بحث فى المدونة

السبت، 23 أكتوبر 2021

ماهية الحروب الصليبية (4) الحملة الأولى وسقوط القدس

ما زلنا فى صحبة كتاب ماهية الحروب الصليبية للدكتور قاسم عبده قاسم الذى رحل عن عالمنا منذ بضعة ايام، وفى الحلقات الثلاث السابقة، تناولنا بالترتيب الايديولوجية الصليبية، والدوافع والاسباب، وخطبة البابا أربان الثانى والاستجابة الشعبية لها. واليوم نتناول حملة الفرسان الاولى.

***

فى خضم احداث الحملة الشعبية الفاشلة، كانت البابوية والفرسان بصدد تجهيز حملة من نوع مختلف، وعلى اواخر صيف 1096 وبعد ان حلوا مشكلة التمويل كانت جيوشهم متأهبة للرحيل صوب فلسطين. وتكونت خمسة جيوش على اساس من التقسيمات اللغوية والجنسية وعلى اساس من الروابط الاقطاعية.

فقد تولى جودفرى البويونى قيادة الجيش الأول الذى جمعه من اللورين شمال فرنسا ومن الالمان، واشترك معه اخوه بلدوين.

اما الجيش الثانى فقد تكون من فرسان غرب فرنسا ونورماندى وبعض مناطق الشمال فضلا عن الكثير من الفرسان الانجليز وتولى قيادته دوق نورماندى المدعو روبرت وستيفن كونت بلوا.

اما الجيش الثالث فكان تحت قيادة ريمون الرابع كونت تولوز وتألف من فرسان جنوب فرنسا والبروفنسال وكان فى صحبته اديمار أسقف لوبوى والمندوب البابوى فى هذه الحملة.

وكان الجيش الرابع وهو أصغر الجيوش تحت قيادة هيو كونت فرماندوا المعروف باسم الاشغر وشقيق فيليب الاول ملك فرنسا.

والجيش الخامس والاخير تألف من المقاتلين النورمان الاشداء فى جنوب ايطاليا تحت قيادة بوهيموند النورمانى.

توجهت الجيوش الى القسطنطينية التى كان امبراطورها متوجس من نوايا جيوش الغرب الاوروبى المدعوم من الكنيسة الكاثوليكية. فأصر على عدم السماح بدخول القوات الصليبية المدينة والاكتفاء باستضافة القادة فقط مع اصراره ان يقسموا له يمين الولاء. وحدثت بالفعل بعض المناوشات العسكرية بين قوات الطرفين ولكنها انتهت بالتهدئة.

لتنتهى بذلك المرحلة الاولى من هذه الحملة، وتبدأ المرحلة الثانية بعبور الجيوش الصليبية مضيق البوسفور الى آسيا الصغرى ليجدوا نفسهم لاول مرة فى ارض "العدو".

***

اغتصاب عاصمة السلاجقة الروم:

فى السادس من مايو 1097 وصلت جيوشهم لمدينة نيقية (مقرها الآن مدينة اسيك التركية) عاصمة دولة السلاجقة الروم التى يحكمها قلج ارسلان. وبعد حصار مشترك صليبى بيزنطى سقطت المدينة فى 19 يونيو 1096.

وهزمت قوات قلج ارسلان فى معركة فاصلة فى بدايات شهر يوليو 1097، وقد توقفت بعدها كل مقاومة اسلامية منظمة.

***

اغتصاب الرها:

تلى ذلك سقوط امارة الرها على يد بلدوين القائد الصليبى من اللورين. وهى الآن مدينة تركية تاريخية تقع بالجزيرة الفراتية شمال شرق سوريا.

ولقد أفاد الصليبيون كثيرا، التشرذم السياسى للحكام العرب والسلاجقة فى المنطقة العربية.

***

اغتصاب انطاكية:

فى 21 اكتوبر 1097م  فرض الصليبيون الحصار على انطاكية وبعد صمود دام 8 شهور سقطت المدينة بتآمر بعض الارمن الذين فتحوا احد البراج التى كانت تحت حراستهم.

