التواصل بالبريد الالكترونى

بحث فى المدونة

السبت، 31 أغسطس 2019

فلسطين بين الأساطير الصهيونية والأكاذيب العربية



لم يكن من الممكن أن يستمر احتلال فلسطين كل هذه العقود، بدون هذه الترسانة الهائلة من الاساطير والخرافات والأكاذيب التى اطلقتها الحركة الصهيونية لتضليل الراى العام العالمى.
وهى اساطير زائفة لا يضاهيها فى زيفها وتهافتها وتضليلها، سوى الأكاذيب الرسمية العربية التى يتم الترويج لها منذ ما يقرب من أربعة عقود، وبالتحديد فى اعقاب حرب اكتوبر مباشرة.
***
وحتى لا أثقل على القارئ الكريم، فسأقوم بتجزئة الموضوع ونشره على ثلاث حلقات كما يلى:
الحلقة الاولى ـ الاساطير والادعاءات الصهيونية.
الحلقة الثانية ـ الاكاذيب الاسرائيلية الحديثة.
الحلقة الثالثة والاخيرة ـ فلسطين والاكاذيب العربية الرسمية.
***
الحلقة الاولى ـ الاساطير الصهيونية:
ليس للاساطير الصهيونية اى تأثير أو مصداقية لدى الشعوب العربية التى تدرك حقيقة المشروع الصهيونى. ولكنها ذو تأثير كبير على غالبية الراى العام الغربى، فيما عدا نخبة قليلة من المفكرين الغربيين الذين حملوا على اكتافهم عبء تفنيد وكشف زيف وبطلان هذه الاساطير من امثال المفكر الفرنسى الراحل روجيه جارودى فى كتابه (الاساطير المؤسسة لسياسات اسرائيل) وجون روز فى كتابه (اساطير الصهيونية) وايلان بابيه فى كتابه (التطهير العرقى لفلسطين) وآخرين.
***
أما عن أبرز هذه الاساطير فهى:
1)   الادعاءات بالارض الموعودة؛ ففلسطين هى ارض الميعاد التى وهبها الله لابراهيم ونسله.
2)   وأكذوبة أرض بلا شعب لشعب بلا ارض.
3)   ونظرية الشعب اليهودى، التى حولت الديانة اليهودية الى قومية، ولم تعترف باى انتماء وطنى او قومى لاى يهودى سوى الانتماء لأرض فلسطين التى يسمونها (اسرائيل).
4)   واكذوبة شتات اليهود (الدياسبورا) التى استمرت منذ عام 70 ميلاديا (كما يدعون) بعد ان هدم الرومان الهيكل وقاموا باخراج اليهود من فلسطين وبيعهم فى اسواق روما، ليبقوا فى الشتات 2000 عام الى ان عادوا اليها فى القرن العشرين مع بداية المشروع الصهيونى وتاسيس (اسرائيل).
5)   والاسطورة العنصرية حول شعب الله المختار. وما بنى عليها من تحريض على التطهير العرقى للاغيار من غير اليهود، التى يطلق على اساسها الحاخامات الصهاينة المعاصرون كل فتاويهم بمشروعية قتل الفلسطينيين وتصفيتهم.
6)   واسطورة معاداة السامية الذى اتخذوا منها حجر الاساس للدعوة الى تأسيس وطنى قومى لهم فى فلسطين، وهم انما يقصدون بها معاداة (اسرائيل).
7)   واكذوبة العداء بين الصهيونية والنازية.
8)   وكذلك المبالغة والتضخيم فى اعداد ضحايا اليهود فى مذابح الهولوكوست.
9)   واخيرا وليس آخرا، ادعاءاتهم بان انشاء دولة (اسرائيل) هو الرد والحل الصحيح والواجب تعويضا عن نكبة الهولوكوست كما ورد نصا فيما يسمونه بوثيقة الاستقلال او اعلان دولة (اسرائيل).
***
وكلها ادعاءات زائفة وباطلة، تتناقض مع كل ما استقرت عليه علوم الاجتماع عن مراحل وأطوار عملية تشكل وتطور المجتمعات والقوميات والأمم (Nations) التى لم تفلت من سننها أى جماعة بشرية منذ بداية الخليقة.
·       ففى العصور القديمة منذ ما يقرب من 5000 الى 1500 عاما كانت كل بقاع الأرض، بما فيها الأرض التى تسمى اليوم بالأمة العربية، تعج بالاقوام والعشائر والجماعات القبلية التى اندثرت او انصهرت فيما بعد فى التكوينات القومية اللاحقة عليها، فأين اليوم الأموريون والكنعانيون والفينيقيون والفلستيين (بالتاء وهى شعوب البحر التى قدمت من جزيرة كريت واستوطنت الساحل الفلسطينى وليسوا هم اجداد العرب الفلسطينيين الحاليين كما ادعى نتنياهو مؤخرا)، واين البابليون والآشوريون والهكسوس، بل وأين الفراعنة واللغة الهيروغليفية، كلها قبائل او شعوب، لم تبلغ مرحلة التكوين القومى، فوُجِدَّت وعاشت لفترات محددة، ثم اندثرت او انصهرت فى جماعات وقوميات أكبر منها كما ذكرنا عاليه.
