينة بطرد ما يقرب من 60 ألف عربي منها. ثم جاء احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967، وما تلاه عام 1980من ضم القدس الشرقية إلى الغربية تحت اسم القدس الموحدة عاصمة لدولة الكيان. لتتابع الاعتداءات ببناء أحزمة من المستوطنات لحصار المدينة القديمة من الشرق لعزلها عن محيطها العربي، والحيلولة دون امتدادها وتوسعها فى هذا الاتجاه ايضا، لوأد أى مشروع لاسترداد القدس الشرقية فى اى مفاوضات مستقبلية. وذلك من خلال زرع اكبر عدد من المستوطنات والمستوطنين الصهاينة فى القدس الشرقية ليبلغ عددهم فيها اليوم ما يزيد عن 300 ألف مستوطن، ويبلغ عددهم فى الضفة الغربية ما يقرب من 700 الف.

ولنتذكر معا أن جملة عدد اليهود فى كل فلسطين عام 1917 لم يتعدَ 60 الف، وهو ما جعلهم يكتفون بطلب حق اقامة وطن قومى لهم هناك، ولكن عام 1947 عندما بلغ عددهم 650 الف، كان لديهم الجرأة ان يطالبوا بدولة وليس بمجرد وطن، وهو ما اخذوه بالفعل من الامم المتحدة فيما سمى بقرار التقسيم.

 

ولكن الآن بلغ عددهم كما أسلفنا 700 الف يهودي فى الضفة الغربية وحدها. فلنا ان نتصور حجم المشكلة وعمق التهويد الذي تم هناك. والذي يستكملونه على قدم وساق بالتربص بالمسجد الأقصى وإزالة منازل أهالينا المقدسيين وغيرها من الإجراءات اليومية التى كادت ان تنجح فى التهويد الكامل لمدينتنا المقدسة.

***

والراية على وشك السقوط:

وطوال هذه العقود، لم تتوقف مقاومتنا للمشروع الصهيوني عامة، ولتهويد القدس على وجه الخصوص، فمنذ ثورة البراق فى أغسطس 1929 وإعدام قادتها الثلاثة، الشهداء عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي فى سجن عكا في 17 يونيو 1930، مرورا بانتفاضات 1987 و 2000، وما تلاها من صمود ومقاومة بطولية ضد حروب الاحتلال على غزة، بالاضافة الى الاشتباكات الدائمة التى يمارسها شعبنا الأعزل هناك يوميا، في مواجهة ماكينات القتل والابادة والتهجير والأسر الصهيونية.

إن أبطالنا المقدسيين، يلتزمون بوصايا الأجداد، فهم لا يزالون يحملوا الراية، ويحفظونها من السقوط بما تبقى لهم من طاقة. ولكن جروحهم أُثخنت، وهم في انتظار مقاتلين جدد، يشدون من أزرهم، ويتسلمون منهم الراية التي كادت ان تسقط، فهل من مجيب؟

*****

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القـدس رايتـنـــا

محمد سيف الدولة

Seif_eldawla@hotmail.com

 

في الحروب القديمة، كان لكل جيش من المتحاربين راية، يحملها مقاتل شجاع، يتم انتقاءه بعناية، مهمته الوحيدة هي الإبقاء عليها مرفوعة مرفرفة على الدوام. وكان يكلف بالصمود حتى اللحظة الأخيرة مهما كانت الصعاب او اشتد الكر والفر او حمى وطيس المعركة.

وفى مواجهة احتمالات الهزيمة، كان يوصى بان يكون هو آخر المتراجعين أو المنسحبين، وان يحاول إن جُرح أو ضُرب في مقتل، إن يرفع رايته عاليةً ولو لبضعة دقائق إضافية، الى ان يتسلمها منه مقاتل جديد.