وحاول جيش فارسى بقيادة كربوقا صاحب الموصل انقاذ المدينة ولكنه فشل.

ولم تسقط المدينة فورا بعد اختراقها، الى ان اخترع ولفق أحد القساوسة حكاية عن رؤية مقدسة اخبرته عن مكان الحربة التى طعن بها المسيح منذ أحد عشر قرنا من الزمان، وربط بين العثور على هذه الحربة وبين النصر. وبطبيعة الحال تم العثور على هذه الحربة بسهولة مما ادى الى رفع معنويات الفرنج وتحقيق النصر على جيش كربوقا. ولم يكن هناك جيش اسلامى آخر يمكنه سد الطريق الى القدس.

تسلم بوهيموند النورمانى القلعة من قائدها احمد بن مروان، وبعد سلسلة من الصراعات والدسائس بين القادة الصليبيين، نجحوا فى تاسيس الامارة الصليبية الثانية على ارض الشرق فى مطلع سنة 1099.

***

اغتصاب القدس:

·       وفى مصر كان الوزير الفاطمى الافضل بن بدر الجمالى يراقب الموقف، فحاول مفاوضة الصليبيين على اقتسام بلاد الشام. ولكنه لم يلقَ استجابة، فقرر ان يستفيد من هزيمة السلاجقة فاغار على فلسطين ونجح فى الاستيلاء على القدس عام 1099 م.

·       وفى شمال بلاد الشام كانت الاسر العربية الحاكمة ترقب انهيار السلاجقة فى سرور، ولم يتدخل أحد لانقاذ انطاكية.

·       وفى يناير 1099 واصل الصليبيون زحفهم الى القدس. وكان الامراء العرب المحليين غاية فى الضعف والتشرذم لدرجة ان معظمهم كانوا على استعداد لتقديم الهدايا والاموال تحاشيا لهجوم الصليبيين عليهم.

·       اتخذ الصليبيون الطريق الساحلى من جنوب طرابلس وتوغلوا فى الاراضى الفاطمية وفرضوا حصارا على مدينة القدس لمدة خمسة اسابيع من 7 يونيو الى 15 يوليو 1099 وهو اليوم الذي سقطت وكان يوافق يوم جمعة.

·       ولم ينج من سكانها سوى قائد الحامية الفاطمية "افتخار الدولة" وعدد من رجاله واعقب ذلك مذبحة فظيعة وابيحت المدينة للسلب والنهب والقتل عدة ايام وفاض الدم. وظلت الجثث مطروحة فى شوارع القدس عدة ايام.

·       وفى هذا الجو الموحش الكئيب، اجتمع الصليبيون فى كنيسة القيامة لاداء صلاة الشكر. وهكذا تم زرع الكيان الصليبى فى الشرق العربى.

·       وبعد سلسلة من الصراعات والمناورات السياسية تم اختيار "جودفرى البويونى" حاكما لبيت المقدس تحت لقب فضفاض هو "حامى الضريح المقدس".

·       وفى 12 اغسطس 1099 حاول الافضل شاهنشاه امير الجيوش المصرية مهاجمة الصليبيين ولكنه هزم وعاد الى مصر.

·       وبذلك تم تامين الوجود الصليبى فى بيت المقدس الى حين.

·       وبعد وفاة جودفرى البويونى تم استدعاء بلدوين من امارته فى الرها ليتولى حكم بيت المقدس. وفى الخامس والعشرين من ديسمبر 1100 م قامت مملكة بيت المقدس الصليبية.

·       وكانت فى ذلك الحين تتكون من مدينة القدس الى جانب يافا واللد والرملة وبيت لحم والخليل.

·       وكان لها ظهير ريفى من المسلمين الذين رفضوا التعاون مع الصليبيين.

·       وفى اوروبا توفى البابا اربان الثانى صاحب الدعوة الى هذه الحملة فى 29 يوليو 1099 قبل ان تصله انباء الاستيلاء على القدس وخلفه راهب شاب اعتلى العرش البابوى فى 14 اغسطس 1099 تحت اسم البابا "باسكال الثانى" والذي بدا عملية دعائية نشطة لمساعدة الصليبيين الذين نجحوا فى اقامة مملكة وامارتين فى بلاد المسلمين.

