التواصل بالبريد الالكترونى

بحث فى المدونة

الخميس، 22 مارس 2018

خرائط الغضب فى مصر



خرائط الغضب فى مصر
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

تناولنا فى مقال سابق بعنوان "انتخابات بالاكراه"، حزمة السياسات التى أدت الى تأميم الحياة السياسية والانفراد بالسلطة الى ما شاء الله، واليوم سنتناول جانباً آخر من المشهد: سنلجأ فيه الى ابسط قواعد المنطق والتحليل الموضوعى، لعمل حصر بالمتضررين من حكم السيد عبد الفتاح السيسى والرافضين، لأسباب وطنية أو طبقية واقتصادية أو دستورية أو حقوقية، للكثير من سياساته وقراراته على امتداد السنوات الأربع الماضية، والذين يشكلون معا ما يمكن ان نطلق عليه خرائط الغضب فى مصر:
1)   عشرات الملايين من الفقراء الذين ازدادوا فقرا بعد قراراته الاقتصادية بتنفيذ تعليمات وروشتات صندوق النقد الدولى بتعويم الجنيه وتخفيض قيمته الى أكثر من النصف مع الغاء الدعم ورفع الاسعار.
2)   ومعهم بالطبع عشرات الملايين الأخرى من الطبقات المتوسطة الذين تدهورت مستويات معيشتهم وانكمشت مدخراتهم لأكثر من النصف تقريبا لذات الاسباب، وانتقل العديد منهم الى مرتبة الفقراء.
3)   غالبية الملايين الذين شاركوا فى ثورة يناير، ثم رأوا السيسى ونظامه يعاديها ويجهضها ويقضى على مكتسباتها ويصادر حرياتها ويطارد كل من شارك فيها ويكمم أفواههم.
4)   غالبية الملايين الذين ذاقوا طعم الحرية والانتخابات الحقيقية النزيهة لأول مرة فى حياتهم، ووقفوا بالساعات فى طوابير الاقتراع بعد ثورة يناير، ثم شاهدوا ما آلت اليه الأمور اليوم، من العودة الى عصور الـ 99 %.
5)   كل المؤمنين بالحق فى التظاهر بعد أن تم حظره وتجريمه. وكذلك غالبية الملايين الذين افترشوا ميدان التحرير وباقى شوارع وميادين مصر، بعد أن أُغلقت امامهم وحرمت عليهم.
6)   ملايين المصريين الوطنيين الذين رفضوا التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير المصريتين لمملكة آل سعود، والسير فى ركابها.
7)   كل من يرفض اخلاء الحدود الدولية وشمال سيناء وتهجير سكانها، لإقامه المنطقة العازلة التى كانت اسرائيل تطلبها منذ سنوات طويلة وكان مبارك يرفضها، وعلى رأسهم بالطبع أهالي شمال سيناء الذين تم تهجيرهم من مساكنهم لاقامة هذه المنطقة.
8)   كل من يحرص على احترام الدستور والقانون وعلى قيم العدل والفصل بين السلطات، والرقابة القضائية والبرلمانية على السلطة التنفيذية، الذين تأذوا بشدة مما يروه من انتهاك يومى لمواد الدستور وتجميد لأحكامه ونصوصه، وما يشاهدوه من الضرب عرض الحائط بأحكام المحكمة الادارية العليا ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية.
9)   كل الذين كانوا يحلمون ببرلمان حقيقى يعبر عن جموع المصريين ويحمى مصالحهم ويحافظ على حرياتهم وحقوقهم فى مواجهة تغول السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية.
10)          وكذلك كل الرافضين لهيمنته على السلطة القضائية وتسييس احكام القضاء وأحكام الادانة والاعدام بالجملة والحبس الاحتياطى الى ما شاء الله بالمخالفة لأحكام القانون. وعلى رأسهم غالبية القضاة، الذين يتألمون فى صمت من تدخل السلطة التنفيذية فى شئونهم والضغط عليهم وتجريدهم من حقهم فى اختيار رؤساء هيئاتهم ليتم تعيينهم بقرارات يصدرها رئيس الجمهورية.