لماذا؟

لأنه فى ذروة القتال حين يكون كل إمرئ مشدودا بكل جوارحه الى ظرفه الخاص من كر وفر، وهجوم ودفاع، وحين تكون حياته على المحك، كانت أطرف الأعين تسترق لمحات خاطفة الى راياتها. فان وجدتها متقدمة ومقتحمة لصفوف العدو، دل ذلك على ان النصر قريب، فزادهم ذلك همة وحماسة وقدرة على التحمل ومواصلة القتال.

وان تراجعت الرايات، أدركوا ان أحوال المعركة لا تسير لصالحهم، فتهتز ثقتهم قليلا او كثيرا، فيتدبرون أمرهم، ويبحث قادتهم عن خطط وتكتيكات جديدة.

 كانت حركة الراية ومكانتها وموضعها أثناء المعارك تقوم بنفس الدور الذي تقوم به اليوم البيانات العسكرية وأجهزة الإعلام وإدارات الشئون المعنوية.

وكان ظهور راية الجيش المهاجم فى قلعة العدو، بمثابة إعلان ان الحصار قد نجح وان الحصن على وشك السقوط.

وان سقطت الراية، واختفت ولم يعد هناك من يرفعها، كان هذا مؤشرا على هزيمة أصحابها واندحارهم.

***

ان القدس بهذا المعنى البسيط، هى رايتنا كعرب ومسلمين، وسقوطها يختلف عن سقوط غيرها من المدن العربية، كحيفا وغزة ورام الله وبغداد. فسقوطها يعنى سقوط حامل الراية، الذى مات او استشهد او انكسر او جبن عن ان يحمل رايته ورمز أمته.

فالحروب الصليبية التى دارت معاركها من 1096 حتى 1291، شاهدت سقوط عديد من المدن والإمارات العربية والإسلامية في يد الغزاة، ولكن كان لسقوط القدس عام 1099 دويا أليما، وكأنها عاصمة الأمة.

وكذلك شاهدت نفس هذه الفترة انتصارات ومعارك تحرير عربية إسلامية كثيرة فى عهود عماد الدين زنكى، ونور الدين محمود، والناصر داوود الايوبى، والظاهر بيبرس، والمنصور قلاوون.

ولكن كان لتحرير القدس على يد جيش صلاح الدين عام 1187 وقعا مختلفا ودلالة تاريخية فارقة.

 وعندما مات صلاح الدين، كان لا يزال هناك عدد من الامارات الصليبية فى اراضينا، ولكن معركة حطين كانت هى الضربة القاصمة التى توالى بعدها انهيار المشروع الصليبى بأكمله.

***

لماذا للقدس هذه المنزلة؟

اولا ــ لما لها من قدسية خاصة منذ أسرى الله سبحانه و تعالى بالرسول عليه الصلاة والسلام الى المسجد الأقصى. وهو الرسول الذى مثلت رسالته، نقطة تحول فارقة فى تاريخ هذه المنطقة، فبها أسلمنا وتعربنا، وخرجت الى الحياة امة وليدة جديدة، كانت لقرون طويلة، واحدة من القوى الكبرى فى العالم.

وثانيا ـ  لان القدس هى البوابة التي كان المعتدون على مر التاريخ سواء من الصليبيين الفرنجة او من الصهاينة، يحاولون الولوج منها إلى أوطاننا، بذرائع دينية كاذبة؛

فهى ارض المسيح التى يجب تحريرها من العرب الكفرة، وفقا لخطبة البابا أربان الثاني فى فرنسا عام 1095 م.

وهى الأرض المقدسة لليهود، التى ذكرت فى التوراة اكثر من 660 مرة، وفيها هيكلهم المزعوم، والتي احتلها الغزاة العرب المسلمون على امتداد 14 قرنا، حسب فتاوى الحاخامات والقادة الصهاينة المعاصرين.

فجميع الغزاة، استخدموا القدس لاختلاق مشروعية دينية مقدسة لغزواتهم، علهم ينجحون بذلك فى انتزاع مشروعية قومية، مشروعية لاغتصاب أوطاننا والبقاء فيها.

