التواصل بالبريد الالكترونى

بحث فى المدونة

الجمعة، 6 يوليو 2018

حكايتنا مع ريالات آل سعود



حكايتنا مع ريالات آل سعود
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

توقفت طويلا أمام حالة العداء للمملكة، الواضحة فى كثير من تعليقات المشاهدين العرب على مباراة الافتتاح فى كاس العالم بين روسيا والسعودية، فكتبت التدوينة التالية معقبا على هذه الحالة:
 ((لو كنت سعوديا، لاهتممت كثيرا بتحليل ودراسة وفهم وتدارك أسباب كل هذه الكراهية الشعبية العربية من المحيط للخليج، لمملكة آل سعود، التى كشفتها الانحيازات والتشجيعات والتعليقات العربية فى مباراة السعودية مع روسيا اليوم.))
فجاءنى ضمن الردود، الرد التالى من حساب سعودى يعرف نفسه بانه: مُطبِّل للوطن .. راقص على جراح الخونة والطابور الخامس ـ الجيش السلماني الإلكتروني. اما تعليقه فكان كما يلى:
((كل اللي يكرهونا نُطف عجم وقرنّشع (لا أعلم من هم القرنشع) ولا لهم ذاك التأثير او الثقل السياسي او الإقتصادي لذلك اشوف كرههم مؤشر ايجابي، واكثر ما يميّزهم ان الريال يجيب اشرف شريف عندهم .. دولتنا تشتري ذممهم وشعبنا يشتري شرفهم.))
***
لم أتعاطف بالطبع مع انحياز غالبية الجماهير العربية ضد فريق السعودية، لأنه مهما كان موقفنا من أنظمة الحكم والحكام والعائلات الحاكمة، فان اهل المملكة سيظلون اشقاء لنا، كما ان وضع كل الشعب فى أى من بلدان العالم فى سلة واحدة هو موقفا عنصريا كريها ومزموما، ولذلك عنونت تدوينتى بما يلى: "نحب الشعوب ونكره حكامهم".
ولكن جاء تعليق عنصر اللجنة الالكترونية السعودية السلمانية، ليجيب بدون قصد على اهم اسباب المشاعر العدائية لمملكته، حين قال ((ان الريال يجيب اشرف شريف عندهم .. دولتنا تشتري ذممهم وشعبنا يشتري شرفهم.))
وهو للاسف ليس تعليقا خاصا من احد صبية محمد بن سلمان او مخبريه، وانما هو موقف واسع الانتشار داخل العائلة الحاكمة تجاه الشعوب العربية الشقيقة، وأخشى ان تمتد جرثومته الى آخرين من داخل الشعب السعودى نفسه.
ويتلخص هذا الموقف العنصرى فيما يلى: ((نحن الاغنياء وانتم الفقراء، نحن الأسياد وأنتم الأجراء، تستجدون منا المنح والقروض والمساعدات وعقود العمل. فمن أصغر اصغركم الى كبير كبيركم لستم سوى سلع نستطيع ان نشتريها ونبيعها ونتصرف فيها كيفما نشاء. ومن يتمرد منكم او يعترض، سنخرجه من جنة عطايانا.))
***
هذه فى تصورى، هى فلسفة الرؤية التى يتبناها امثال هؤلاء تجاه باقى الشعوب العربية، وهى قريبة الشبه بعلاقات الاستغلال التى تمارسها الطبقات الرأسمالية على الطبقات العاملة المشهورة باسم البروليتاريا، وفقا للأدبيات الماركسية.
ولو كان الماركسيون العرب يؤمنون بالعروبة وبوحدة المجتمع العربى وبوحدة تناقضاته وصراعاته، لاعتبروا ان استئثار بضعة مئات من ملوك وامراء السعودية والخليج بالثروات العربية دونا عن باقى الـ 350 مليون مواطن عربى، كانوا سيعتبرونها أكثر اشكال الصراعات الطبقية حدة فى المنطقة العربية. وربما قدموا الاجتهادات والتحليلات والدعوات والشعارات عن وحدة الطبقة العاملة العربية، او وحدة الشعوب العربية فى مواجهة هؤلاء.
