التواصل بالبريد الالكترونى

بحث فى المدونة

الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

جائزة الكونجرس الذهبية للنظام المصرى



جائزة الكونجرس الذهبية للنظام المصرى
محمد سيف الدولة

ان الجائزة الذهبية التى منحها الكونجرس الأمريكي منذ أيام قليلة للسادات، لم تكن له وحده بطبيعة الحال، بل هى لكل النظام الحاكم فى مصر بكل مؤسساته؛ هى لنظام كامب ديفيد الذى تأسس فى 18/1/1974 مع مفاوضات فض الاشتباك الاول، ولا يزال يحكمنا حتى اليوم بدون منافس او منازع.
***
انه نظام السادات، ومبارك، والسيسي بامتياز، بل ان توقيت التكريم ومنح الجائزة هذه الايام، يفيد بانها موجهة أصلا الى عبد الفتاح السيسى الذى اثبت انه تلميذ نجيب لأنور السادات، بل انه قد تفوق عليه بمراحل، حيث لم يحدث من قبل أن بلغت العلاقات المصرية الاسرائيلية هذه الدرجة من التقارب والتنسيق التى لا تتم الا بين الحلفاء.
ذكر البيان الذى اصدره الكونجرس فى هذا الشأن أن هذا التكريم يمنح الرئيس المصري الراحل ميدالية الكونغرس الذهبية "اعترافا بإنجازاته التاريخية ومساهماته الشجاعة لإحلال السلام بالشرق الأوسط".
والسلام كما نعلم جميعا فى القاموسين الامريكى والاسرائيلى معناه امن (اسرائيل). اى انها فى الحقيقة جائزة امريكية توهب لاى حاكم أو نظام مصرى أو عربى يقدم خدمات جليلة واستراتيجية لاسرائيل وامنها.
وهذا بالتحديد ما فعله السادات ويفعله منذئذ نظام كامب ديفيد فى مصر بكل رؤسائه ومؤسساته. فلقد ترتب على المعاهدة، عدة نتائج ضربت الامن القومى المصرى والعربى فى الصميم ودعمت امن اسرائيل لعقود طويلة قادمة، نعرض اهمها فيما يلى:
1)   اولا انحازت المعاهدة الى الامن القومى الاسرائيلى على حساب الامن القومى المصرى، وابقت سيناء رهينة دائمة بإمكان (اسرائيل) ان تعيد احتلالها وقتما تشاء خلال ايام. اذ تم تجريد ثلثى سيناء من القوات والسلاح، فأقرب دبابة اسرائيلية تبعد عن الحدود المصرية 3 كيلومتر، فى حين ان أقرب دبابة مصرية تبعد عن نفس النقطة 150 كيلومتر، الا إذا أذنت (اسرائيل) بنشر قوات مصرية اضافية كما يحدث اليوم لمواجهة الجماعات الارهابية. وهو ما يمثل تهديدا مستمرا وضغطا هائلا على الارادة المصرية، يجعل أى نظام حاكم يفكر ألف مرة قبل ان يقدم على اى سياسة او خطوة تغضب منه الولايات المتحدة أو اسرائيل.
2)   ناهيك عن سقوط مصر فى مستنقع التبعية الكاملة للولايات المتحدة منذ ذلك الحين، وهو سبب اضافى بطبيعة الحال لتكريم الكونجرس الامريكى للسادات وخلفائه ونظامه.
3)   وأدى سلام السادات وانسحاب مصر من الصراع فى مواجهة العدو، الى تجريد الدول العربية الاخرى من القدرة على مواجهة (اسرائيل) عسكريا، اذ لا حرب ممكنة بدون مصر، وفقا للحقيقة الثابتة والمستقرة تاريخيا منذ الحروب الصليبية.
4)   كما انه وجه ضربة قاصمة الى فلسطين وقضيتها، بعد ان قامت أكبر واقوى دولة عربية بالاعتراف بشرعية الاغتصاب الصهيونى لـ 78 َ% من ارض فلسطين التاريخية التى يطلقون عليها اليوم اسم (اسرائيل).