11)          ملايين من طلبة الجامعات الذين حُرم عليهم العمل السياسى، لتعود الجامعة لتكون سجنا كبيرا تحت ادارة ورقابة وهيمنة الاجهزة الامنية، ومعهم ألاف الاساتذة والعاملين فى هيئات التدريس الذين إُنتزع منهم حقهم فى انتخاب عمداء كلياتهم ورؤساء جامعاتهم التى عادت مرة أخرى لتكون بالتعيين.
12)          كل الاقتصاديين الوطنيين الذين يرفضون اغراق مصر فى الماكينات الجهنمية للقروض والديون الخارجية وفوائدها، مما يفقد مصر ما تبقى من استقلالها ويثقل كاهل الاجيال الحالية والقادمة بأعباء لا قبل لهم بها.
13)          وكذلك كل رجال الاعمال الذين يعانون من اقتحامه لقطاعات الانتاج والأعمال ومنافستهم فى ارزاقهم ومجال أنشطتهم والاستحواذ والاحتكار والسيطرة على الاسواق المصرية، لأهداف ربحية رأسمالية بحتة وليس من منظور الاشراف والتنظيم والحراسة وفقا لدور الدولة فى النموذج الرأسمالي، أو حتى من منظور الادارة والتخطيط وفقا لنموذج التنمية الاشتراكي. 
14)          كل المفكرين والشخصيات العامة المستقلة التى نأت بنفسها طول عمرها عن مهادنة اى سلطة ونفاق أى رئيس، الذين يشاهدون اليوم اعادة الانتاج الفجة لأنظمة الفرعون والزعيم الأوحد.
15)          كل المثقفين الذين يتأذون بعد كل خطاب او كلمة يلقيها، من مستوى الافكار وتهافت المنطق وضعف اللغة وفقر المفردات وكارثية الارتجالات.
16)          كل من يعلم قيمة مصر وقدرها، الذين تأذت كرامتهم الوطنية بشدة حين سمعوا الكلمات المهينة لمكانة مصر فى تصريحاته مع الرئيس الامريكى او الرئيس الفرنسى. وكل من شاهد صورته وهو يقف مع الواقفين خلف الرئيس الامريكى الجالس وحده، وكأنه واحدا من حاشية البيت الابيض.
17)          كل من يدرك مكانة مصر وريادتها العربية، حين شاهد فضيحة سحب بعثتها الدبلوماسية لقرار ادانة المستوطنات الاسرائيلية من مجلس الامن بناء على تعليمات السيسى بعد مكالمة تليفونية مع ترامب. وكذلك كل الذين امتعضوا من خطابه الأخير فى الأمم المتحدة، حين أشاد بنتنياهو بأنه رجل سلام، بينما شوه الفلسطينيين وطالبهم بإثبات مصداقيتهم فى الرغبة فى السلام وكأنهم هم الجناة وليسوا الضحايا. وكذلك كل من يكره اسرائيل ويحب فلسطين، ويرفض التنسيق والتحالف المصرى الاسرائيلى ويرفض لقاءاته السرية مع نتنياهو. وكذلك كل الذين شاركوا فى اغلاق مقر السفارة الاسرائيلية فى 9/9/2011، بعد أن رأوا السيسى يعيد فتحها فى ذات يوم اغلاقها فى 9/9/2015، فى مكايدة مصرية رسمية مع اسرائيل ضد ثورة مصر وشبابها.
18)          كل الغاضبين من قرار ترامب بأن القدس عاصمة لاسرائيل، الذين يشكون فى وجود تواطؤ رسمى مصرى سعودى خليجى مع الادارة الامريكية لتمرير هذا القرار وامتصاص وتصفية الغضب الشعبى العربى فى مواجهته.
19)          كل المؤمنين بقيم المساواة والتواضع وهم يشاهدونه يتفاخر بنفسه وبعبقريته وبفلسفته وتميزه عن باقى خلق الله، وكذلك كل المحبين للصدق والصادقين، حين يسمعونه يعيد ويكرر ادعاءات لا تمت للحقيقة بصلة.
20)          وعلى المستوى السياسى، غالبية عناصر التيار الليبرالى وكل الأحرار المؤمنين والمدافعين عن حقوق الانسان وحرياته بعد ان شاهدوا العدوان اليومى عليها.