***
ورغم ان حكام الخليج، ولا أستثنى منهم أحدا، يعيشون على الارض الطاهرة التى هى موطن رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، وارض الحرمين الشريفين، ومهبط ديننا الحنيف الذي حرم العبودية لغير الله، وحض على إعتاق الرقاب وتحريرها، الا انهم لا يزالوا يستغلون باقى خلق الله على طريقة ملاك العبيد فى العصور القديمة والوسطى.
فمن غيرهم فى العالم يعرف نظام الكفيل، الذي لا يعدو أن يكون أحد أشكال العبودية المبطنة، والذي كان له على امتداد عقود طويلة، بالغ الأثر فى صناعة الكراهية الشعبية العربية لأثرياء النفط فى السعودية والخليج.
ولدينا فى ذلك سجلات سوداء تتضمن ملايين الوقائع والحكايات التي يرويها العائدين الى ديارهم من المتعاقدين المصريين والعرب وغيرهم عن اشكال العنصرية والاذلال والمعاناة التى يعانون منها على ايدى كفلائهم فى المملكة والخليج.
***
وما يفعلونه مع المواطنين العرب يفعلوه ايضا مع حكام الدول العربية الفقيرة، فمن منا يمكن ان ينسى ذلك المشهد المهين لكل من لديه ذرة من الكرامة، والمسيء اساءة بالغة لصورة الشعوب العربية والاسلامية لدى بقية شعوب العالم، حين هرول واحتشد كل هذا العدد من الملوك والرؤساء فى مايو 2017 للقاء وارضاء ومبايعة ترامب، هذا المقاول الامريكى العمومى، وكأنهم عمال تراحيل جمعهم له مقاول الانفار السعودي.
وما زلت أتذكر تصريح محمد بن سلمان متفاخرا كالطاووس فى عام 2015 بان المملكة العربية السعودية هى الدولة الوحيدة فى العالم بعد الولايات المتحدة الامريكية التى استطاعت فى المائة سنة الاخيرة (هكذا) ان تؤسس وتقود تحالفا عسكريا وتحشد له كل هذا العدد من الدول العربية والاسلامية فى اشارة الى التحالف الاسلامى الدولى الذى اعلنته السعودية فى 15/12/2015 ويضم 41 دولة من بينها مصر.
***
انهم يقدمون انفسهم اليوم للأمريكان وللعالم كله، بصفتهم قادة الامتين العربية والاسلامية وحاملو رايتها والمتحدثون باسمها والمتحكمون فى قراراتها وبوصلتها.
وكيف لا يفعلون ذلك وهم يرون أكبر واقوى دولة عربية فى المنطقة والتى يبلغ تعداد شعبها ثلث الامة العربية تقريبا وهى تتنازل لهم عن جزء من اراضيها فى تيران وصنافير مقابل بضعة مليارات من الدولارات.
***
لقد اصبحت هذه العائلات المالكة فى السعودية والخليج اليوم وامثالهم من الانظمة العربية التابعة المستبدة أشد خطرا على مستقبل الأمة العربية وحريتها وما تبقى من استقلالها، من كثير من اعداء الأمة التاريخيين، فالعدو المتخفى والمستتر اشد خطرا ألف مرة من العدو الظاهر، خاصة اذا تحالفا معا، وأكبر مثال على ذلك ما نراه اليوم مما يدفعونه من قرابين وأثمان فادحة للاحتفاظ بالحماية الأمريكية لعروشهم وثرواتهم، بدءا بتصفية القضية الفلسطينية والتطبيع والتحالف مع العدو الصهيونى، ومرورا بقيادتهم للحروب الامريكية بالوكالة وتمويلهم للمرتزقة والميليشيات وامراء الحروب، وانتهاء بدفع الاتاوات بمئات المليارات تحت اقدام ترامب، واغراق الاسواق بالبترول تنفيذا لتعليمات السيد الامريكى، بدلا من توظيفه كسلاح ردع فى مواجهة الضغوط الامريكية والغربية، على غرار ما حدث خلال حرب اكتوبر 1973.