5)   وتمكنت (اسرائيل) من الانفراد بالفلسطينيين بعد المعاهدة، فقامت باجتياح بيروت عام 1982 وحصار المقاومة ونفى قواتها الى تونس ومناطق اخرى، وتسوية القيادة هناك على نار هادئة الى ان تمكنت من اخضاع ارادتها فى اوسلو 1993 وارغامها على الاعتراف بشرعية الكيان الصهيونى والتنازل له عن فلسطين 1948، ومنذئذ و(اسرائيل) ترفض الانسحاب من اى اراضى محتلة، بل وتحتل المزيد منها كل يوم، الى ان وصلت اليوم الى الاستيلاء على 60% من مساحة الضفة الغربية اليوم، واعلنت القدس الموحدة عاصمة لها باعتراف وتشجيع ومباركة امريكية.
6)   ولقد أدى كل ذلك الى تحويل (اسرائيل) الى القوة الاقليمية العظمى فى المنطقة، مقابل تراجع وتدهور الدور المصرى الى ادنى مستوي له فى العصر الحديث.
7)   كما انه ضرب وفكك القضية المركزية الوحيدة التى كانت تجمع الدول العربية وتوحدهم، رغم اختلافاتهم وصراعاتهم الكبرى، ليتحول بعدها الصراع فى المنطقة من صراع عربى/صهيونى الى عشرات الصراعات العربية/العربية.  
8)   كما انه حين كسرت مصر المقاطعة الدولية لاسرائيل، فان عشرات من دول العالم قامت بالاعتراف باسرائيل واقامة علاقات دبلوماسية معها، مما اعاد ضخ دماء جديدة فى جسد الاقتصاد الاسرائيلى وخفف العبء عن كاهل الولايات المتحدة والرعاة الغربيين.
9)   كما شجع اعتراف مصر (باسرائيل)، كل القوى الطائفية فى المنطقة، على محاولة تكرار نموذج الدولة اليهودية، فضربت الفتن الطائفية والمذهبية والحروب الاهلية عديد من الاقطار العربية، وبرزت الدعوات الى الانفصال والتقسيم، فى محاولات للاحتذاء بنموذج الدولة "اليهودية" والعمل على انشاء دويلات أو امارات سنية وشيعية وكردية ومارونية ..الخ
10)         وعاشت مصر منذ ذلك الحين اخطر انشقاق وطنى تشهده منذ الاحتلال البريطانى لها عام 1882، حين استدعى الخديوى توفيق حاكم مصر قوى الاحتلال واستنجد بها وطلب حمايتها، فاذا بعد ما يقرب من قرن من الزمان، تأتى اتفاقيات كامب ديفيد لتوجه هى الأخرى اكبر ضربة الى الوحدة الوطنية وتقسم مصر الى معسكرين؛ فى الاول يقف غالبية الشعب وقواه الوطنية ترفض التبعية الامريكية والصلح مع (اسرائيل) والاعتراف بها والتطبيع معها، وفى الثانى يقف نظام كامب ديفيد، مجردا من اى شرعية وطنية ولكنه مسلح بكل ادوات القمع الممكنة.
11)         هذا بالإضافة الى ما حدث من اغتيال للروح الوطنية للمصريين، بعد ان تحول العدو فى لحظة الى صديق، وبعد أن اعلنت السلطة الحاكمة انه لا قبل لها بمواصلة قتال (اسرائيل) حتى النهاية، فدفعت غالبية المصريين الى الكفر بالسياسة وبالوطنية وبالانتماء الوطنى، وانصرفوا الى البحث عن ملاذات وانتماءات بديلة عن هذا الوطن المستسلم لألد أعداء الأمة، فانتشرت الدعوات والحركات الطائفية والمذهبية والنزعات القبلية والفردية.
12)         وما صاحب كل ذلك من تغييب وتضليل وتزييف لوعى الاجيال الجديدة، وحصار للقوى الوطنية المصرية المعادية لإسرائيل والداعمة لفلسطين، واضعافها ومطاردتها سياسيا وامنيا.
***
هنيئا لكم جائزة الكونجرس ورضا الامريكان وصداقة (اسرائيل) ودعم واعتراف كل الشرعيات الدولية، ولا عزاء لمصر العربية وفلسطين وكل الامة الا بعد استرداد مصر، واستعادة الاستقلال، والتحرر من عار وقيود كامب ديفيد باذن الله.
*****
القاهرة فى 28 اغسطس 2018