21)          غالبية عناصر التيار الاشتراكى وكل المدافعين عن حقوق الفقراء والمطالبين بالعدالة الاجتماعية بعد ان شاهدوا الاستسلام الكامل لشروط الرأسمالية العالمية وممثليها من صندوق النقد والبنك الدوليين وتنفيذ اجندتهم الاقتصادية المدمرة فى مصر، كما شاهدوا الانحياز المطلق الى الطبقات الاكثر غنى فى مصر من خلال الاستثمار فى مشروعات مثل العاصمة الجديدة.
22)          غالبية عناصر التيار القومى وكل الوطنيين بعد ان شاهدوا عمق العلاقات بينه وبين اسرائيل ونتنياهو ومشاركته فى حصار غزة ومباركته لصفقة القرن التى تسعى لتصفية القضية الفلسطينية ومبايعته على بياض للرئيس الامريكى العنصرى دونالد ترامب.
23)          غالبية عناصر التيار الاسلامى الذين يشاهدون محاولاته الحثيثة لاجتثاثهم من الحياة السياسية تماما، بالحظر والاعتقال واحكام المؤبد والاعدام بالجملة.
24)          غالبية جبهة 30 يونيو من القوى والشخصيات التى شاركت فى ثورة يناير، بعد أن غدر بهم، وقام بإقصائهم وحصارهم وتشويهم ومطاردة واعتقال شبابهم.
25)          مئات الآلاف من عائلات وأصدقاء وزملاء وجيران المعتقلين وضحايا قمع المظاهرات التى بلغت اعدادهم عشرات الآلاف.
26)          كل الكارهين لأعمال البلطجة والدولة البوليسية، حين يشاهدون هجمات البلطجية و"المواطنين الشرفاء" والاعتداءات الاجرامية على شباب الثورة ورموزها كما حدث لشيماء الصباغ وهشام جنينية وغيرهم الكثير.
27)          كل المفكرين والمتخصصين والوطنيين والخبراء الحقيقيين، حين يتم حظرهم من الكتابة الصحفية والظهور الاعلامى ومخاطبة الراي العام المصرى وتنويره، لحساب حزمة من أردأ وأجهل العناصر الاعلامية الأمنية. وكذلك كل الذين يحترمون عقولهم، حين يرون مدى التدنى والابتذال قى الخطاب الاعلامى والسياسى الموحد والموجه للدولة.
28)          كل الرافضين لتوظيف مؤسسات الدولة الدينية وقياداتها فى الازهر ووزارة الأوقاف ودار الافتاء وفى الكنيسة للترويج للسيسى ونظامه.
29)          كل الكارهين للإرهاب والإرهابيين، الذين يرون كيف يصنع السيسى بسياساته واستبداده وإجراءاته القمعية حاضنة شعبية للإرهاب.
30)          كل الرافضين للعنصرية الغربية التى تعادى الاسلام والمسلمين حين يرونه يردد مقولاتهم العنصرية ويتبنى خطابهم ويتهم 1.7 مليار مسلم بالارهاب علنا فى أحد خطبه بمناسبة المولد النبوى الشريف، ويُلحق مصر بالأحلاف الامريكية الاستعمارية الجديدة تحت ذريعة مكافحة الارهاب.
***
اذا كان ذلك كذلك، فمن اذن كل هؤلاء القوم الذين نشاهدهم كل يوم فى البرلمان وفى الصحف والفضائيات، وفى مؤتمراته التى لا تنتهى، ومن اين جاءت كل هذه التفويضات التى تقدر بعشرات الالاف؟
انهم ببساطة كبار رجال الدولة والعاملون بها وقيادات الاجهزة الامنية وعناصرها ومخبريها وشبكات المصالح المرتبطة بهم، بالإضافة بالطبع الى كل الموظفين الخائفين من اغضاب السلطة أو السائرين فى ركابها طمعا فى عطية او اتقاء لشرها.
هؤلاء موجودون فى كل عصر وفى كل نظام، يدينون بالولاء لكل من يعتلي الكرسى، فان ذهب، غيروا ولاءهم للوافد الجديد فورا، وتسابقوا وتصارعوا على الفوز برضاه وعطاياه.
هؤلاء ليسوا الا قلة قليلة لا تجد لها أثر حين تنتفض الشعوب وتثور، حينها يهرولون الى الجحور، أتتذكرون الحزب الوطنى الديمقراطى.
*****
القاهرة فى 22 مارس 2018