·       والعبرانيون لا يختلفون أبدا عن كل هذه الجماعات، فهم ايضا قد اندثروا او انصهروا فى بلدان وقوميات أخرى.
·       كما ان اليهود الاوروبيين الشرقيين الصهاينة الذين يستوطنون فلسطين اليوم غصبا، ليسوا امتدادا لاولئك الذين عاشوا فيها مع غيرهم منذ آلاف السنين، وانما هم من سلالة قبائل الخزر التى اعتنقت اليهودية فى القرنين الثامن والتاسع الميلادى وهى من اصول تركية ازدهرت من القرن السابع حتى القرن الحادى عشر وامتدت نفوذها فيما بين البحر الاسود وبحر قزوين ومن القوقاز حتى الفولجا. (انظر كتاب ـ امبراطورية الخزر وميراثها ـ القبيلة الثالثة عشر).
·       ولكن رغم كل هذه الحقائق الثابتة، قامت الحركة الصهيونية والاستعمار الغربى، باستدعاء اسم احدى هذه الجماعات المندثرة من التاريخ وفبركوا حولها قصص وتاريخ واساطير زائفة، ليستخدموها فى التبرير لمشروعهم الاستعمارى الاستيطانى فى اغتصاب فلسطين. 
·       هذا بالإضافة الى ما ذهب اليه كثير من الباحثين والمؤرخين من أنه فى تلك العصور وفى العديد من من الديانات القديمة، كان لكل منها شعبا مختارا، كل حسب ديانته او تفسيراته أو روايته، وكل منها وهبته آلهته أراض لا يملكها! وبالتالى فأمثال الأساطير الصهيونية الحالية، لا تقتصر على الديانة اليهودية فقط؛ فلكل الديانات اساطيرها الزائفة، التى يتبناها ويطلقها "البعض" من أتباعها، فهى ليست سوى أساطير إخترعوها هم وآباؤهم، وفى جميع الاحوال لا يمكن ولا يعقل ان تلزم أتباع الديانات الأخرى أو باقى شعوب وأمم العالم.
·       ولو صحت العقيدة الصهيونية فيما ذهبت اليه من ان اليهود يمثلون شعبا وامة قائمة بذاتها، وان اليهودى فى اى بلد فى العالم لا ينتمى الى هذا البلد وانما الى ارض الميعاد، لكان علينا أن نقوم بالغاء كل الشعوب والأمم والدول ونعيد تقسيم العالم على اساس الديانات، فيكون لكل اتباع ديانة ما دولة خاصة بهم، دولة لكل يهود العالم، وأخرى لكل مسلمى العالم وثالثة لكل مسيحيى العالم، ورابعة للهندوس وخامسة لأتباع كونفوشيس وسادسة لاتباع بوذا وهكذا.
***
·       اما عن معادة السامية التى اممتها واحتكرتها الحركة الصهيونية لصالحها واعتبرت ان اليهود هم الجنس الوحيد المضطهد فى العالم، فانه موقف شديد العنصرية، فالاستعمار الغربى الابيض الذى كان يمارس العنصرية بالفعل ضد مواطنيه من اليهود هو ذاته الذى قتل ملايين الافارقة الذين ماتوا بعد خطفهم واثناء نقلهم على سفن تجار الرقيق الى القارة الامريكية، بالاضافة الى ما جرى من جرائم ابادة للملايين من الشعوب الأصلية مثل الهنود الحمر للاستيلاء على اوطانهم، وكذلك ملايين من شعوب العالم الثالث فى افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية لاحتلال اوطانهم ونهب ثرواتهم.
·       وهى ذات العنصرية الصهيونية التى ظهرت مرة اخرى فى اسطورة الهولوكوست، فالحرب العالمية الثانية اسقطت ما يقرب من 50 مليون ضحية، ولكن الحركة الصهيونية لم تتوقف سوى امام ضحايا الحرب من اليهود، حيث قاموا بتأميم واحتكار فظائع الحرب لصالح مشروعهم.
·       ولم يكتفوا بذلك، بل اعتبروا ان التعويض الغربى الوحيد المقبول لديهم، هو بإعطائهم فلسطين، ليصبح المشهد كما يلى: نظام المانى عنصرى يقتل مواطنيه من اليهود الالمان، فيكون العقاب للشعب العربى فى فلسطين الذى لا ناقة له ولا جمل فى جرائم النازية.
·       هذا بالاضافة الى ما اصبح ثابتا اليوم بموجب العديد من الوثائق والابحاث، من تعاون مشترك بين هتلر وقادة الحركة الصهيونية، من اجل تهجير اليهود الالمان الى فلسطين، كل بحسب دوافعه؛ النازيون يكرهون اليهود ويريدونهم خارج المانيا، والمنظمات الصهيونية يريدونهم ايضا خارج المانيا وبالتحديد فى فلسطين، فلماذا لا ينسقون ويتعاونون؟
***
يتبع ـ الحلقة القادمة باذن الله ستتناول الاكاذيب الاسرائيلية الحديثة بعد قيام وتاسيس دولة الكيان المسماة باسرائيل.
*****