الأحد، 26 أغسطس 2018

التراخيص السياسية في مصر



التراخيص السياسية في مصر
محمد سيف الدولة

ليس صحيحا ان حق العمل السياسي والمشاركة السياسية مكفولان لكل المصريين بموجب الدستور والقانون، فيجب أولا ان يكون مسموحا لك بذلك من قبل من يحكمون البلاد، وألا يكون اسمك على "القوائم السوداء". وأن تحترم وتتواءم مع الخطوط الحمراء التى يضعها رئيس الدولة واجهزته الامنية وكل مؤسساته، فلا تخالفها او تختلف معها، حتى لو كان الاختلاف معها حق يكفله لك الدستور والقانون.
***
ولكل عصر ولكل رئيس شروطه وخطوطه الحمراء التى قد لا تتطابق مع اسلافه او خلفائه، بل ان هذه الخطوط ذاتها قد تتغير أكثر من مرة فى ظل حكم الرئيس الواحد:
·       ففى عصر عبد الناصر على سبيل المثال تغيرت الخطوط الحمراء للنظام عدة مرات تجاه عدد من الملفات والقضايا والقوى السياسية: فما كان مشروعا من الممارسة السياسية والحزبية 1952ـ 1953 أصبح محظورا بعد الغاء الاحزاب، كما تغيرت التوجهات الاقتصادية وخطوطها الحمراء مع التأميم عام 1961عما كانت عليه قبل ذلك من تشجيع القطاع الخاص ومحاولات اقناعه بالمشاركة في الخطة الاقتصادية الاولى. كما تغير موقف السلطة من الشيوعيين المصريين من حظر واعتقال وادانة قبل 1964، الى السماح لهم بالمشاركة فى الحياة السياسية والانضمام الى الاتحاد الاشتراكى العربى، وتغير موقف القيادة السياسية من الشللية ومراكز القوى داخل الجيش بعد عام 1967 وهكذا.
***
·       اما السادات فلقد تغيرت موازينه وخطوطه الحمراء 180 درجة بعد حرب 1973 فتحول من عدو للأمريكان الى حليف وتابع لهم، ومن العدو الاول لإسرائيل الى العربى الوحيد المعترف بها والمتصالح معها، وتغيرت طبيعة النظام الاقتصادي وقواعده ومحرماته وانحيازاته الطبقية بصدور قانون الانفتاح الاقتصادي عام 1974، كما تغيرت عام 1977ـ 1978 قواعد الممارسة السياسية من نظام التنظيم الواحد الى التعدد الحزبي الشكلي والمقيد وهكذا.
***
·       اما مبارك فلقد سار على نهج السادات لا يحيد عنه فى علاقاته بالأمريكان وبإسرائيل وبنادي باريس ومؤسسات الاقراض الدولى وفى انحيازاته الطبقية الرأسمالية، الا انه حدث تغيران كبيران فى عصره الممتد 30 عاما، الاول كان بعد الغزو الامريكى للعراق عام 2003 حين قرر توسيع الهامش الديمقراطى للمعارضة تحت الضغوط الامريكية التي كانت تدعى زورا وبهتانا انها أتت للمنطقة لنشر الديمقراطية وإنقاذ الشعوب من مستبديها، وهو الهامش الذى سمح بظهور حركات مثل كفاية والجمعية الوطنية للتغيير وحملة توكيلات البرادعى وانتفاضة القضاة وتأسيس حركة 6 ابريل...الخ، والتى كان لها دورا كبيرا فى التمهيد لثورة يناير، وحين اراد مبارك ان يلملم الأمور ويعيدها الى ما كانت عليه ويلغى هذا الهامش الديمقراطى ويزور الانتخابات البرلمانية تزويرا كاملا عام 2010، انفجرت البلاد فى وجهه متأثرة بما حدث فى تونس.
اما التغير الثاني فى عصر مبارك فكان محاولته الانقلاب على "مراكز القوى" الحاكمة والمتحكمة منذ عقود طويلة والمتمثلة في الجيش وباقي مؤسسات الدولة العميقة واستبدالهما بشلة جمال مبارك واحمد عز وشبكات المصالح المحيطة بهما، فكانت نتيجة ذلك التعجيل بسقوط عرشه.
***
·       أما خلال ثورة يناير، عليها رحمة الله، فلم تكن هناك تقريبا خطوط حمراء، فكانت الحقوق والحريات بكل اشكالها وانواعها بلا أسقف أو قيود؛ حق التظاهر مكفول للجميع بدون تصاريح او حتى اخطارات، حرية تامة فى تكوين الاحزاب والجمعيات والنشر واصدار الصحف، حق الترشح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية مفتوح للجميع، نزاهة انتخابية لم ترَ لها مصر مثيلا من قبل او من بعد. المنابر الاعلامية من صحف وفضائيات متاحة لكل الآراء بدون تمييز .. وغيرها الكثير.