الأربعاء، 7 مارس 2018

التطبيع بين الثورة والثورة المضادة



التطبيع بين الثورة والثورة المضادة
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

الذين دأبوا على تشويه الثورة المصرية باتهامها كذبا بما يسمى "بالربيع العبرى"، آن الآوان لهم أن يبتلعوا ألسنتهم ويبحثوا لهم عن كذبة أخرى يشوهون بها ثورة يناير غير حكاية " العبرى" تلك.
فإن اى مقارنة او كشف حساب بسيط و منصف، سيكشف الى مدى كانت الثورة المصرية معادية لاسرائيل ومناهضة للتطبيع ومناصرة لفلسطين، وفى المقابل كيف جاءت الثورة المضادة معادية لفلسطين راعية للتطبيع متحالفة مع (اسرائيل).
·       فمظاهرات الثورة المصرية هى التى اغلقت مقر السفارة "الاسرائيلية" فى مصر لأول مرة منذ 32 عاما، غضبا من قيام قوات الاحتلال بقتل عسكريين مصريين على الحدود فى اغسطس 2011.
بينما كان عبد الفتاح السيسى هو الذى قام بفتح مقر جديد للسفارة بعد اربع سنوات وفى ذات اليوم الذى اغلقت فيه فى 9/9/2015 فى مكايدة مصرية رسمية اسرائيلية مشتركة للثورة وشبابها.
***
·       والثورة المصرية هى التى ارغمت (اسرائيل) على ايقاف اعتداءاتها على غزة مرتين، الاولى فى ابريل 2011 والثانية فى نوفمبر 2012. بعد أن كانت تعربد وتقتل مئات من الفلسطنيين بلا عقاب أو حساب مثلما حدث فى عدوانها على غزة 2008/2009 الذى اسقط 1500 شهيد، ثم عدوانها فى صيف 2014 الذى اسقط 2000 شهيد .
***
·       والثورة المصرية هى التى كسرت الحصار على قطاع غزة، وفتحت معبر رفح الذى شاهد زيارة آلاف المصريين الى فلسطين لاول مرة فى حياتهم .
بينما مبارك قبل الثورة والسيسى بعدها هما اللذان أحكما الحصار على القطاع وأغلقا المعبر، بل و زاد الأخير بقيامه  بتدمير الانفاق التى رفض مبارك نفسه تدميرها.
***
·       والثورة المصرية هى التى انهت وأبطلت عقود وصفقات تصدير الغاز المصرى لاسرائيل، بل وقدمت مبارك للمحاكمة بسببها، اما الثورة المضادة فهى التى وقعت صفقة جديدة لاستيراد الغاز الاسرائيلى.
***
·       والثورة المصرية هى التى تصدت لرفض قرض صندوق النقد الدولى، الذى اعلن حينها انه لن يوافق على القرض الا بعد ان يتأكد من القبول الشعبى له، بينما مصر السيسى هى التى اخذت القرض مقابل الخضوع لشروط وتعليمات وروشتات الصندوق وما ترتب عليها من نتائج كارثية لجموع المصريين.
***
·       كما أنه بعد اجهاض الثورة، بدأ الحديث عن صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية ودمج اسرائيل فى المنطقة وتأسيس تحالفات عربية اسرائيلية برعاية امريكية ضد ايران، وتفاخر نتنياهو فى كل مناسبة بان الدول العربية اصبحت تنظر لاسرائيل كحليف وليس كعدو، وتجرأت أمريكا لأول مرة على اعلان القدس عاصمة لاسرائيل الذى لو كان قد صدر فى سنوات الثورة المصرية لإنفجر الشارع المصرى فى وجه كل ما هو امريكى.