·       وبالفعل كانت اخبار النجاح الذى احرزته الحملة الاولى قد شجعت عناصر اوروبية جديدة على القدوم الى الشرق العربى رغبة فى الحصول على نصيب من المغانم التى شاعت اخبارها فى الغرب الاوروبى مع العائدين من فلسطين.

***

مزيد من الدعم الصليبيى:

·       وفى عام 1101 م تجمعت حملة جديدة فى الغرب الاوروبى لمساعدة صليبى الشرق.

·       ومن لمبارديا تحركت الجموع الى القسطنطينية فى ذات الطريق الذى سارت فيه الحملة الاولى، وعند وصولهم بدأوا فى اثارة المتاعب الصليبية المعتادة، فاسرع الامبراطور البيزنطى بنقلهم الى آسيا الصغرى وهناك لحقت بهم الجيوش الالمانية والفرنسية.

·       ولكن تصدت لهم الجيوش الاسلامية بقيادة قلج ارسلان سلطان سلاجقة الروم ورضوان امير حلب والغازى امير سيواس والحقوا بهم الهزيمة.

***

التوسع الصليبى:

·       ومن ناحية أخرى بدأ الصليبيون يمدون نفوذهم بين الاراضى والموانىء التى كانت تفصل بين النقاط المتناثرة التى استولوا عليها.

·       فاستولوا عام 1101 م على سروج وحيفا وارسوف وقيسارية.

·       واستولوا عام 1103 م على اللاذقية من البيزنطيين.

·       وعلى عكا عام 1104 م.

·       ثم على طرابلس عام 1109 م بعد حصار دام سبع سنوات، لتكون هى الامارة الصليبية الثالثة بعد الرها وأنطاكية.

·       وبذلك تمكن الصليبيون من فرض سيطرتهم على كل الساحل فيما عدا صور وعسقلان التى لم تسقط الا عام 1153 م.

·       وهكذا اسفرت الحملة الصليبية الاولى عن قيام مملكة فى القدس وثلاثة امارات صليبية فى الرها وانطاكية وطرابلس. (يتبع)

*****

محمد سيف الدولة


الاثنين، 18 أكتوبر 2021

مصر والنبى العربى ﷺ



مصر والنبى العربى ﷺ

تغيرت حياتنا فى مصر تغيرا جذريا، منذ ان جاءنا خبر ظهور نبى جديد فى الجزيرة العربية، بضع سنوات ووجدنا عمرو بن العاص على بوابتنا الشرقية. بعدها بعامين تم استكمال فتح مصر الذى كان من اهم نتائجه تحريرنا من الاستعمار الاوروبى الذى استعمرنا لما يقرب من الف عام (٣٣٢ ق.م -٦٤٢ م) بين بطالمة ورومان وبيزنطيين. وكانت النتيجة الثانية هى دمجنا فى بوتقة واحدة مع شعوب وقبائل المنطقة فى عملية تفاعل وانصهار لبضعة قرون أسفرت على ميلاد امة وليدة فتية بلسان عربى وبهوية حضارية اسلامية اقامها وشارك فيها الجميع من مسلمين ومسيحيين. وكانت النتيجة الثالثة هى ان اصبحت مصر للمرة الاولى فى تاريخها جزء من امة شاسعة مترامية الأطراف، تعيش فى وسطها وفى القلب منها آمنة مستقرة بعد ان انتقلت حدودها وأمنها القومى الى أقصى الشرق عند العراق والى أقصى الغرب فى المغرب والى السودان فى الجنوب، مما أهلها بحدودها المحصنة الجديدة وباستقرارها وقوتها الى ان تتصدى الى دور القيادة للامة فى كل معاركها الكبرى فى مواجهة الغزوات الاجنبية كالصليبيين والتتار. ولذلك دائما ما نقول ان مصر فى الحقيقة هى هبة الفتح العربى الاسلامى، اما مصر التى كانت هبة النيل فقط فلقد ظلت تحت الاحتلال لما يقرب من ألف عام كما تقدم. واينما ولينا وجوهنا؛ للمشرق او للمغرب، سنجد قصة مشابهة لقصتنا فى مصر، مع الفتح الاسلامى ومع الاستقلال والانصهار والتعريب.