***
·       اما اليوم فان الشروط والخطوط الحمراء واضحة للجميع بدءاً بمن يريد ان يحصل على أى تأشيرات أو موافقات امنية بالمشاركة فى الحياة البرلمانية أو السياسية او الاعلامية، ومرورا بمن لا يطمح الا فى كتابة مقال صحفى فى اى جريدة مقروءة، الى آخر من يريد أن يتجنب وضع اسمه فى القوائم السوداء وما قد يترتب علي ذلك من عواقب وعقوبات، تبدأ بالحظر والحصار وتنتهي بالسجن. أما اهم هذه الشروط والخطوط الحمراء فهى:
·       تمجيد عبد الفتاح السيسى ومؤسسات الدولة بمناسبة وبدون مناسبة.
·       والامتناع تماما عن توجيه اى انتقادات إليهم او الى سياساتهم ومواقفهم؛ مثل التقارب الحالى بين مصر و(اسرائيل)، والانخراط فى تحالفات اقليمية تحت قيادة الامريكان وآل سعود، وما يسمى بسياسات الاصلاح الاقتصادى التى ادت الى افقار المزيد من ملايين المصريين، واغراق مصر فى الديون الخارجية والمحلية، والتنازل عن تيران وصنافير للسعودية، وتبديد اموال طائلة على مشروعات مشكوك فى جدواها الاقتصادية مثل تفريعة قناة السويس وبناء العاصمة الجديدة...الخ.
·       ادانة ثورة يناير واتهامها بالمؤامرة وبالكارثة، ونفى أى صفة ثورية أو ايجابية عنها.
·       مع تمجيد 30 يونيو و3 يوليو وعدم توجيه اى انتقادات لها أو لما آلت اليه مع اعتبارها الثورة الوحيدة.
·       تشويه وشيطنة كل من شارك فى ثورة يناير لا فرق فى ذلك بين إسلامي ومدني.
·       مع تخوين الاخوان واتهامهم جميعا بالإرهاب والمطالبة باجتثاث كل التيار الإسلامي من الحياة السياسية.
·       وكذلك تخوين أى معارضة أو معارضين مدنيين والمطالبة باجتثاثهم هم أيضا من الحياة السياسية.
·       تحريم وتجريم وحظر اى تواصل بين التيارين المدنى والاسلامى.
·       الامتناع التام عن توجيه اى نقد لسياسات الاستبداد والقبضة البوليسية مهما ارتكبت من تجاوزات، مع الاشادة بحالة الحريات وحقوق الانسان في مصر بما فى ذلك المعاملة داخل السجون!
·       حظر اى انتقادات لانتخابات المرشح الرئاسى الواحد والوحيد، والاشادة بنزاهة الانتخابات، وتشويه اى مرشحين مستقلين.
·       مع حظر اى انتخابات حقيقية على اى مستوى، فكله بالترتيب والتعيين.
·       بالإضافة الى قوائم طويلة من الممنوعات والمحظورات مثل حظر التظاهر، وحظر المؤتمرات الجماهيرية، وحظر المواقع الالكترونية وحظر الصحافة الحرة وحظر الكتاب المعارضين، وحظر أى رأى آخر فى كل القنوات الفضائية المصرية، وحظر الانشطة النقابية والطلابية المعارضة او المستقلة، وحظر اى فاعليات او انشطة سياسية أو ثقافية أو حتى رمضانية يمكن ان تؤدى الى اجتماع الناس وتواصلها وتنظيم صفوفها وتنسيق مواقفها.
·       الامتناع عن المشاركة في أي قناة فضائية خارجية تعارض السيسي.
·       تفريغ حق التقاضي امام مجلس الدولة من دوره ووظيفته، بإهدار احكامه التي تصدر ضد قرارات الدولة.
·       مع تحصين صفقات الخصخصة وبيع القطاع العام ضد الطعن عليها قضائيا.
·       الاشادة بعدالة القضاء وبالمحاكمات العسكرية، وحظر المطالبة بالافراج عن أى معتقلين، والصمت التام عن أحكام الاعدام بالجملة والسجن المؤبد والمشدد والحبس الاحتياطي بدون أسقف زمنية بالمخالفة لنص القانون.
·       العمل تحت اشراف وتوجيه أحد الاجهزة الامنية.
·       وبشكل عام محظور حظرا تاما، أن يكون هناك شخص او حزب او حركة أو تيار معارض، قادر على الوصول الى قطاعات واسعة من الناس والتفاعل معها والتأثير فيها، حددها قانون جرائم الانترنت الصادر مؤخرا بـ 5000 فردا.
*****