وكان رد أسلافنا على مر التاريخ، هو القتال لطرد الغزاة وتحرير الأرض المغتصبة، انطلاقا من الحقيقة التاريخية الموضوعية، وهى ان هذه أرضنا نحن، التى تعربت وتعربنا معها منذ الفتح الإسلامي، وعشنا فيها قرونا طويلة، و لم نغادرها أبدا منذ ذلك الحين، فاختصصنا بها دونا عن غيرنا من الشعوب والأمم.

 أما المقدسات الدينية فإنها لا تعطى وحدها، أهل هذا الدين أو ذاك، أى حق في امتلاك الأرض التى تحتضن مقدساتهم. فالأمم ليست مقدسات فقط، وإنما هي ايضا شعب وارض وتاريخ طويل ولغة واحدة وحضارة متميزة ولا نقول ممتازة.

***

وهكذا كانت القدس على الدوام رمزا للجميع: رمزا لهويتنا العربية والإسلامية، وهى هوية صادقة وحقيقة موضوعية ثابتة تاريخيا.

وكانت أيضا رمزا كاذبا ومختلقا ومزعوما للصهاينة ومن قبلهم الصليبيين.

***

وبالتالي فان حماية القدس من السقوط، هي فى الأولوية دائما، لان حمايتها تمثل حائط صد ضد تحصين الاغتصاب الصهيوني بمشروعية دينية زائفة.

·   ولان الدفاع عنها هو دفاع عن اختصاصنا التاريخي بكل فلسطين، بل وكل الأرض العربية.

·   ولأنها قضية لا يملك أحدا فى السلطة الفلسطينية من جماعة أوسلو، ان يدعى اختصاصه وانفراده بها، فهى قضية كل العرب مسلمين ومسيحيين وكل المسلمين من غير العرب، وليست قضية فلسطينية فقط، وهو ما يستدعى من ناحية أخرى إخراجها من أجندة المفاوضات العبثية بين السلطة والصهاينة.

·   ولأنها قادرة برمزيتها المقدسة، على تعبئة جماهيرنا في كل مكان للاشتباك مع العدو الصهيوني، فهي البوابة الأنسب لهذه المهمة.

·   وأخيرا وليس آخرا، لأنها قضية ملحة وعاجلة، حيث يقوم العدو الآن بتصعيد وتكثيف العدوان عليها، لهضمها وابتلاعها فى اقرب وقت.

***

التهويد قديم :

ومسلسل اغتصاب القدس وتهويدها قديم، بدأ منذ بدايات الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1922، عندما تركزت الهجرات اليهودية الوافدة، غرب المدينة القديمة، لتكون نواة ما يسمونه الآن بالقدس الغربية. ثم توالى المسلسل باغتصاب القدس الغربية عام 1948 ضمن ما تم اغتصابه من فلسطين. وقام الصهاينة بطرد ما يقرب من 60 ألف عربي منها. ثم جاء احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967، وما تلاه عام 1980من ضم القدس الشرقية إلى الغربية تحت اسم القدس الموحدة عاصمة لدولة الكيان. لتتابع الاعتداءات ببناء أحزمة من المستوطنات لحصار المدينة القديمة من الشرق لعزلها عن محيطها العربي، والحيلولة دون امتدادها وتوسعها فى هذا الاتجاه ايضا، لوأد أى مشروع لاسترداد القدس الشرقية فى اى مفاوضات مستقبلية. وذلك من خلال زرع اكبر عدد من المستوطنات والمستوطنين الصهاينة فى القدس الشرقية ليبلغ عددهم فيها اليوم ما يزيد عن 300 ألف مستوطن، ويبلغ عددهم فى الضفة الغربية ما يقرب من 700 الف.

ولنتذكر معا أن جملة عدد اليهود فى كل فلسطين عام 1917 لم يتعدَ 60 الف، وهو ما جعلهم يكتفون بطلب حق اقامة وطن قومى لهم هناك، ولكن عام 1947 عندما بلغ عددهم 650 الف، كان لديهم الجرأة ان يطالبوا بدولة وليس بمجرد وطن، وهو ما اخذوه بالفعل من الامم المتحدة فيما سمى بقرار التقسيم.