***
وحتى حين قامت ثورة يناير فانها اصطدمت بعنجهيتهم منذ اللحظات الاولى حين اشترطوا خروجا آمنا لمبارك ثم انهمرت الشروط والقيود والأموال كالطوفان، الى ان نجحوا فى اجهاض الثورة؛ أتتذكرون حين حاصر شباب الثورة السفارة الصهيونية عام 2011، ثم تسربت بعض العناصر المشبوهه لمهاجمة السفارة السعودية المجاورة بإيعاز من اجهزة الامن بغرض الاساءة للثورة وشبابها وتشويه حصارهم البطولى للسفارة، فما كان من السفير السعودى وقتها الا انه اغلق السفارة واوصد ابوابها وعاد الى بلاده غاضبا، فى رسالة لا تخفى مغزاها من انكم انتم الذين تحتاجون  السعودية، اما نحن فلا حاجة لنا بكم. فاذا بغالبية القيادات السياسية حينذاك تهرول الى السعودية لاسترضائه ومصالحته واستجدائه للعودة الى القاهرة.
***
بل لقد كشفت لنا الثورات العربية فيما بعد، عن حجم النفوذ والسطوة التى يتمتعون بها فى المنطقة كلها، والتى انتصرت على ارادة الشعوب العربية وقواها الثورية والوطنية مجتمعة بكل تاريخها ونضالاتها واحزابها وتنظيماتها وكوادرها ومفكريها.
فلقد نجحوا بأموالهم ونفوذهم فى اجهاض أو احتواء أو افساد أو انحراف أو عسكرة الثورات العربية واحدة تلو الأخرى ربما باستثناء وحيد هو تونس التى لا تزال تقاوم حتى اليوم.
لقد انتصر الريال على النضال وانتصرت الثروة على الثورة كما كان يقال منذ نهاية حرب 1973.
وهى الحقيقة المرة التى أضافت عقبة كبرى جديدة أمام اى مشروع مستقبلى للاصلاح او للتغيير الثورى فى بلاد العرب. وبدون حلها، لا خلاص لنا ولا أمل فى المنظور القريب، وهى عقبة الهيمنة المالية النفطية على القرار العربى الرسمى وعلى كافة انظمة الحكم ومؤسساتها فى غالبية الدول العربية.
***
ولم يقتصر تدخلهم على اقطار الثورات العربية، وانما امتد الى بلدان مثل لبنان الذى تحكمه معادلة محاصصة خاصة منذ عقود طويلة، تحافظ على توازنه واستقراره وتجنبه السقوط مرة أخرى فى أتون الحرب الاهلية، فاذا بهم يخطفون رئيس الوزراء اللبنانى، ويمارسون اقصى انواع الضغوط المالية والاقتصادية، فى خطة لا تخفى على أحد تستهدف تفجير الوضع الداخلى.
***
حتى الرياضة المصرية لم تنجُ من اعتداءات اثرياء النفط، فنجد مسئولا سعوديا يقوم باختراق مجال الكرة المصرية بادرا ملايين الجنيهات، وحين يختلف مع ادارة النادى الاهلى يصدر بيانا مهينا يتفاخر فيه بكم الاموال التى وهبها له على طريقة ((كله بفلوسى)).
ثم يتمادى فى الثأر والانتقام، فيقوم بشراء أحد النوادى المصرية ويضخ فيه ملايين أخرى نكاية فى النادى الاهلى وفى تاريخ الكرة المصرية وعراقتها، ويجد للاسف من القامات الكروية الكبرى من يقبل عطاياه ويساعده فى تحقيق أغراضه.
***
وفى مجال الاعلام، ورغم انه من النادر جدا ان نجد مثقفا او كاتبا او مفكرا، ينتمى الى العائلات المالكة، له وزن او قيمة فكرية كبيرة، الا ان اموال السعودية والخليج تحتكر وتسيطر على غالبية منابر الاعلام العربى المرئى والمقروء، وتوظف قطاعات واسعة من الاعلاميين والصحفيين والكتاب والمثقفين العرب فى صحفها وقنواتها وبرامجها الفضائية.
وهو ما ينطبق كذلك على مجال الانتاج والتوزيع التلفزيونى والسينمائى، الذى يلتزم على الدوام بتوجهات وتعليمات ومحاذير المال السعودى والخليجى. وليس ما حدث لمسلسل "ارض النفاق" سوى مثال واحد فقط على ذلك.
***
ان أمتنا وشعوبنا الحرة الكريمة التى تحمل حضارة عظيمة، تؤمن بان الارزاق بيد الله، وانه لا اله الا هو، فاذا بمن يحكمون اليوم هذه الارض الطيبة التى أنزل فيها رسالته، يقولون لنا ان الارزاق والمصائر والمصالح بأيديهم هم.
فكيف يمكن ان تحبهم أو تحترمهم الشعوب العربية؟ وكيف يمكن أن تأمن شرهم؟
*****