الأربعاء، 15 أغسطس 2018

ترامب و روسيا .. والسيسى و (اسرائيل)


ترامب و روسيا .. والسيسى و (اسرائيل)
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

لم يعلق أحد فى مصر كالمعتاد، على ما أذاعته القناة العاشرة الاسرائيلية منذ ايام وأكده وزير المالية الصهيونى "موشيه كحلون" من قيام نتنياهو بزيارة سرية الى مصر للاجتماع مع عبد الفتاح السيسى يوم الثلاثاء 22 مايو 2018. مثلما لم يعلقوا من قبل على طبيعة العلاقات المصرية الاسرائيلية الحالية التى توطدت وتعمقت الى درجة غير مسبوقة.
بينما فى امريكا فان حالة من القلق والاستنفار الشديدين قد ضربت المؤسسات والرأى العام، فأخذت تبحث وتحقق وتدقق وتتساءل عن طبيعة العلاقات بين الرئيس الامريكى دونالد ترامب وبين روسيا فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية وما بعدها. وربما لم يتعرض رئيس امريكى من قبل لكل هذه الشكوك والاتهامات والانتقادات التى تعرض لها ترامب، خاصة بعد مؤتمره الصحفى المشترك مع بوتين فى مدينة هيلسنكى التى وصلت الى حد اتهامه بالخيانة.
***
·       ان المقارنة واجبة ومنطقية، فالعلاقات الروسية الامريكية لا تختلف كثيرا عن العلاقات المصرية الاسرائيلية، فكلتاهما يحكمها تاريخ طويل من الحروب والعداء التاريخى والصراع الاستراتيجى والتناقض الجذرى فى المصالح العليا والامن القومى، لا فرق بينهما سوى ان الاولى بين قوى عظمى دوليا، والثانية بين أكبر قوتين عسكريتين فى الاقليم. (احداهما بالطبع لا تعدو أن تكون كيانا استعماريا عدوانيا باطلا.)
·       وكما لم يؤدِ انتهاء الحرب الباردة الى تغيير يذكر فى التناقض والصراع بين الروس الامريكان، فان اتفاقيات كامب ديفيد هى الاخرى لم تؤدِ الى تغيير فى حقيقة وطبيعة التناقض والعداء والصراع بين مصر العربية وبين الكيان الصهيونى المسمى بـ (اسرائيل)، بعيدا عن موقف النظام والحكام.
***
ليست هذه هى المرة الأولى التى يجتمعان فيها سرا، بعيدا عن أعين الرأى العام المصرى والعربى وبعيدا عن متابعة ومراقبة مؤسسات الدولة المعنية، بل هى المرة الثالثة على الأقل، وفقا لما تناقلته وكالات الانباء؛ كانت المرة الأولى فى مدينة العقبة فى 21 فبراير 2016 بمشاركة وزير الخارجية الامريكى وملك الاردن وكانت المرة الثانية فى مصر فى ابريل 2016 بصحبة إسحاق هرتزوغ زعيم المعارضة الاسرائيلية وفريق من المستشارين والخبراء الامنيين الاسرائيليين.
ولم يحدث ان قامت اى مؤسسة رسمية فى مصر بنفى او تكذيب انباء هذه اللقاءات بدءا برئاسة الجمهورية ومرورا بوزارة الخارجية وانتهاء بهيئة الاستعلامات، بل ان بيانا قد صدر بصيغة مراوغة لتأكيد لقاء العقبة.
***
ولقد قام نتنياهو بتدنيس التراب المصرى فى مايو الماضى، بعد اسبوع واحد فقط من المذبحة التى ارتكبتها قواته ضد المتظاهرين السلميين العزل من الفلسطينيين على حدود القطاع مع ارض فلسطين 1948، يوم الاثنين 14 مايو 2018 وارتقى فيها 63 شهيدا.
وبعد اسبوعين من الاحتفال بالذكرى السبعين لاغتصاب فلسطين الذي اقامته السفارة (الاسرائيلية) فى القاهرة فى فندق "ريتز كارلتون" على ضفاف النيل يوم الثلاثاء 8 مايو 2018، فى حماية قوات الامن المصرية، ورغما عن انف جموع الشعب المصرى.
وبعد ستة ايام فقط من خطاب السيسى فى مؤتمر الشباب الذى قال فيه صراحة ان مصر اليوم اضعف وأصغر من ان تستطيع ان تفعل شيئا للفلسطينيين.
ولكن من الواضح ان هذه القاعدة لا تنطبق على الاسرائيليين، الذين يرحب السيسى على الدوام بمد يد المساعدة إليهم فى اى وقت، وهو ما تم على الاغلب ووفقا لوكالات الانباء فى لقائهما السرى الأخير، حيث بحثا مشروع التهدئة مع غزة، وهو المشروع الذى لم يخرج للراى العام سوى فى الاسابيع القليلة الماضية.
وهو ايضا المشروع الذى هناك شكوك كبيرة حول اقترانه بصفقة القرن بكل ترتيباتها الأخرى وعلى راسها الاعتراف الامريكى بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل.
***
·       نحن نعلم حجم التقدير والمودة الخاصة القائمة بين عبد الفتاح السيسى ونتنياهو، التى لا يترك الرئيس المصرى فرصة الا ويؤكدها ويتفاخر بها على الملأ، مثلما فعل فى لقائه بوفد القيادات اليهودية الامريكية بالقاهرة فى 11 فبراير 2016 حين وصف نتنياهو بالنص ووفقا لما تداولته وكلات الانباء بأنه "زعيم وقائد لديه قوى جبارة، تساعده ليس فقط في إدارة دولته، وإنما يمكنها أن تحقق التقدم وتعزز المنطقة كلها والعالم". وكذلك حين اشاد به صراحة فى كلمته امام الجمعية العامة للامم المتحد فى سبتمبر 2017 فدعى ما أسماه "بالشعب" الاسرائيلى الى ان يتوحد خلف قيادته، وكأن نتنياهو رجل سلام يرغب فيه ويحاول الوصول اليه لولا المعارضة الشعبية الاسرائيلية.
·       مثلما نعلم ونؤمن ان العلاقات المصرية الاسرائيلية العلنية من سلام واتفاقيات وسفارات وتنسيقات وتطبيع وتجارة وصفقات...الخ، تكفى وحدها لتجريد اى نظام او حاكم مصرى من الشرعية الوطنية.