محمد سيف الدولة

الأربعاء، 28 أغسطس 2019

الاستبداد خائن



مقطع فيديو

من المسئول عما نحن فيه اليوم من تدويل كافة القضايا العربية، واستباحة أراضى واستقلال وسيادة غالبية دول الثورات العربية من قبل طوب الارض من الدول والقوى الاجنبية؟
أهى الثورات أم استبداد أنظمة الحكم؟
***
يقولون أن #الجوع_كافر، بمعنى ان الجوع يولد الكفر لدى الجائعين.
وعلى نفس المنوال، يمكننا ان نؤكد ان الاستبداد خائن، بمعنى ان القهر والظلم الشديد يدفع مزيد من المواطنين يوما بعد يوم الى الاستنجاد والاستقواء بالخارج.
وهو استقواء مرفوض ومدان ويضع صاحبه موضع الشك والريبة والتخوين. لأن الخارج استعمارى وشرير، لا يتحرك الا لتحقيق مصالحه، ولا يعبأ بمصالح الشعوب.
ولكن السؤال المهم هنا رغم ذلك، هو من السبب فى الزيادة الهائلة لاعداد المستنجدين بالقوى الخارجية والمجتمع الدولى فى دولة ما؟ فبعد ان كانوا فيما مضى لا يتعدى عددهم عشرات او ربما مئات قليلة، اصبحوا اليوم فى بلادنا بالملايين.
من المسؤول عن سقوط كل هؤلاء البشر بالجملة فى خطيئة وخيانة استدعاء قوى ودول اجنبية للتدخل فى شئون بلادهم بل واحتلالها؟
انه الظلم والاستبداد والقهر الشديد هو الذى يدفع الناس دفعا الى هذا الطريق.
وهو ما يعنى كذب ما تروج له السلطات الحاكمة دائما من أن الثورة تهدد الدولة وتهدم كيانها، لان الحقيقة ان النظام المستبد الظالم التابع المفقر هو الذى يهدد الدولة، ويعرضها لمخاطر جمة، حين يعتدى على حياة الناس وحرياتها ويحرمها من ابسط الحقوق الانسانية الاساسية، فيضعف انتمائها الوطنى، ويتغير ولائها وتنحرف بوصلتها وتبحث عن أى طوق للنجاة، ولو كان خادعا او وهميا او مغرضا ومعاديا.
***
#العدل_أساس_الحكم_وحصنه