 

ولكن الآن بلغ عددهم كما أسلفنا 700 الف يهودي فى الضفة الغربية وحدها. فلنا ان نتصور حجم المشكلة وعمق التهويد الذي تم هناك. والذي يستكملونه على قدم وساق بالتربص بالمسجد الأقصى وإزالة منازل أهالينا المقدسيين وغيرها من الإجراءات اليومية التى كادت ان تنجح فى التهويد الكامل لمدينتنا المقدسة.

***

والراية على وشك السقوط:

وطوال هذه العقود، لم تتوقف مقاومتنا للمشروع الصهيوني عامة، ولتهويد القدس على وجه الخصوص، فمنذ ثورة البراق فى أغسطس 1929 وإعدام قادتها الثلاثة، الشهداء عطا الوزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي فى سجن عكا في 17 يونيو 1930، مرورا بانتفاضات 1987 و 2000، وما تلاها من صمود ومقاومة بطولية ضد حروب الاحتلال على غزة، بالاضافة الى الاشتباكات الدائمة التى يمارسها شعبنا الأعزل هناك يوميا، في مواجهة ماكينات القتل والابادة والتهجير والأسر الصهيونية.

إن أبطالنا المقدسيين، يلتزمون بوصايا الأجداد، فهم لا يزالون يحملوا الراية، ويحفظونها من السقوط بما تبقى لهم من طاقة. ولكن جروحهم أُثخنت، وهم في انتظار مقاتلين جدد، يشدون من أزرهم، ويتسلمون منهم الراية التي كادت ان تسقط، فهل من مجيب؟

*****

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخميس، 6 مايو 2021

أوهام الرهان على الأمريكان

على الذين يراهنون على الادارة الامريكية الجديدة وينتظرون منها ان تضغط على انظمة الحكم العربية لتخفيف قبضتها الحديدية على المعارضة واتخاذ اجراءات أكثر انحيازا للديمقراطية وحقوق الانسان، ان يتخلصوا من اوهامهم.

***

ولنتفق اولا على أن استدعاء الخارج، تدخلا أو استقواءً او تدويلا، مهما بلغت درجة معاناة الشعوب من حكامها، كان وسيظل موقفا مرفوضا ومدانا بشكل قاطع، يقع تحت طائلة الخيانة الوطنية.

وذلك لعشرات الاسباب والثوابت والبديهيات على رأسها ما يعلمه الجميع من ان الخارج الذي هو الولايات المتحدة ومجتمعها الدولى بالاساس، هى قوى استعمارية معادية وعدوانية، تكره وتنهب وتستغل كل شعوب الارض، ولا تستهدف سوى مصالحها، ووجودها واطماعها ومشروعاتها فى بلادنا خير دليل على ذلك من اول حماية ودعم وتسليح (اسرائيل)، ومرورا بحصار العراق وغزوه، وانتهاءً بنهب الثروات العربية وبذر القواعد العسكرية والهيمنة على الممرات الاستراتيجية..الخ. ناهيك عن النهايات الكارثية التى لحقت بالبلاد التى استدعت القوات الامريكية وحلف الناتو او التى تتم تدويل قضاياها.

ولمن لا تُجدى معه الحجج السابقة، فاننا نكتب له هذه الكلمات عن عمق العلاقات وتعدد واتساع المصالح بين الولايات المتحدة وبين الغالبية العظمى من الدول العربية، ليتخلص من كل أوهامه، ويدرك ان الامريكان لا تعنيهم حرية الشعوب وحقوقها من قريب او بعيد، الا فى كونها ورقة ضغط وتفاوض لترويض واخضاع انظمة الحكم.