وكل عام والأمتين العربية والإسلامية بخير بمناسبة المولد النبوى الشريف.

 

 

الأحد، 17 أكتوبر 2021

مظاهرات الدولة العميقة

 

مظاهرات الدولة العميقة

محمد سيف الدولة

Seif_eldawla@hotmail.com

فى مظاهرات السودان بالأمس وفى تونس فى الاسابيع والايام الماضية وفى مصر منذ عدة سنوات، تعلمت مؤسسات الدولة العميقة الدرس، واستطاعت ان تنظم هى الاخرى وتقود وتطلق مظاهرات موالية لها فى مواجهة مظاهرات القوى الثورية والمعارضة السياسية الراغبة فى التغيير وفى الحرية،

مظاهرات موالية لها ترفع هى الاخرى شعار الشعب يريد،

ولكنه يريد هذه المرة ما تقوم اجهزة السلطة باملائه عليه.

وهى مظاهرات وحشود تتكون من خليط من انصار النظام القديم ومن شبكات المصالح المحيطة به والمنتفعة منه، وعناصر امنية ومتظاهرين بالاجرة، وبالاضافة بالطبع الى بعض الجماهير الحقيقية التى نفذ صبرها وفقدت ثقتها فى امكانية حدوث اى تغيير او تقدم فى احوالها المعيشية،

وتخرج هذه المظاهرات الموالية فى رعاية وحماية مؤسسات السلطة وقادتها، التى هى بطبيعتها معادية لاى ثورة او اى تغيير،

ويكون لمثل الرعاية والحماية الرسمية مفعول السحر، فى مضاعفة اعداد المتظاهرين والحشود، مرة ومرات، فتجد فيها من الناس من لم يتخذ موقفا معارضا واحدا فى حياته، ومن لم يجرؤ ابدا على مناهضة اى سلطة من قبل فى اى مظاهرة او مسيرة.

ويستغل قادة الدولة العميقة فى ذلك، اوضاع الفوضى العامة والتدهور الاقتصادى التى تصاحب كل الثورات فى سنواتها الاولى.

لتصبح المعادلة الجديدة هى الشارع فى مواجهة الشارع والمظاهرات والحشود فى مواجهة مثيلاتها، والشاطر يحشد اكثر.

وذلك فى محاولة لرسم صورة زائفة عن انفضاض الشعب عن الثورة وقواها، والتفافه مرة اخرى حول السلطة الحاكمة، كخطوة اولى وتمهيدية للانقضاض على الثورة واجهاضها وتصفية قواها الثورية، واعادة النظام القديم ولكن بوجوه جديدة

لا شك ان هذا احدى التحديات الجديدة التى لم تكن فى حسبان قوى الثورة والتغيير فى اى قطر عربى، والتى يتوجب عليها ان تعمل لها من الآن وصاعدا الف حساب كواحدة من امضى اسلحة الثورة المضادة.

واول خطوة لمواجهة هذه الظاهرة هى بنزع القدسية عن الحشود وعن المظاهرات بعد ان اصبحت سلاح ذو حدين، والنظر الى اهداف التظاهرات الشعبية وشعاراتها ومشروعها السياسى قبل النظر الى اعدادها.

*****



 

الجمعة، 15 أكتوبر 2021

ماهية الحروب الصليبية (3) خطبة البابا والاستجابة الشعبية

    هذه هى الحلقة الثالثة عن كتاب ماهية الحروب الصليبية للمؤرخ الكبير/ الدكتور قاسم عبده قاسم الذى رحل عن عالمنا منذ بضعة ايام، وكنا قد تناولنا فى الحلقتين السابقتين: الايدولوجية الصليبية و الظروف التاريخية والدوافع.