القاهرة فى 6 يوليو 2018

الثلاثاء، 26 يونيو 2018

أكذوبة الدولة الفلسطينية فى سيناء




أكذوبة الدولة الفلسطينية فى سيناء
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

لقد وصل بنا التدهور فى عصر كامب ديفيد أن استبدلنا خطر ((اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات)) بأكذوبة أن الفلسطينيين يريدون استيطان سيناء! هَزُلَت.
***
·       ان قيام السلطات المصرية بإخلاء الحدود الدولية لإقامة منطقة عازلة، بالإضافة الى قيامها بالتنازل عن الجزيرتين المصريتين تيران وصنافير للسعودية، قد دفع كثيرا من الناس الى تصديق ما يتردد عن تأسيس دولة فلسطينية على جزء من ارض سيناء بمشاركة ومباركة مصرية رسمية.
·       ولكنني رغم ذلك أكاد أقطع ان الحديث عن أى نوايا مصرية من هذا النوع، هو حديث عارٍ تماما من الصحة، فعلى عكس مما يشاع، لا يوجد فى المنطقة من يقبل او يتبنى مثل هذا المشروع.
·       وهو ما يستدعى تمحيصه والرد عليه، لأن مثل هذه الادعاءات تدق إسفينا تاريخيا عميقا بين الشعبين الشقيقين فى مصر وفلسطين، اذ تظهر الفلسطينيين، على غير الحقيقة، وكأنهم يتربصون بمصر فى انتظار اى فرصة سانحة للاستيلاء على جزء من ارضها الغالية. وهذا هو السبب الرئيسى الذى دفعني لكتابة هذا المقال.
·       كما ان الموضوع بأكمله ليس سوى حيلة قديمة عمرها يزيد عن عشر سنوات، يستخدمها الفرقاء على الدوام للنيل من خصومهم السياسيين. كما يستخدمها اعداء الشعبين الشقيقين لإفساد العلاقة بينهما. فهى تنتمى الى حزمة الاكاذيب الشهيرة والشريرة التى تستهدف تبرير الغدر العربى الرسمى بفلسطين، مثل أكذوبة ان الفلسطينيين قد باعوا أراضيهم بأنفسهم، فلماذا نساعدهم فى تحريرها؟!
·       ولقد عايشت شخصيا ومن قريب خدعة مماثلة عام 2012 اثناء العدوان الصهيونى على غزة.
·       والدوافع وراء الترويج لمثل هذه الشائعات يمكن رصدها او استنتاجها والتعرف عليها وعلى المستفيدين من اطلاقها.
·       كما اننا لسنا فى حاجة الى فبركة اخبارا مغلوطة للطعن فى نظام عبد الفتاح السيسى، ففى سياساته ما يكفى ويزيد مما يستوجب التصدى له ومعارضته.
وفيما يلى بعض التفصيل.
***
أولا ـ لماذا لن يقبل احد بها لا فى مصر ولا فى فلسطين ولا حتى فى (اسرائيل) ؟
·       اما فى مصر، فلا أحد، كائنا من كان، ولا حتى أكثر الحكام والانظمة استبدادا وتفريطا، بقادر فيما لو أراد، على تمرير مثل هذه التنازل عن ارض سيناء.
·       ولا يصح اتخاذ التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير المصريتين للسعودية مقياسا، لعدة أسباب أهمها هو ان المصدر الرئيسى وربما الوحيد لشرعية النظام الذى يحكم مصر منذ عام ١٩٧٣ وحتى يومنا هذا، كما يروّجون له ليلا نهارا، هو تحرير سيناء من الاحتلال الاسرائيلى، (بصرف النظر عن السيادة المنقوصة فى سيناء بموجب المعاهدة)، وبالتالى يستحيل ان يفرطوا، حتى لو أرادوا ذلك، فى شرعيتهم الوحيدة.
·       كما ان انتفاضة القوى الوطنية المصرية بعد التنازل عن تيران وصنافير، تبشر وتؤشر بانه فى حالة التفريط فى سيناء لا قدر الله فان المفرطين سيواجَهون بحركة مقاومة شعبية واسعة لن تلتزم بالسلمية هذه المرة. مقاومة ستتصاعد ولن تتوقف حتى تسقطهم وتقدمهم للمحاكمة.
·       أضف الى ذلك ما تقوم به مؤسسات الدولة اليوم فى سيناء من مطاردة للجماعات الانفصالية (1)، فلو كانت تنوى التنازل عنها، لما كلفت نفسها كل هذا العبء والمخاطر والاموال والضحايا والشهداء، وكل هذه التنازلات لاسرائيل، ولقامت بتسليمها بقضها وقضيضها الى المعنيين بهذا المشروع ليؤسسوا عليها ما يشاؤون من اوطان بديلة.