***

ولن أضرب أمثلة من المحميات الامريكية فى السعودية والخليج، وانما سآخذ مصر مثالا واضحا على الاهمية الكبرى التى توليها الولايات المتحدة للدولة المصرية فى الاستراتيجية الامريكية فى المنطقة، والتى تعلو وتسود على اى قضايا أو ملفات أخرى، وهو الاهتمام الذى لم يتغير منذ ما يزيد عن اربعين عاما، رغم كل التحفظات والتصريحات التى تصدر من حين لآخر من مسئولين امريكيين عن احوال الديمقراطية وحقوق الانسان فى مصر.

ويمكننا ان نستهل حديثنا بالاخبار الاخيرة التى نشرتها السفارة الامريكية بالقاهرة، والتى قد تزيل أى التباس أو غموض حول طبيعة العلاقات الحالية فى ظل الادارة الامريكية الجديدة، كما انها تقدم تحديثا هاما ومفيدا للمتابعين والمتخصصين فى هذا الملف:

***

نشرت السفارة الامريكية فى القاهرة على موقعها الالكترونى خبرا عن توقيع مذكرة ((تفاهم للاستحواذ والخدمات المتبادلة ـ ACSMOU)) بين مصر وامريكا فى 27 ابريل الماضى تتعلق بتسهيل تبادل الدعم اللوجستي العسكري والإمدادات والخدمات.

وذكرت السفارة فى بيانها ان المذكرة تضع إطار عمل للقوات العسكرية المصرية والأمريكية لتبادل الدعم اللوجستي والإمدادات والخدمات. وفي حين أن مذكرة التفاهم لا تلزم أي من الجانبين بتقديم الدعم، إلا أنها تنشئ آلية دائمة لضمان قدرة القوات العسكرية الأمريكية والمصرية على تقديم دعم قابل للسداد لبعضهما البعض عند الحاجة. ستتيح مذكرة التفاهم تسهيل تقديم الخدمات المشتركة والمتطلبات اللوجستية خلال أنشطة التدريبات والتبادلات المشتركة المستقبلية وذلك بدلاً من توقيع اتفاقيات قصيرة المدى أو اتفاقيات منفصلة لكل نشاط من هذه الأنشطة. وخلال العام الحالي، ستُسهل مذكرة التفاهم الجوانب اللوجيستية ومشاركة القوات الأمريكية خلال مناورات النجم الساطع 2021، وهي المناورات متعددة الأطراف التي تأتي لمواصلة التدريبات العريقة بين الولايات المتحدة ومصر والدول الشريكة التي تعمل معًا لتعزيز الاستعداد للرد على التهديدات الإقليمية، وبناء إطار مشترك لمكافحة الإرهاب وحفظ السلم والأمن الإقليميين.

 وتعقيباً على هذا، أشار السفير الأمريكي في مصر جوناثان كوهين إلى أن العلاقة العسكرية الأمريكية مع مصر كانت ولا تزال أساسًا للشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ومصر لأكثر من أربعين عامًا، وأن المعدات الأمريكية تدعم القوات الجوية المصرية والقوات البرية والبحرية وحرس الحدود في مواجهة أي تهديدات لأمن مصر، حيث يُعد التعاون الدفاعي مع مصر حجر الزاوية في شراكتنا الاستراتيجية، والتي تشمل مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والتدريب المشترك والتخطيط لمواجهة التحديات الجيوسياسية المعقدة.

***

وفى 12 ابريل الماضى ايضا، نشرت السفارة على ذات الموقع خبرا آخر عن انضمام مصر الى القوة البحرية المشتركة CMF لتصبح العضو رقم 34 فيها.

وجاء فى الخبر ان القوة البحرية المشتركة "CMF" هو تحالف دائم لقوات متعددة الجنسيات ملتزم بدعم النظام الدولي المستند إلى القواعد من خلال مكافحة الجهات الفاعلة غير المشروعة والتي لا تمثل اي دولة في أعالي البحار وذلك لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار. وتشمل منطقة عمليات CMF بعضًا من أهم ممرات الشحن في العالم مع أكثر من 3 ملايين ميل مربع من المياه الدولية، بما في ذلك الممرات الرئيسية لقناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز.