***

الخطبة الشهيرة :

فى السابع والعشرين من نوفمبر سنة 1095 م، ومن مدينة صغيرة فى جنوب فرنسا تدعى كليرمونت، وجه البابا أوربان الثانى خطبة الى جمع غفير من الناس يشمل الاساقفة ورجال الدين والامراء والاقطاعيين، دعا فيها الى القيام بحملة مقدسة تحت راية الصليب هدفها تحرير فلسطين من ايدى المسلمين

وكان اهم ما جاء بها:

اولا ـ ان هدف الدعوة هو تحرير الكنيسة الشرقية من ربقة المسلمين. وتخليص الارض المقدسة من سيطرتهم، هذه الارض التى وصفها الكتاب المقدس بانها الارض التى تفيض باللبن والعسل، ووصفها اوربان الثانى بانها ميراث المسيح.

 

ثانيا ـ وانه قد اضفى القدسية على نفسه اعتمادا على نصوص وردت فى الاناجيل المسيحية، واهمها نص من انجيل لوقا يقول: " ومن لا يحمل صليبه وياتى ورائى فلا يقدر ان يكون لى تلميذا"

 

ثالثا ـ و انه كان يدعو الى هذه الحملة المقدسة باسم الرب بوصفه نائبا عنه فى الارض، فقد ذكر انه قال "ومن ثم فاننى، لست انا، ولكن الرب هو الذى يحثكم باعتباركم وزراء المسيح ان تحضوا الناس من شتى الطبقات .."

 

رابعا ـ ولقد امتدح البابا شجاعة الفرنج وقدراتهم القتالية وادان حروبهم ضد بعضهم البعض وحثهم على عدم اراقة الدماء المسيحية وفرق بين الفارس الجديد الذى يحب المسيح ويحمل صليبه ويحب جاره ويناضل من اجل تحريره وبين الفارس القديم الذى يسعى وراء اطماعه الشخصية ويصب العنف على اخوانه المسيحيين.

 

خامسا ـ اشار البابا الى منح غفران جزئى لكل من سيشارك فى هذه الحملة، سواء مات فى الطريق الى القدس، او قتل فى الحرب ضد المسلمين.

***

·       ولقد لقيت خطبة البابا استجابة فورية وهائلة، فلقد طرح مشروعا طال انتظارهم اياه بما فيه من مكاسب دنيوية وخلاص للروح. وتجسد هذ القبول والحماسة فى الصيحة المشهورة التى رددها الحاضرين "أى الرب يريدها"

·       وظلت هذه هى الصرخة الرسمية للحروب الصليبية والتى يرددونها فى كل معاركهم ضد المسلمين.

·       وسارع الكثيرون يقسمون امام البابا على القيام بالرحلة، كما اخذ كثيرون يخيطون صلبانا من القماش على ستراتهم

·       وقد تم الاعتراف بجميع الفرسان الذين اقسموا على الذهاب، جنودا فى جيش الرب فى احتفال رمزى، وصار الصليب شارة لكل فارس فى كل حملة صليبية فهو علامة على الحماية الالهية بالاضافة الى تحوله الى شارة قانونية تدل على الامتيازات الدنيوية لان الكنيسة اصدرت مراسيم غاية فى الاهمية لصالح الصليبيين فاثناء فترة غيابه تعفى املاك الصليبى من الضرائب وقد يمنح تسهيلات فى ديون.

·       ولقد حدثت استجابة سريعة من جانب الكثير من الفئات، فبدأ الغرب الاوروبى يتحرك كله استعدادا للخروج: " كافة ممالك الارض كانت تتحرك، لم يكن هناك منزل خال من المشاركين .... " على حد قول بعض شهود العصر.

***

الحملة الشعبية

·       على عكس رغبة البابا الذى وجه دعوته الى المحاربين من الفرسان والنبلاء، كانت اولى القطاعات استجابة هى العامة من الفلاحين والفقراء، الذين رأوا فى هذه الدعوة فرصة للتحرر من الاحباط والجوع و من نير القنانة وسيطرة السادة الاقطاعيين.

·       فقد فاقت استجابتهم كل التوقعات فى فرنسا والاراضى الواطئة والمانيا وغرب ايطاليا.

·       وتكونت منهم حركة شعبية ارتبطت باسم "بطرس الناسك" وهو راهب هجر الدير بتكليف من البابا لكى يقوم بالدعوة الى الحملة الصليبية.