***
·       واما عن فلسطين، فان الشعب الفلسطينى بكل فصائله وممثليه وسلطاته يرفضون منذ عقود طويلة مبدأ ومشروع الوطن البديل فى الاردن، وفى سبيل ذلك ومع اصرارهم على تحرير ارضهم المحتلة قدموا مئات الألوف من الشهداء والمصابين والاسرى على امتداد ما يزيد عن ٧٠ عاما. فكيف يقبلون بعد ذلك بوطن بديل فى سيناء. فمن يسعى لترك ارضه والبحث عن وطنا بديلا لا يقاتل ويستشهد دفاعا عن وطنه الذى ينوى تركه وهجرته الى بلاد أخرى.
·       ثم الم تكن غزة تحت الادارة المصرية لما يقرب من عشرين عاما 1949-1967، ومع ذلك لم يطلب فلسطينيو غزة الهجرة الى مصر أو التجنس بجنسيتها ولم يبحثوا عن وطنا بديلا عندنا.
·       أضف الى ذلك ما حدث فى يناير 2008 حين اقتحم عشرات الالاف من اهالى غزة للحدود المصرية لشراء احتياجاتهم المعيشية من اسواق العريش نتيجة للحصار الذي فرض عليهم، وعادوا جميعا الى وطنهم وبيوتهم بعد ساعات قليلة، فلم يهرب احدا منهم او يطلب اللجوء او الاستيطان او التجنس فى مصر.
·       والامثلة كثيرة.
***
واما عن العدو الصهيونى المسمى (باسرائيل) فيستحيل ان يسمح بتأسيس اى كيان فلسطينى (معادى بطبيعة الحال) على حدوده وخارجا عن سيطرته، خاصة وهو لا يزال يطمع فى الاستيلاء على سيناء فى يوم من الأيام، كما قال مناحيم بيجين عام ١٩٧٩ بوضوح بعد توقيع اتفاقية السلام ردا على منتقديه بالتفريط فى سيناء وهى جزء من ارض الميعاد فى الادعاءات الصهيونية، اذ قال "ان سيناء تحتاج الى ثلاثة ملايين يهودى اضافى لاستيطانها، ونحن لا نملك هذا العدد الهائل والفائض اليوم، لكن تأكدوا انه فى الوقت الذى سيتوفر فيه هذا العدد فإنكم ستجدونها فى حوزتنا فى اليوم التالى."
ان (اسرائيل) تريد سيناء منطقة عازلة خالية من البشر، سواء كانوا مصريين او فلسطينيين، فتريدها منزوعة السكان منزوعة القوات والسلاح. فهذه هى طبيعتها ككيان استعمارى متخصص فى استيطان الاراضى الخالية.
***
ثانيا ـ هى حيلة قديمة كانت تستخدمها اجهزة الامن المختلفة لشيطنة الفلسطينيين لدى الرأي العام المصرى، واتذكر انه اثناء عدوان عامود السحاب الصهيونى على غزة فى 14 نوفمبر 2012 والذي توقف بعد ثمانية ايام بعد الضغط الشعبى والرسمى المصرى، وكنت وقتها قريبا من الاحداث، ان فوجئت بشائعة أطلقتها اجهزة الدولة العميقة بان الفلسطينيين بدأوا بالفعل باستيطان سيناء، وهو ما كان كذبا بواحا.
 وقامت جريدتى الوطن والمصرى اليوم بإيعاز من الأجهزة الامنية، بفتح الدفاتر القديمة واستخراج ورقة كان قد قدمها الجنرال جيورا ايلاند الرئيس السابق لمجلس الامن القومى الاسرائيلى عام 2009 يطرح فيها ضم جزء من سيناء الى غزة مقابل منح مصر مساحة مماثلة فى صحراء النقب. وهي ورقة قديمة قُتِلَت بحثا ونقاشا ايام مبارك، وحين لم تجد من يقبل بها أو يتبناها او يتخذها على محمل الجدية حتى فى (اسرائيل)، انتهى بها الحال الى ارشيف المهملات. ولكن مع ذلك قامت الجريدتان بإعادة نشرها على نطاق واسع فى وقت متزامن مع العدوان الصهيونى على غزة عام 2012، وسط حملة شعواء تستهدف شيطنة الفلسطينيين وتتهمهم بالطمع فى ارض سيناء، من اجل التشويش على التضامن المصرى غير المسبوق مع الشعب الفلسطينى.
وفى ذات حملة الشيطنة تم حينها توظيف كارثة اصطدام اتوبيس مدرسة بأحد القطارات بمحافظة اسيوط فى 17/11/2012 ووفاة ما يقرب من 50 طفلا جراء الحادث، واستخدامها فى المزايدة على من يدعمون الفلسطينيين ضد العدوان الصهيونى، بان الاولوية هى التضامن مع اطفال اسيوط واهاليهم. وكأن هناك تناقض بين التعاطف مع الضحايا فى مصر وفلسطين وفى كل مكان فى ذات الوقت.