·       ولكن ان يكون اللقاء سرياً، أياً كان جدول أعماله، فان هذا مصدر شك وريبة وقرينة قوية على سوء النوايا.
·       فمثل هذه العلاقات والاتصالات والمفاوضات السرية التى لم تتوقف لحظة بين العرب واسرائيل منذ بدايات المشروع الصهيونى على امتداد قرن من الزمان، لم تحمل لنا سوى كافة انواع الأضرار والشرور والتآمر على شعوبنا وأوطاننا واستقلالنا، والتى كانت تنتهى دوما بمزيد من التفريط والهزائم والتنازلات.
·       كما ان الاتصالات والعلاقات السرية بين مصر واسرائيل جارية على قدم وساق منذ نهاية حرب 1973، ولا تزال تفاصيل كثيرة من اتفاقيات كامب ديفيد غائبة ومحجوبة عن غالبية الراى العام المصرى رغم مرور ما يقرب من 40 عاما.
·       والصندوق الاسود لهذه العلاقات لا يزال مغلقا بالضبة والمفتاح، وحين تتسرب منه اى معلومة، فانه يكون وراءها كارثة جديدة مثل القيود الامنية المفروضة على قواتنا فى سيناء، وحق (الاسرائيليين) فى دخول سيناء والبقاء فيها 14 يوما بدون تأشيرة وفقا لاتفاقية طابا، واتفاقية فيلادلفيا 2005، وصفقة تصدير الغاز لاسرائيل، واتفاقيات الكويز، واتفاقيات تيران وصنافير .. الخ، ولكن كل هذا لا يمثل سوى قمة جبل الاسرار الذى لا نراه ويحظر علينا الاقتراب منه، ومن ذلك ملفات التنسيق الامنى والاستخبارى فى سيناء، وملف حصار غزة واستهداف نزع سلاحها وإخلاء المنطقة الحدودية لإقامة المنطقة العازلة... الخ، وربما يكون أخطرها ما يتردد اليوم عن تأسيس ناتو عربى/اسرائيلى لمواجهة ايران، واخيرا وليس آخرا ما يسمى بصفقة القرن التى لا تعدو ان تكون خطة لتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية. 
***
لقد دأبت القوى الوطنية فى مصر والوطن العربى، عن حق، على ادانة الولايات المتحدة كقوة امبريالية استعمارية، تدعم (اسرائيل) وتعادينا وتعتدى علينا وتنهب ثرواتنا، ولكننا اليوم امام محك واختبار من نوع جديد، فقطاع كبير من الشعب الامريكى، أىً كانت دوافعه، يتشكك ويبحث ويراقب المعلن والمخفى من علاقات ترامب مع الروس، فهل نقتدى بهم وبكل الشعوب الحرة ونشارك فى حماية مصالحنا العليا وامننا القومى فنعلن، على أضعف الايمان، رفضنا لزيارات نتنياهو وللتقارب المصرى الاسرائيلى ولمشاركة مصر فى ترتيبات صفقة القرن، ام نلتزم الصمت كالمعتاد.
*****
القاهرة فى 15 اغسطس 2018