·       وقد تحول بطرس الناسك فيما بعد الى اسطورة، فقد نسب اليه فضل اثارة الغرب الاوروبى لشن الحملة الصليبية ضد الشرق العربى الاسلامى واعتبره بعض المؤرخين نبى الحركة الصليبية.

·       وتكونت الحملة الشعبية من آلاف الفلاحين الذين لم ينتظروا الموعد المتفق عليه فبداوا الزحف فى ربيع 1096.

·       وكان اول فرقة من حملات الفلاحين تحت قيادة شخص يدعى "والتر المفلس" وبدا اتباعه فى عمليات السلب والنهب فى اراضى بلغاريا، فقاتلهم البلغار وقتلوا العديد منهم.

·       وفى 20 ابريل 1096 غادر جيش بطرس الناسك الاراضى الالمانية، وضم مئات من الافاقين والمجرمين وبنات الهوى والفلاحين والفقراء من اهل المدن فضلا على عدد صغير من الفرسان، متوجها شرقا الى القسطنطينية.

·       وعند مدينة سملين على حدود المجر مع الامبراطورية البيزنطية كشف جيش الرب عن وجهه القبيح وجرت على سملين واهلها من المسيحيين مذبحة رهيبة وازهقت ارواح 4000 من ابناء المدينة.

·       وتكررت الماساة فى مدينة نيش اذ قام جيش الصليبيين باحراق مساكن القرويين بسكانها الاحياء فى داخلها.

·       فقامت الحامية البيزنطية بمهاجمة جيش بطرس الناسك وقتلت الكثيرين من رجاله، فتفرقوا بضعة ايام ثم تجمعوا مرة اخرى ووصلوا مشارف القسطنطينية فى اغسطس 1096 وعاثوا فيها فسادا فنهبوا واحرقوا وسرقوا. فنقلهم الامبراطور بسرعة الى آسيا الصغرى عبر المضايق وهناك ومرة اخرى ارتكبوا ابشع المذابح ضد السكان المسيحيين.

·       وانتهى بهم الامر ان وقعوا فى شباك كمين أعده لهم الاتراك السلاجقة. وتم الاجهاز على الحملة الشعبية وقتل والتر المفلس وهرب بطرس الناسك الى القسطنطينية.

·       وكانت هذه البديات الاولى التى كشفت عن الوجه الحقيقى لجيش الرب. (يتبع)

*****

محمد سيف الدولة 

الخميس، 14 أكتوبر 2021

وقفة مع النفس


وقفة مع النفس

 

·       تتجه انظارنا اليوم وأيادينا على قلوبنا، الى الاشتباكات المسلحة فى لبنان بين المؤيدين والرافضين لمحاكمة وزراء وثيقى الصلة بالطائفة الشيعية على خلفية انفجار مرفأ بيروت، فى سابقة لم تحدث منذ انتهاء الحرب الاهلية اللبنانية

·       وبالامس كنا نتابع اخبار الصراعات بين الرافضين والمؤيدين لنتائج الانتخابات العراقية

·       وخلال الاسبوع المنصرف كنا نتابع الصراعات بين الرافضين والمؤيدين لقرارات قيس سعيد الاستثنائية فى تونس

·       وفى السودان هناك انقسام بين المكون المدنى والعسكرى وانقسامات أخرى داخل اطياف القوى المدنية، وانقسام ثالث أكثر خطورة بين الدولة وشرق السودان

·       و الجزائر تتهم المغرب بالتآمر على أمنها القومى

·       وفى اليمن يتقاتلون منذ سنوات عديدة فى حرب أهلية شرسة لا يبدو انها ستنتهى قريبا

·       اما فى سوريا فربما تكون الحرب قد أوشكت على نهايتها بعد التدخل العسكرى الروسى

·       اما الصراعات المماثلة التى شهدتها مصر بعد ثورة يناير فلقد انتهت باسكات صوت اى معارضة ايا كانت انتماءاتها الفكرية والسياسية.