***
ثالثا ـ من يطلق هذه الشائعة ولماذا؟
ومنذئذ، كلما فتح أحدهم أو بعضهم هذا الملف القديم المتهافت وحاول الاستشهاد بمشروع جيورا ايلاند، أسارع الى البحث عمن يريد توظيفه فى صراعاته مع خصومه السياسيين.
وبعد استبعاد واستثناء كل الوطنيين المصريين القلقين من تكرار ما فعلته السلطة فى تيران وصنافير، فان هناك عديد من الاطراف التى قد تستفيد من انتشار هذه الشائعة:
·       فهناك اولا من يريد افساد وضرب العلاقات الحميمة والتاريخية بين الشعبين المصرى والفلسطينى، وعلى رأسهم بالطبع الصهاينة وحلفائهم فى مصر وفلسطين.
·       وهناك السلطة الفلسطينية بقيادة ابو مازن التى تسعى دائما الى شيطنة فصائل المقاومة الفلسطينية فى غزة وافساد علاقتها مع مصر والمصريين.
·       وهناك من يرى ان طرح هذا الموضوع الان قد يساعد على قبول الراي العام المصرى لأي تسوية امريكية صهيونية حتى لو كانت بدون القدس وبدون نصف الضفة الغربية طالما ابتعدت عن سيناء وارضها.
·       وهناك بالطبع الجماعات الانفصالية فى سيناء، التى تريد ان تنزع الشرعية عن جهود الدولة لاسترداد سيادتها المهدورة هناك بسبب القيود الامنية فى اتفاقيات كامب ديفيد، من خلال الترويج لأكذوبة ان الجيش يريد السيطرة على سيناء تمهيدا لتسليمها الى (اسرائيل) وامريكا لتقوما بتوطين الفلسطينيين فيها.
·       وهناك اخيرا ممن يعارضون السيسى، من يوظف لذلك كل الادوات والاساليب والاخبار والشائعات حتى لو لم تكن حقيقية.
الى هؤلاء الأخيرين، اوجه كلامى فى النقطة التالية والاخيرة.
***
رابعا ـ المعارضة الحقيقية لا تفبرك الشائعات وانما تمحصها:
اما عن المعارضين لعبد الفتاح السيسى وانا منهم، فان هناك قائمة طويلة من الأسباب الحقيقية لرفض ومعارضة نظامه وسياساته:
·       على راسها انه تلميذ نجيب وعضو اصيل فى جماعة كامب ديفيد، وموقفه شديد السلبية من فلسطين وقضيتها ومقاومتها ناهيك عن انه قام بتعميق وتوطيد علاقته باسرائيل الى درجة غير مسبوقة، وصفتها فى أكثر من موضع بالعصر الذهبى للعلاقات المصرية الاسرائيلية.(2)
·       وكذلك قام باخلاء الحدود الدولية لإقامة المنطقة العازلة التى كانت (اسرائيل) تطالب بها منذ سنوات طويلة. وكان مبارك نفسه يرفضها. (راجع مقال اخلاء سيناء مطلبا اسرائيليا)(3)
·       وأيضا قيامه بالتنازل عن جزيرتى تيران وصنافير المصريتين لمملكة آل سعود وولى عهدها محمد بن سلمان، ضاربا عرض الحائط بأحكام الدستور وبالأمن القومى المصرى وبالغضب الشعبى وبحكم المحكمة الادارية العليا.
·       ثم قيامه بالارتداد على ثورة يناير، واجهاض كل مكتسباتها والعصف بالحقوق والحريات والزج بكل من شارك فيها فى السجون والمعتقلات لا فرق فى ذلك بين مدني واسلامى.
·       وكذلك ملف السياسات الاقتصادية والخضوع لتعليمات نادى باريس وصندوق النقد الدولى، التى أدت الى مزيد من افقار الفقراء وضرب دخول ومدخرات غالبية المصريين ودفع قطاعات واسعة جديدة من الطبقة المتوسطة الى مراتب الفقر.
·       والقائمة تطول.
ومع وجود كل هذه التناقضات ومبررات ودوافع التصدى والمعارضة، فاننا لسنا فى حاجة الى اختراع وتلفيق قضايا غير حقيقية، فالحقيقة تكفي وتزيد. كما أن التلفيق او الاستسهال فى نقل اخبارا غير صحيحة يفقدنا مصداقيتنا لدى الراى العام، وهي الشئ الوحيد الذى تبقى لنا بعد ان تم تجريدنا من كل أدوات الفعل والتأثير والتعبير، انها مصداقية ثمينة وعزيزة علينا ان نصونها ونحرص عليها.
***
ولنختتم هذه السطور بالتأكيد مجددا على ان اشقاءنا فى فلسطين لا يطمعون فى ارضنا وانما فى دعمنا لنضالهم وهم يقفون وحدهم فى مواجهة العالم أجمع.
*****
الروابط :