السبت، 24 أغسطس 2019

ضمير الناس


هناك صراع لا يهدأ على الرأي العام من حيث تشكيله وتوجيهه والتأثير فيه، ومن حيث صناعته وصُناعه وأدواته ومنابره، بينما لا أحد يتوقف كثيرا عند الضمير العام أو ضمير الشعوب رغم أنه أكثر تأثيرا آلاف المرات من كل الماكينات الجهنمية لتوجيه الرأي العام.
***
·       ففى ظل أنظمة الحكم المستبدة، تسيطر الدولة على كل منابر صناعة الرأي العام من تعليم وصحف واذاعة وتليفزيون وفضائيات وخلافه، ولكن ورغم كل هذه الهيمنة الا انها لا تستطيع الولوج الى ضمير الناس.
·       فالفرق بين الرأي العام والضمير العام، ان الثاني أطول عمرا وأكثر عمقا وترسخا وتجذرا، كما انه لا يمكن سجنه او اعتقاله او إعدامه كما انه يستحيل حصاره أو إقصائه أو اجتثاثه.
·       وحين تقترب منابر الرأى العام من وجدان الضمير العام الأقرب الى الفطرية، فاننا نكون على الاغلب بصدد حياة فكرية وسياسية سوية أقرب الى الحرية والديمقراطية.
·       أما اذا اختلفا وتضادا ووقفا على طرفى نقيض طول الوقت، فسنكون امام واحدة من أبرز خصائص ومعالم انظمة الحكم المستبدة.
·       فالشعوب فى كل بلدان العالم، تدرك بفطرتها منذ اللحظات الأولى، طبيعة النظام الذى يحكمها وطبيعة القائمين عليه، وهل هو نظام صديق يمثلها وينحاز اليها ويسعى الى سد احتياجاتها وتلبية مطالبها، ام انه يكرهها ويعاديها ويعمل على قهرها وامتصاص دمائها وينحاز ويتحالف مع مستعمريها ومستغليها من الخواجات والرأسماليين والفاسدين وناهبى مقدراتها ومحتكرى ثرواتها.
***
·       وفى لحظات الردة والانكسار الشعبى والسياسى يحتمى الناس بهذا الضمير، تماما كما نفعل اليوم فى تمسكنا بثورة يناير، ورفضنا للارتداد عليها، مهما أطلقوا علينا من اعلام ودعايات ومهما كمموا الافواه وحظروا الكلام وحاصروا المفكرين والسياسيين والكتاب.
***
·       ومن أوضح الأمثلة وأقربها على عمق تأثير الضمير العام فى حياة الشعوب، هو ما حدث مع ما يسمى بصفقة القرن، حين تواطأ مع امريكا واسرائيل، بالمشاركة او بالصمت، عدد من الانظمة العربية لتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية، بينما تفجرت حالة عامة من الرفض والغضب العربى من كل الشعوب العربية بدون استثناء.
·       وهو تكرار لما حدث فى مصر على امتداد 40 عاما مع اتفاقيات كامب ديفيد والصلح مع العدو الصهيونى، فرغم الجهود الهائلة التى بذلتها ثلاثة أنظمة متتالية من السادات مرورا بمبارك وصولا الى عبد الفتاح السيسى، من الترويج لمكاسب السلام الزائفة، الا ان الضمير الشعبى العام فى مصر، لا يزال فى غالبيته ينظر لاسرائيل على انها العدو الاول لمصر وللعرب، ويتمسكون بأن الارض الواقعة على حدودنا الشرقية هى فلسطين وليست (اسرائيل).