***
·       وفى ظل الثورة المضادة دنس نتنياهو التراب المصرى سرا، وقابله السيسى سرا ايضا فى العقبة بالاردن، وبدأ الترويج لأحاديث السلام الدافئ والسلام الرائع والسلام المستقر فى وجدان المصريين، وتم اخلاء المناطق الحدودية من السكان لإقامة المنطقة العازلة التى كانت تطلبها (اسرائيل) منذ سنوات طويلة وكان مبارك يرفضها على الدوام.
***
·       وفى ظل الثورة المصرية تعالت الاصوات التى تطالب بتحرير مصر من القيود المفروضة عليها فى سيناء بموجب الترتيبات الامنية فى اتفاقيات كامب ديفيد، بينما فى ظل الثورة المضادة تعمق التنسيق الامنى المصرى الاسرائيلى الى درجة غير مسبوقة، بل وتم تكبيل مصر بقيد جديد سيزيد من التحديات والمخاطر التى تهدد الامن القومى المصرى، بعد التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير الاستراتيجتين للسعودية فى اطار الرعاية المصرية لعملية تطبيع سعودى اسرائيلى من بوابة الترتيبات الامنية المنصوص عليها فى المعاهدة المصرية الاسرائيلية.
***
·       لقد كانت الحقوق والحريات الواسعة التى انتزعها الشعب المصرى فى ثورة يناير حائط صد منيع ضد اى اتفاقيات او صفقات او تنازلات تدور فى الكواليس، فلقد كان كل الامور تدور على الهواء رغم انف الجميع.
·       وكان الحق فى التظاهر الذى انتزعته الثورة بدماء شهدائها قادرا على ارغام اى حكومة او اى سلطة او اى رئيس ان يفكر الف مرة قبل ان يتخذ قرارا يمس المصالح او الثوابت الوطنية.
***
·       كان الشارع رقما مهما فى صناعة القرار المصرى، او كما صرح واشتكى القادة الصهاينة اكثر من مرة من ان اسرائيل قد اعتادت التعامل مع قصور الحكم العربية، ولكنها عاجزة عن التعامل و التواصل مع الشارع العربى.
·       وفى ظل الثورة، اعلنت القيادات والكتاب ومراكز الابحاث الصهيونية عدة مرات عن خوفها الشديد من تغير الميزان الاستراتيجى ضدها، وقدمت عشرات النداءات والشكاوى "المنشورة والموثقة" للادارة الامريكية حول خطورة ما يجرى فى مصر على وجودها وامنها، اما اليوم فان نتنياهو يتفاخر فى كل مكان بأن  الدول العربية الكبرى اصبحت تنظر لاسرائيل كحليف وليس كعدو.
***
·       وفى ظل الثورة المصرية بسقف حرياتها اللامتناهى انطلقت مئات الحملات الاعلامية والسياسية لتوعية الراى العام بحقيقة الكيان الصهيونى وبقيود اتفاقيات كامب ديفيد وتنازلاتها ومخاطرها، لتعيد الاعتبار للخطاب الوطنى الاصلى لمصر العربية ولثوابتها الوطنية، وتشكلت مئات اللجان والجمعيات المناصرة لفلسطين، وعقدت آلاف الفاعليات والمؤتمرات والندوات لنصرة القضية، اشهرها مليونية فلسطين التى تم تنظيمها فى ميدان التحرير فى منتصف شهر مايو من عام 2011. بينما اليوم عجزت كافة القوى الوطنية وأحزاب المعارضة عن حجز قاعة فى اى نقابة أو جهة عامة  لتنظيم ولو ندوة واحدة يتيمة لرفض القرار الأمريكى بنقل السفارة الى القدس المحتلة.