الاثنين، 13 أغسطس 2018

يا ضحايا امريكا .. اتحدوا




يا ضحايا امريكا .. اتحدوا
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

لا تستطيع مصر ان تختار رئيسا للجمهورية لا يوافق عليه الامريكان، ولا تستطيع ان تتخذ من القرارات ما يغضب (اسرائيل)، ولا تستطيع ان تتحرر من قيود كامب ديفيد المفروضة عليها فى سيناء، ولا ان تكسر الاحتكار الامريكى لغالبية التسليح المصرى، ولا ان ترفض المعونة الامريكية ولا ان تعترض على شروطها المهينة والمجحفة التى لا تنتهى، ولا تستطيع ان توقف التسهيلات اللوجستية للبوارج الامريكية فى قناة السويس حتى لو كانت فى طريقها لغزو العراق، ولا تستطيع ان تقيم علاقات ومصالح خاصة مع كوريا الشمالية، ولا تستطيع ان تخرج من الاحلاف الامريكية العسكرية فى المنطقة ولا ان تلتحق بأحلاف مستقلة او مناوئة للولايات المتحدة، ولا تستطيع ان تقول لا لنادى باريس وصندوق النقد والبنك الدوليين، ولا تستطيع ان تستقل اقتصاديا، ولا ان تحرر عملتها من الدولار.
 مائة شرط وشرط تلزمنا بهم امريكا منذ ان سقطنا فى مستنقع التبعية منذ ما يقرب من اربعين عاما.
***
·       ولا تستطيع إيران أو مصر أو اى بلد خارج النادى النووى الحالى ان تسعى الى امتلاك السلاح النووى، لتحقيق توازن الردع مع كيان استعمارى عدوانى نووى كالكيان الصهيونى.
·       ولا تستطيع تركيا او مصر أو أى دولة فى العالم ان تمارس سيادتها وتطبق قوانينها على المواطنين الامريكيين على ارضها، والا تعرضت لشتى انواع العقوبات.
·       ولا يستطيع الفلسطينيون منذ 70 عاما ان ينالوا ولو جزء ضئيلا من ارضهم وحقوقهم، او ان يُفَعِّلوا ولو قرارا دوليا واحدا صدر لصالحهم، او ان يتقوا شر (اسرائيل) ومذابحها وجرائها اليومية، بسبب الحماية الامريكية.
·       ولا قيمة دولية او قانونية او تفاوضية لإجماع كل دول العالم على ان القدس عاصمة لفلسطين، فيما لو قرر الرئيس الامريكى عكس ذلك.
·       ولا تستطيع دولة كلبنان ان تحافظ على توازنها الداخلى الحساس تجنبا للحرب الاهلية، الا وتتعرض لضغوط وتهديدات وعقوبات امريكية.
·       ولن تستطيع الشعوب العربية ان تتحرر أو تستقل أو تتقدم فى ظل كل هذا الوجود والهيمنة الامريكية فى المنطقة من أول التبعية الكاملة لغالبية الانظمة العربية والخضوع الكامل للعائلات الحاكمة فى دول ودويلات النفط، ومرورا بعشرات القواعد الامريكية فى الاراضى العربية. ناهيك عن السيطرة الرأسمالية العالمية على معظم الثروات والاسواق العربية.
·       ولا تستطيع غالبية دول المنطقة ان تعترض على عربدة الطائرات الأمريكية فى سماواتها، لتقتل وتقصف من تشاء، أو دعمها وتمويلها وتسليحها لكل انواع المرتزقة والمليشيات فى المنطقة.