وذكرت السفارة ان الأدميرال صمويل بابارو نائب قائد الأسطول الخامس وقائد القوة البحرية المشتركة، قد رحب بعضوية مصر أثناء زيارته للإسكندرية. فقال ((اليوم هو يوم تاريخي حيث تدخل مصر في تحالفنا الدائم. مصر شريك هام في ضمان الاستقرار في المنطقة، ويشرفنا أن نرحب بشراكة مصر في مهمتنا التي تركز على جعل المنطقة والعالم مكانًا أكثر أمانًا)) وان مصر ((تقدم ثروة من الخبرة التشغيلية في المنطقة والقدرات البحرية إلى القوات البحرية المشتركة، وتوفر الآن شركاء التحالف على جانبي البحر الأحمر، وهو ممر مائي ذو أهمية إستراتيجية كبيرة يمثل 10 في المائة من التجارة العالمية. ستعمل عضوية مصر على تحسين الوعي المتبادل والقدرة على العمل في وسط وشمال البحر الأحمر.))

***

واضح اننا امام تصريحات امريكية رسمية "حديثة" تؤكد على اهمية التعاون العسكرى مع مصر والاشادة بفوائده، لتضاف الى السجل الطويل السابق من الاشادات المماثلة والتى منها على سبيل المثال:

·       ((فى اغسطس 2013 وافقت السلطات المصرية على مرور البارجة الأمريكية سان انطونيو من قناة السويس قبل مرور 24 ساعة من تقديمنا لطلب المرور بينما فى الظروف العادية تحتاج الموافقة الى 23 يوما، وهذا مثل واحد فقط من التسهيلات التى نحصل عليها جراء التعاون العسكرى مع مصر))

من شهادة دريك شوليت مساعد وزير الدفاع الأمريكى فى جلسة الكونجرس بتاريخ 29 اكتوبر 2013
***

·        ((مساعدتنا العسكرية لمصر ليست هدية، فهى تحقق لنا فوائد جمة، لا تقتصر فقط على الحفاظ على معاهدة السلام..

o      فبعد كامب ديفيد قدم الجيش المصري تعهدا بالتحول من نموذج التدريب والتجهيز الروسى للنموذج الامريكى

o      وكان ذلك قرار كبيرا لانه انتقال كبير فى المفاهيم والعقيدة والمعدات..

o      فى عملياتنا العسكرية فى المنطقة، لا نستطيع بدون مصر، ان نصل الى المواقع الاستراتيجية فيها..

o      بدون قناة السويس وحقوق الطيران فوق مصر والتسهيلات بقاعدة غرب القاهرة وغيرها لا يمكننا تحريك أو دعم قوات الانتشار السريع و قوات الطوارىء ..

o      لقد وفرت مناورات النجم الساطع فى مصر لنا وللأوربيين مساحات واسعة للتدريب كان من الصعب الحصول فى مناطق أخرى..

o      لقد ظلت علاقة أمريكا بالجيش المصرى قوية جدا وذهبنا الى ساحات المعارك سويا وأعطونا كل ما نحتاجه لمواجهة حالات الطوارىء وكانوا بجانبنا اثناءها))

الجنرال انطونى زينى القائد السابق للمنطقة المركز الامريكية ـ فى ندوة بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن ـ مايو 2013

***

·       ان الجيش المصري شريك قوى لأمريكا والاستثمار فيه له عوائد كثيرة:

o      يعطينا مرورا تفضيليا فى السويس وتحليقا ديناميكيا، وتعاون استخباراتي، وتعاون فى مكافحة الارهاب

o      ان الأسلحة والمعدات التى نقدمها للمصريين لن تستخدم فى أى صورة قد تعرض للخطر، موظفى الولايات المتحدة العسكرية أو المدنية أو مصالح الولايات المتحدة))