فعن أى ربيع عبرى تتحدثون !؟
*****
القاهرة فى 7 مارس 2018

السبت، 3 مارس 2018

فرحة (اسرائيل) وغضب المصريين


كتبت هذا المقال عقب اعلان نتنياهو عن صفقة بيع الغاز الاسرائيلى لمصر، وأردت ان انشره فى جريدة ورقية لمخاطبة دوائر اوسع من الراى العام المصرى فى قضية أراها تمس الامن القومى للبلاد، فقمت بمراجعته واعدت صياغة بعض الفقرات وتخفيف بعض الكلمات والعبارات حتى يكون قابلا للنشر فى احد الصحف الورقية. ولكن رغم ذلك لم تجرؤ الجريدة على نشره خوفا من اغضاب السلطات ومخالفة تعليمات وتوجيهات اجهزتها الرقابية والمعايير والمواصفات التى وضعتها للآراء والتوجهات الصالحة للنشر. والتى أصبح من محظوراتها مناهضة اسرائيل وعلاقاتها الاستراتيجية الدافئة مع الادارة المصرية الحالية.

فرحة (اسرائيل) وغضب المصريين
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

على غرار اغنية شادية المشهورة " سيناء رجعت والله لينا .. ومصر اليوم فى عيد" صرح نتنياهو فى كلمة متلفزة ان اسرائيل اليوم فى عيد بسبب اتفاقية استيراد مصر للغاز الاسرائيلى بقيمة 15 مليار دولار على عشر سنوات، فقال ((أرحب بهذه الاتفاقية التاريخية التي تم الإعلان عنها للتو والتي تقضي بتصدير غاز طبيعي إسرائيلي إلى مصر. هذه الاتفاقية ستدخل المليارات إلى خزينة الدولة وستصرف هذه الأموال لاحقا على التعليم والخدمات الصحية والرفاهية لمصلحة المواطنين الإسرائيليين..و ستعزز أمننا واقتصادنا وعلاقاتنا الإقليمية لكن فوق كل شيء آخر، وتعزز المواطنين الإسرائيليين. هذا هو يوم عيد)).
***
لنتنياهو الف سبب وسبب يجعله يحتفى بهذه الاتفاقية، فهى تدعم الاقتصاد الاسرائيلى وتضخ مليارات الدولار فيه، وتنتصر للاكاذيب التى يحاول ترويجها ليل نهار على المستوى الدولى من ان قضية فلسطين لم تعد تشكل اهمية لدى الحكام العرب، وان عديد من الدول العربية الكبرى اصبحت تنظر لاسرائيل كحليف وليس كعدو، وان المخاوف الاوروبية والعالمية من قرار ضم اسرائيل للقدس وما يمكن ان يترتب عليه من مزيد من الصراعات والاضرابات فى المنطقة ليس لها محل من الاعراب، فها هى اكبر دولة عربية توقع معه اتفاقية بهذا الحجم بعد اسابيع قليلة من قرار ترامب وبالتزامن مع زيادة النشاط الاستيطانى فى القدس والضفة الغربية ومع تصريحاتهم المتتالية برفض الانسحاب من اى ارض محتلة. بالإضافة بالطبع الى ان الاتفاقية جاءت له على "الطبطاب" فى وقت تنهال عليه اتهامات داخلية رسمية بالفساد.
***
ولكن اذا كان نتنياهو و(اسرائيل) سعداء الى هذا الحد، فاننا فى مصر بالطبع لسنا كذلك، وحين اتكلم عن مصر فانا اقصد مصر الشعبية وليس مصر الرسمية. فمنذ زمن بعيد وهناك شرخ وطنى حاد فى مصر بين انصار كامب ديفيد والسلام مع (اسرائيل)، وبين مجمل الشعب المصرى وقواه الوطنية التى لا تزال تصر على ان الارض الواقعة على حدود مصر الشرقية هى فلسطين وليست (اسرائيل) التى يعتبرونها كيانا استعماريا استيطانيا عنصريا باطلا، يستهدف مصر والامة العربية بقدر ما يستهدف فلسطين، وان اتفاقية السلام معه لم تكن سوى سلخ لمصر من الصراع العربى المصيرى فى مواجهة المشروع الامريكى الصهيونى، وان نتائجها كانت كارثية على القضية وعلى المنطقة وعلى مصر ذاتها، حيث ادت الى ان تتحول (اسرائيل) بعد انسحاب مصر من المعركة الى القوة الاقليمية الأولى وتبتلع مزيد من الاراض الفلسطينية وتعربد كما تشاء فى المنطقة.
ولكن لا تقتصر أسباب الرفض الشعبى المصرى لصفقة الغاز الاخيرة، على هذه المبادئ والثوابت الوطنية بل لأسباب اضافية عديدة نفصلها فيما يلى:
·       فهو يرفض التوجهات العامة فى السنوات الاخيرة نحو بناء علاقات خاصة دافئة غير مسبوقة مع اسرائيل، يتم توصيفها دوليا واقليميا على انها تخطت مرحلة التنسيق الامنى المنصوص عليه فى المعاهدة الى بناء تحالفات ثنائية واقليمية تهدد الأمن القومى لمصر وللامة العربية.