***

·       ورغم ادراكنا بوجود قوى خارجية معادية تستهدف وجودنا واستقرارنا، الا أن العيب الرئيسى يكمن فينا وليس فيما يدبر ضدنا من اعدائنا...

·       فالكراهية والانقسام وتخوين وتكفير الآخرين، المتفشية فيما بيننا تمثل ساحة خصبة لكل من يتربص ببلادنا ويستهدف تفجيرنا من الداخل.

·       والغريب اننا نرفض رفضا قاطعا اى حوار مع خصومنا السياسيين من شركائنا فى الوطن، الا بعد فوات الأوان، حين تتفجر الاوضاع وتتحول الى حروب وصراعات مسلحة، ويتم تدويل قضايانا رغما عن انوفنا، فنذهب مجبرين كما حدث فى ليبيا الى مؤتمرات وموائد ما يسمى بالمجتمع الدولى، لنجلس ونتحاور ونتفاوض مع هؤلاء الخصوم الذين رفضنا الحوار معهم من قبل، ولكن تحت رعاية ورقابة وتعليمات الرعاة الدوليين. 

***

لا أمل لنا فى الخروج من هذه الدوائر الجهنمية من الانقسامات والصراعات التى لا تنتهى فى مشارق الأمة ومغاربها، الا باتخاذ قرارات شجاعة ومسئولة وعاجلة، بالتوقف مع النفس للمراجعة والتراجع والحوار.

بيدنا لا بيد المجتمع الدولى

*****

محمد سيف الدولة

 

الثلاثاء، 12 أكتوبر 2021

خليهم يتسلوا

ربما كان التوقيت الانسب لنشر الخواطر التالية، هو الذكرى السنوية لثورة يناير، ولكننى رأيت التعجيل بنشرها كرسالة ودعوة الى الاخوة والأشقاء من الشعبين التونسى والسودانى، لعلهم يترفقون ببعضهم البعض قليلا، فكل هذه الانقسامات والصراعات التى يخوضونها اليوم لن تسفر عن شئ فى نهاية المطاف سوى ضياع الثورة وجلب الخسارة الفادحة للجميع.

***

حين قال الرئيس الاسبق حسنى مبارك جملته الشهيرة ((خليهم يتسلوا)) من باب الاستخفاف والسخرية من المعارضة المصرية التى احتشدت بعد اعمال التزوير الشامل للانتخابات البرلمانية عام 2010، وقررت تأسيس برلمانا شعبيا...

فان كثيرين سخروا من سخريته بعد قيام ثورة يناير ونجاحها فى اسقاطه وانهاء حكمه. واصبحت هذه الكلمة بمثابة "مأثورة" شهيرة يرددها الناس لوصف كل من يركبه الغرور ويخطئ فى تقدير الامور ويستهين بالشعوب ويقلل من شأن غضب الناس أو قوة المعارضة السياسية.

ولكن بعد مرور عشر سنوات على ثورة يناير، واعادة تقييم الامور، فاننى اتصور انه يتوجب علينا ان نعيد الاعتبار الى مقولة "خليهم يتسلوا" لانها تنطبق بمعنى من المعانى على ما انتهت اليه الامور فى مصر بالفعل؛

فصحيح اننا نجحنا فى انهاء حكم مبارك واسقاطه، ولكننا فشلنا بجدارة فى انجاز الاهداف التى قامت الثورة من اجلها، والتى قمنا باسقاطه من أجل تحقيقها.

فاذا أمعنا النظر فيما آلت اليه الأمور بعد كل هذه السنوات، فسنكتشف ان كل ما بذلناه من جهود وتضحيات وكل ما قدمناه من شهداء، وكل ما اسسناه من حركات وجمعيات ولجان وأحزاب وجبهات، وكل ما نظمناه من وقفات ومسيرات وتظاهرات واعتصامات، وكل ما رددناه من هتافات وشعارات، وكل ما استُنزفنا فيه من خلافات وصراعات وانقسامات حول قضايا تصورنا فى حينها انها مصيرية، كل هذا ذهب هباءً وكانت نتيجته النهائية صفر وربما أسوأ:

·       اختلفنا فى استفتاء 19 مارس 2011 حول الموقف من التعديلات الدستورية وهل نقبلها أم نقوم باعداد دستورا جديدا.