·       ولقد ظهرت اهمية الضمير الشعبى وخطورته وتأثيره بوضوح أيضا فى قضية تيران وصنافير، حين تمسك كل المصريين بحقهم الوطنى والتاريخى فى الجزيرتين، رغم كثافة الحملات الاعلامية السلطوية الموجهة المصحوبة بحملات اعتقال هستيرية.
·       كما ظهرت رهافة ضمير شعبنا الكريم وذكائه وفطنته ونضوج وعيه فى الفرق الهائل بين تفاعله واقباله منقطع النظير على الاستحقاقات الانتخابية اثناء ثورة يناير وبين عزوفه وانصرافه ومقاطعته وسخريته مما سبقها او ما تلاها من مسرحيات انتخابية هزلية.
·       وايضا فى الموقف الفطرى من الاحكام القضائية فى القضايا السياسية، حيث تتم محاسبة وتجريم وعقاب كل من يعترض عليها وينتقدها، بينما لا تملك أكثر قوانين وسلطات العالم قسوة واستبدادا اى سلطان على ضمير الناس ووجدانها تجاه أى شعور بالظلم حتى لو التزمت الصمت خوفا واكراها.
·       وكذلك فى مجال معايش الناس وحياتها اليومية، فان غالبية الطبقات الشعبية الفقيرة والمتوسطة والتى تزداد فقرا كل يوم، ورغم انها ليست خبيرة أو متخصصة فى الاقتصاد، الا انها لا تصدق ما تصدره الحكومة ومن ورائها مؤسسات الاقراض الدولى من بيانات واحصاءات عن تحسن الأحوال و زيادة معدلات النمو وارتفاع الاحتياطى النقدى ونجاح الاصلاحات الاقتصادية وانخفاض نسبة البطالة ..الخ، وتدرك بفطرتها وضميرها وخبراتها الطويلة مع الحكومات المتتالية ان السياسات الاقتصادية للسلطة وانحيازاتها الطبقية هى التى تؤدى الى افقار الناس والى سيطرة واحتكار رؤوس الاموال الاجنبية مع قلة من الاغنياء وكبار رجال الدولة على مقدرات البلاد.
·       وهو ما ينطبق ايضا على الموقف من الفساد ونهب المال العام، حيث ان الناس بحساسية ضمائرها وقوة فراستها قادرة على رصد واشتمام رائحة الفساد أينما وجدت أكثر ألف مرة من أي اجهزة رقابية.
·       كما تتجلى قوة الضمير العام على الدوام فى المقارنة بين عمق مشاعر التقدير والتبجيل والاحترام التى يكنها الناس لكل من يتوسمون فيهم الوطنية الحقة والاخلاص وصدق النوايا، وبين احتقارهم وسخريتهم المستمرة من كل كتائب الآفاقين والمنافقين والكاذبين الذين يحتكرون المنابر الاعلامية.
·       وربما تكون لحظات الوداع ومشاعر الحزن وآلام الفراق للقادة والرواد والكتاب والمفكرين والمناضلين والمبدعين والاساتذة والشيوخ من الشخصيات العامة هى اصدق تعبير وأكبر استفتاء للضمير العام حول الموقف من أى شخصية راحلة.
·       والأمثلة كثيرة.
***
ولكن من الذى يصنع ضمير الشعوب وكيف؟ ومن هم حراسه اليوم؟