القاهرة 26/6/2018

الأحد، 24 يونيو 2018

ليس لصفقة القرن اى علاقة بفلسطين



ليس لصفقة القرن اى علاقة بفلسطين
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

الذين يشغلون بالهم ليلا نهارا بالبحث والتفتيش والحديث عن خفايا وأسرار صفقة القرن، ويقدمون التحليلات والتكهنات ويهرولون وراء الشائعات، لا يقتربون من الحقيقة من قريب او بعيد.
فالصفقة لا تخص فلسطين ولا تتضمن بناء أى نوع من السلام الفلسطينى الاسرائيلى، ولا تتضمن بناء دولة فلسطينية على أى جزء من الضفة الغربية أو على أى جزء من سيناء او غيرهما، ولا تطرح "ابو ديس" بديلا عن القدس الشرقية، ولا تتحدث عن تبادل الاراضى، ولا تعنيها فلسطين من قريب ولا بعيد. حتى لو ورد كل ذلك فى ثرثرات مسئولين امريكان او صهاينة او عرب.
الصفقة ببساطة وباختصار هى دمج اسرائيل فى المنطقة بدون ان تعطى أى شئ للفلسطينيين، من اجل بناء وتأسيس علاقات سلام وتطبيع عربى اسرائيلى لمواجهة "اكذوبة المخاطر المشتركة" فى المنطقة المتمثلة فى ايران وداعش والاسلام الراديكالى المتطرف كما صرح بذلك ترامب ونتنياهو عشرات المرات.
ان صفقة ترامب لا تعدو ان تكون تحقيقا لحلم (اسرائيل) القديم بتحرير علاقاتها مع الدول العربية من المسألة الفلسطينية.
***
كما انه بالعقل وبالمنطق، لماذا تقبل (اسرائيل) بأى صفقة، تضطرها الى التنازل ولو عن شبر واحد من الضفة الغربية، وهى التى تستطيع ان تبتلع مزيد من اراضيها كل يوم؟
ما هى القوة أو الدوافع أو المكاسب او الضغوط أو الأطراف التى تدفعها الى ذلك؟ فى ظل  حالة الوهن أو التواطؤ العربى الرسمى، التى عبر عنها بوضوح رئيس أكبر دولة عربية، حين قال "ليس بوسع مصر اليوم أن تفعل شيئا فى مواجهة القرار الأمريكى، لازم نشتغل ونكبر لكى يكون لنا تأثير".*
***
أما هذه الزيارات واللقاءات والتصريحات والدعايات التى تطلقها الشخصيات والوفود الامريكية كل يوم، فليس لها هدف سوى تمهيد الراى العام العربى لانسحاب رسمى عربى كامل من اى دعم لفلسطين، والتطبيع الكامل مع (اسرائيل) تحت ذريعة ((ها نحن قد حاولنا ان نجلب لكم شيئا ولكنكم رفضتم، فحلوا عنا واذهبوا انتم وقضيتكم الى الجحيم.))
وهو نفس السيناريو الذى قامت به مصر فى مفاوضات كامب ديفيد عام 1978، حين عقدت اتفاقيتين منفصلتين احداهما اتفاقية حقيقية تخص مصر، والثانية ورقة صورية تخص فلسطين وتعطى سكان الضفة الغربية وغزة نوعا من الحكم الذاتى تحت الاحتلال الاسرائيلى، وهو ما رفضه الفلسطينيون جميعا بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، فاتخذتها الادارات المصرية المتعاقبة منذئذ ذريعة للانسحاب التام من اى مسئولية لتحرير فلسطين ومن يومها والاعلام الرسمى المصرى، يعاير الفلسطينيين بأنهم قبلوا عام ١٩٩٣ ما سبق وجلبه لهم السادات عام ١٩٧٨ ورفضوه.