·       كما يرفض هوجة التطبيع العربى الاسرائيلى الجارية اليوم، من اجل تصفية القضية الفلسطينية ودمج (اسرائيل) فى المنطقة لمواجهة ما يسميه ترامب بالمخاطر المشتركة وعلى رأسها الخطر الايرانى.
·       وهو يشعر بان هناك ردة هائلة على الخط الذى تبنته ثورة يناير، حين قدمت حسنى مبارك الى المحاكمة بتهمة تصدير الغاز لاسرائيل.
·       وهو لا يقتنع بالادعاءات الرسمية التى تقول ان القطاع الخاص هو صاحب الصفقة الاخيرة وانه ليس للدولة علاقة بها، لانه يدرك جيدا من تجربة "حسين سالم" وآخرين ان الدولة هى الفاعل الرئيسى على الدوام وأن ما عدا ذلك من شركات خاصة أو رجال اعمال مصريين ما هم الا واجهات لها لتجنب غضب الرأى العام. وأن لا أحد فى مصر يملك ان يقدم على مثل هذه الصفقات الا بتوجيه من الدولة او بمباركتها على اضعف الايمان. وهو ما جعل كثير من المراقبين يربطون بين اصدار الدولة لقانون جديد للغاز يفتح آفاقا واسعة للقطاع الخاص فى الأسواق المحلية والدولية، وبين الصفقة الأخيرة، وكأنها كانت بمثابة تمهيد لها.
·       كما ان هناك شعورا جارفا بان ما قامت به الدولة من اغلاق المجال السياسى وتاميم الاعلام والهيمنة على البرلمان، ليس له علاقة بحديث الارهاب وحماية الدولة، بقدر ما له علاقة بتمرير اتفاقيات وصفقات مرفوضة شعبيا ووطنيا، مثل تيران وصنافير واستيراد الغاز من (اسرائيل) والرضوخ لتعليمات صندوق النقد الدولى فى تعويم الجنيه والغاء الدعم ورفع الاسعار وفرض مزيد من الضرائب.
·       كما ان هناك استفزازا عاما من عمق الثقة والطمأنينة التى تمتلكها (اسرائيل) لكى توقع على صفقة من هذا النوع لمدة عشر سنوات، وكأنها تضمن استمرار السياسات والتوجهات الحالية الدافئة بينها وبين مصر لعقد قادم، رغم أن صفقتها السابقة مع حسين سالم، لم تصمد طويلا امام الغضب الشعبى المصرى الذى تفجر فى ثورة يناير.
·       كما ان هناك غضبا مشروعا من تكبيل مصر بمزيد من الاتفاقيات والقيود مع (اسرائيل) التى قد تورطها فى دفع مزيد من التعويضات فيما لو تم تفجير خطوط الغاز كما حدث من قبل ابان ثورة يناير، وما ترتب على ذلك من الحكم على مصر بغرامات لجهات أجنبية منها رجال اعمال اسرائيليين، آخرها بمبلغ 1.03 مليار دولار.
·       كما هناك رفضا قطعيا للخطاب الرسمى فيما يذهب اليه من تحليل الصفقة من منظور المكاسب المالية والاقتصادية الضيقة، مع عدو يوظف كل دولار فى خزانته لقتل مواطنا فلسطينيا و بناء مستوطنة جديدة و احتلال مزيد من الارض، أو لقصف اهدافا سورية و لبنانية وتونسية و سودانية وعراقية..الخ، أو لبناء ترسانة من أسلحة الردع يثبت بها تفوقه العسكرى على مصر والدول العربية مجتمعة. فقضايا الأمن القومى لا تناقش بمنطق حسابات "البيزنس".
·       كما ان هناك غضبا مكتوما على هذه الفئة من المصريين التى دأبت على تحدى الاجماع الشعبى والثوابت الوطنية وضوابط الأمن القومى والمصالح العليا، من أجل مصالحها وأرباحها الخاصة، واقصد بها فئة رجال الاعمال الذين عقدوا صفقات الغاز والبترول والكويز والشتلات الزراعية والانشطة السياحية ..الخ مع (اسرائيل). ليذكرونا بتجار "الأورنس" المتربحون من مخلفات الجيش البريطانى زمن الاحتلال.
·       وبالطبع قبل كل هذا وبعده فان هناك حالة من الذهول والغموض والريبة والشك حول كل ما تم الترويج له منذ أيام قليلة حول حقل "ظهر" للغاز الذى قيل أنه سيحقق لنا الاكتفاء الذاتى ويغنينا عن استيراد الغاز الى أبد الآبدين، ليصدَم الناس فجأة بأننا عدنا الى استيراد الغاز! وبكل هذه المبالغ الطائلة! ومن اسرائيل عدونا اللدود! والتى كنا لبضعة سنوات قليلة نصدر لها الغاز بثمن بخس.

فماذا نحن فاعلون؟