·       انها اولا حضارة الامم المتوارثة عبر الاجيال، بكل مكوناتها من عقائد دينية وقيم أخلاقية، وخصائص جغرافية وتكوينات قومية وانتماءات وطنية، وتجارب وتحديات ومعارك ومنعطفات تاريخية، وملاحم وأساطير بطولية، وثقافات محلية وعالمية، ونماذج وقدوات بشرية كالرسل والأنبياء والفلاسفة والعلماء والمفكرين والزعماء والقادة والمعلمين والدعاة وهكذا.
·       بالاضافة الى قائمة طويلة وممتدة من الشخصيات العامة المعاصرة المحترمة والمستقلة باختلاف توجهاتها وتخصصاتها، المسلحة بثوابت الأمة وبقيمها وهويتها الحضارية، الواعية بتاريخها وخصائصها وعناصر قوتها ومواطن ضعفها ومعسكرات اصداقائها واعدائها وبمصادر التهديدات والمخاطر عليها، والمنحازة لشعبها والمدركة لاحتياجاته ومصالحه، والتى لم تنافق نظاما او سلطة او حاكما فى حياتها.
·       ورغم كل ما تتعرض له من حصار وتهميش وتجاهل ومطاردة قد تصل احيانا الى التشهير والتشويه والاعتقال، الا انها شديدة التأثير فى المحيطين بها، انهم ممن يمكن أن نطلق عليهم "الصادقون الأمناء" فى كل عصر وكل مكان، وان كانوا ليسوا أنبياء، الا انهم لا يبتغون سوى وجه الحق والعدل والعدالة.
·       ولذا يصعب القضاء على تأثيرهم بين الناس، وهذا هو مصدر قوتهم ونفوذهم الطاغى فى أى مجتمع، فاعتقالهم ونفيهم او حتى إعدامهم، يحيى وينشط من هرمونات الضمير العام وليس العكس.
·       حتى صمتهم يكون له تأثيرا كبيرا فى كثير من الاحيان، ففى امتناعهم عن المشاركة فى موالد ومهرجانات النفاق الجماعى، ادانة ضمنية للعصر وللسلطة والحاكم. وكثيرون منهم يتعرضون للتضييق والحصار وحتى للاعتقال عقابا لهم على صمتهم.
***
أستطيع ان اذكر أسماء مئات من الذين أعلمهم أو تعرفت عليهم او تتلمذت على اياديهم من هذه الشخصيات، ولكننى لن افعل، لأنهم يقدرون بالآلاف فى كل مجتمع، وليس بالضرورة ان يكونوا مشهورين على مستوى عامة الناس، بل قد يقتصر تأثيرهم فى دوائرهم المحلية الضيقة؛ فى محافظاتهم او قراهم او جامعاتهم او مدارسهم او حتى فى عائلاتهم.
وكثيرا ما كنت أسأل الشباب عن أحوالهم فى ظل ما تعيشه البلاد والمنطقة كلها من صراعات وأزمات ومظالم وانكسارات وطنية وسياسية كبرى، فيجيبون بأنه عندما تمر الأمة بهزيمة او انتكاسة كبرى او بسنوات عجاف أو يكون هناك فتنة فى قضية ما أو أوضاع ضبابية ومتداخلة تثير الشك والالتباس والحيرة، أو حين يواجهون حملات اعلامية موجهة وشرسة للترويج لفكرة او لموقف، فانهم يسترشدون بأفكار ومواقف وآراء وكتابات شخصيات بعينها يعتبرونها بمثابة مرجعيات فكرية واخلاقية ووطنية موثوق بها. والتى غالبا ما يجدونها متفقة على رأى واحد أو متقارب، فتطمئن قلوبهم.
أمثال هؤلاء هم الذين يشكلون ضمير الأمم.
***** 
محمد سيف الدولة