·       واختلفنا هل الانتخابات اولا ام الدستور اولا.

·       وانشقت صفوفنا من يومها الى اسلاميين ومدنيين.

·       واختلفنا حول موقفنا من المجلس العسكرى.

·       ومن احداث مجلس الوزراء ومحمد محمود.

·       وتنافسنا فى الانتخابات البرلمانية ضد بعضنا البعض بعشرات القوائم بدلا من النزول بقائمة موحدة للقوى التى ترافقت فى ميادين الثورة.

·       ثم اختلفنا حول شرعية الميدان ام شرعية البرلمان.

·       وانقسمنا فى الانتخابات الرئاسية 2012 وتقدمنا باكثر من خمسة مرشحين كلهم محسوبون على الثورة، ولم ننجح فى اختيار مرشح واحد ندعمه ونلتف حوله فى مواجهة مرشحى النظام القديم.

·       واختلفنا حول مرسى ام شفيق.

·       ثم حول "حل" اول برلمان منتخب فى انتخابات نزيهة منذ عقود طويلة.

·       وعلى دستور 2012 المشهور باسم دستور الاخوان.

·       وحول اقالة النائب العام.

·       وحول الاعلان الدستوري.

·       واختلفنا على الانتخابات الرئاسية المبكرة.

·       وحول استدعاء الدولة والجيش لانهاء حكم الاخوان.

·       وعلى التفويض لمواجهة اعمال الارهاب المحتملة.

·       وحول فض رابعة وما تلاها من سجون ومحاكمات وتقييد لحريات الجميع.

·       وما زلنا نختلف ونتصارع حتى يومنا هذا.

***

ليصبح السؤال هو من منا الذى أثبتت الايام صحة مواقفه واختياراته؟

والاجابة هى لا أحد للأسف الشديد.

فأى محاولة لعمل كشف حساب ختامى لهذه السنوات، لمراجعة وتقييم وتحديد اى من الخيارات والمواقف والصراعات والمعارك الشرسة التى خضناها ضد بعضنا البعض والتى وصلت الى درجة تكسير العظام، كان لها نصيب من النجاح بعد ذلك، تكشف بوضوح ان كل من شارك فى ثورة يناير قد خسر كل شئ؛

·       فبعد ان قمنا باعداد دستور جديد فى 2014، تم تعديله فى 2019.

·       وتم مصادرة كل ما حققته الثورة من مكتسبات فى مجال الحقوق والحريات والديمقراطية والانتخابات والفصل بين السلطات وتداول السلطة.

·       وأصبح البرلمان موالى للسلطة التنفيذية ومن صناعة مؤسساتها واجهزتها السيادية.

·       وتم تأميم الاعلام وحرماننا جميعا من المشاركة فيه، بعد أن كان شاهدا على مناظراتنا وصولاتنا الكلامية التى لا تنتهى ابان الثورة.

·       واصبح من المحظور وجود اى منافس حقيقى فى الانتخابات الرئاسية.

·       واصبح المختلفين والمعارضين وكل من شارك فى ثورة يناير وكل من يدافع عنها، جميعا على القوائم السوداء للدولة، منهم من فى السجون، ومنهم من هم خارجها محاصرين ومحرومين من أدنى حريات التعبير والمشاركة. 

·       وهكذا.

***

كلنا خسرنا بامتياز، وبقى ذات النظام بعد أن جدد دمائه، ليحكم مصر لعقود طويلة قادمة اذا سارت الأمور فى مسارها الحالى.

ليظهر مجمل المشهد وملخص الحكاية وكأنه نوع من العبث، لم يسفر رغم كل الجهود والتضحيات والآمال، الا عن النقيض تماما من كل ما كنا نستهدفه ونتمناه ونناضل ونتصارع من اجله.

انه بالفعل مشهد قريب الشبه بالتسالى التى وصفنا بها مبارك، والتى توصف بها عادة اعمال اللهو أو الالهاء.

ولكنها كانت تسالى باهظة الثمن.

*****

محمد سيف الدولة