من وقائع جلسة إعادة تنصيب رئيس الأركان الامريكى مارتان ديمبسى بمجلس الشيوخ الامريكى ـ لجنة القوات المسلحة ـ 18/7/2013

***

دراسة قديمة شهيرة قام "تقرير واشنطن" بنشر عرضا هاما لها عام 2007، أعدها مكتب محاسبة الإنفاق الحكومي U.S. Government Accountability Office، وهو مؤسسة تابعة للكونجرس الأمريكي، ورد فيها ما يلى:

·       أنفقت مصر بين عامي 1999 و2005 مبلغ 3.8 مليار دولار لشراء معدات عسكرية ثقيلة من الشركات الأمريكية وبما يوازى 80 % من إجمالي المشتريات العسكرية المصرية، وأن 52 % من مجموع المعدات العسكرية المصرية وفقا لاحصاء 2005 هي معدات أمريكية، وأن المساعدات العسكرية الأمريكية تم استخدامها في استبدال المعدات التي كانت مصر قد حصلت عليها من الاتحاد السوفيتي السابق بمعدات عسكرية أمريكية عصرية.

·       قدمت مصر خدمات لوجستية ومباشرة للقوات الأمريكية في العراق وأفغانستان:

·       مثل السماح بعبور 36553 طائرة عسكرية أمريكية للأجواء المصرية خلال الفترة من 2001إلى 2005

·       منحت مصر تصريحات على وجه السرعة لعدد 861 بارجة حربية أمريكية لعبور قناة السويس خلال نفس الفترة، ووفرت الحماية الأمنية اللازمة لعبور تلك البوارج

·       بالإضافة إلى قيامها بنشر حوالي 800 جندي وعسكري من قواتها في منطقة دارفور غربي السودان عام 2004

·       ان مساعداتها فى عملية نقل الجنود فى الحرب ضد العراق كان أساسيا لانجاح الغزو الأمريكى، بالاضافه لمجهوداتها بعد الحرب لإعادة تأهيل العراق عربيا وعالميا فى المجتمع الدولى.

·       أن مصر قامت أيضا خلال نفس العام بتدريب 250 عنصرا في الشرطة العراقية و25 دبلوماسيا عراقيا

·       إنشائها مستشفى عسكريا وإرسالها عددا من الأطباء إلى قاعدة باجرام العسكرية في أفغانستان بين عامي 2003 و2005، حيث تلقى حوالي أكثر من 100 ألف مصاب هناك الرعاية الصحية.

·       تأثير مصر فى المنطقة فهو محوري فيما يتعلق بمصالح أمريكا فى العالم العربي و الاسلامى والدول النامية

·       ان المساعدات العسكرية لمصر سوف تدفع بأهداف السياسة الخارجية لأمريكا إلى الأمام في المنطقة

·       وسوف تؤهل القوات المسلحة المصرية للمشاركة كحليف فى العمليات العسكرية فى العالم أجمع

·       التدريب والتعليم الدولي العسكري للضباط المصريين .. يخدم مصالح أمريكا فى المنطقة

·       تدريب المصريين على الوسائل المختلفة لمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال، يساعد على دعم المؤسسات والسياسات المتعلقة بالقوانين الاستراتيجيه المسيطرة على التجارة.

***

 واضح من الأمثلة السابقة، الثبات والاستقرار الكبير للعلاقات العسكرية بين مصر وامريكا فى ظل كل الادارات الامريكية المتعاقبة، لا فرق بين جمهوريين وديمقراطيين ولا فرق بين اوباما وترامب. وما يقال عن مصر يقال أضعافه عن غالبية الدول العربية.

***

فكفى أوهاما ورهانا على الولايات المتحدة الامريكية.

 وعلى القوى الوطنية المعارضة فى اى قطر عربى ان تعتمد على سواعدها وسواعد شعوبها فقط، فى معارك الاستقلال والعيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

*****

محمد سيف الدولة