وهو سيناريو كان معروفا ومتوقعا، حيث أن فلسفة اتفاقيات كامب ديفيد وغايتها الاساسية هى انسحاب مصر من الصراع العربى ضد (اسرائيل) ومشروعها الصهيونى.
***
وحيث ان تكرار هذا السيناريو اليوم، لتمرير التحالف العربى الاسرائيلى الجديد وتمزيق مبادرة السلام العربية الصادرة عام 2002، يتطلب رفضا فلسطينيا قاطعا يتم شيطنته والتشهير به عربيا لاظهار الموقف الفلسطينى بمظهر المتصلب الذى لا يريد حلا، والذى يضيع الفرصة تلو الأخرى من يديه... فكان لابد من وضع السلطة الفلسطينية واى فصيل أو مسئول فلسطينى فى موقف يجبرهم على الرفض القاطع.
وهناك جاء توقيت قرار نقل السفارة الامريكية للقدس والاعتراف بها عاصمة موحدة لاسرائيل، ليستهدف بالأساس عزل الموقف الفلسطينى عن الموقف الرسمى العربى التابع على طول الخط للادارة الأمريكية، والذى على استعداد لبيع ألف فلسطين من اجل رضا وحماية ودعم الأمريكان للعروش العربية.
***
ولقد كان اول من نادى بضرورة دمج اسرائيل فى المنطقة، هو عبد الفتاح السيسى على هامش مشاركته فى اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة عام 2015، حين صرح بالنص الصريح باهمية توسيع السلام مع اسرائيل، من اجل مكافحة الارهاب الذى يهدد الجميع، فى اول تصريح لمسئول عربى يفصل بين السلام مع اسرائيل وبين اقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.
وهو ما اعقبه مباشرة قيام كل من نتنياهو ومجلس الوزراء الاسرائيلى بتوجيه رسالة شكر رسمية لرئيس الدولة المصرية.
***
ولقد سبق أن طرحت ذات المعنى فى مقال قديم بعنوان"سلام ولكن بدون فلسطين"** نشرته فى فبراير 2017 واستشهدت فيه بالورقة التى اعدها مستشار الامن القومى الامريكى المستقيل" مايكل فلين" هو وفريق عمله، والتى تتحدث عن تأسيس منظمة جديدة باسم ((منظمة اتفاقية الخليج والبحر الأحمر)) لتكون بمثابة حلف عسكرى جديد تحت قيادة الولايات المتحدة الامريكية وعضوية مصر والسعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وسلطنة عمان والأردن، تحتل فيها اسرائيل صفة المراقب، وتكون لها ثلاثة أهداف محددة هى القضاء على داعش، ومواجهة ايران، والتصدى للإسلام المتطرف. وهى بمثابة إتفاقية دفاع مشترك، يكون الإعتداء على أى دولة عضوا فى المعاهدة، بمثابة إعتداء على الدول الأعضاء جميعاً، كما ورد بالنص فى الورقة المذكورة.
***
خلاصة القول أن معركتنا الحقيقية اليوم، ليست الهرولة والتيه وراء الثرثرات والتسريبات الزائفة والمغرضة للادارات الأمريكية والاسرائيلية والعربية حول ما يسمى بصفقة القرن، وانما هى التصدى بكل ما لدينا من صلابة وامكانيات لكل ترتيبات التطبيع والتحالف العربي الاسرائيلي الجارية اليوم على قدم وساق.
*****

الروابط :
القاهرة فى 24 يونيو 2018