·       ولا يستطيع اى شعب ان يطمح الى العدل والحرية والثورة ضد الفقر والظلم والفساد والاستبداد، الا ويعانى من التدخل والاختراق الامريكى لاجهاض ثورته او احتوائها او حرفها عن مسارها.
·       ولا يستطيع اى نظام فى امريكا اللاتينية ان يخرج من الحظيرة الامريكية، ويسعى لتحقيق استقلالا سياسيا واقتصاديا حقيقيا، الا ويتم وضعه على القوائم السوداء ويتعرض للحصار وتدبير القلاقل والاضطرابات والانقلابات.
·       ولا تستطيع حتى الدول الكبرى مثل الصين وروسيا، ادارة مصالحها العليا والدفاع عن امنها القومى والاقليمى والدولى، والتطلع الى المشاركة فى ادارة النظام العالمى، بدون ان تتعرض للعقوبات والتهديدات والضغوط الامريكية.
·       حتى أقرب حلفاء الولايات المتحدة فى اوروبا الغربية، لم يسلموا من التسلط والأذى الأمريكى، ولىِّ الأذرع عسكريا واقتصاديا وسياسيا، الى درجة انهم لا يستطيعون ان يقيموا علاقات خارجية طبيعية مع اى دولة يعاديها الامريكان.
·       ولا تستطيع دول اى منطقة اقليمية فى العالم، ان تتعايش فى سلام ووئام بمنأى عن التدخل والاستقطاب والاحلاف الامريكية.
·       ولا يوجد حزب او تيار او مؤسسة فى العالم تتصدى للاستعمار الأمريكى ونفوذه ومصالحه فى بلادها، الا وتجد نفسها على قوائم الارهاب الامريكية.
·       ولا توجد دولة او مؤسسة او شخصا فى العالم، بمنأى عن قرارات وقوانين وعقوبات الكونجرس الامريكى، وكأنه برلمان العالم كله.
·       ولا توجد حضارة او ثقافة او ديانة فى العالم، لم تتعرض لمحاولات الاختراق والهيمنة الثقافية من قبل اجهزة الاستخبارات الامريكية.
·       ولا يوجد مواطن واحد سَوىِ فى اى بلد من بلدان العالم، الا ويتجرع السم كل يوم وهو يشاهد السيد الامريكى يمارس جبروته وعنصريته على كل شعوب العالم وكأنهم عبيد لديه.
·       او يرى رؤسائه وملوكه وجيوشه وبرلماناته يقدمون فروض الولاء والطاعة للسيد الأمريكى، طامعين فى رضاه، ومتجنبين كل ما يمكن ان يغضبه منهم أو يقلبه عليهم.
·       ولا يوجد انسان حر او متدين فى مشارق الارض ومغاربها، أىً كان دينه، يمكن ان يخضع ويستسلم الى ما يحاول الامريكان ترويجه طول الوقت من انه لا حول ولا قوة الا بهم.
***
كل شعوب العالم، على اختلافاتها وصراعاتها وتنوعاتها الفكرية والحضارية ودرجات تقدمها وقوتها، تعانى بشكل أو بآخر من الجبروت الامريكى. ولكنها رغم ذلك، ويا للعجب، تخشى أن تتوحد فى مواجهته.
*****
 القاهرة فى 13 اغسطس 2018

الجمعة، 10 أغسطس 2018

الرهان على خوف الناس



الرهان على خوف الناس
محمد سيف الدولة

ما الذى يستطيع الانسان الطبيعى ان يتحمله اكثر من الثانى؟
1)   ان يعيش سالما فى منأى عن أذى السلطة ويدها الباطشة، مقابل ان يرضى بالذل والظلم والقهر ويعيش طول حياته جبانا خاضعا مستسلما لا يعارض، لا يتململ، لا يتأفف، لا ينطق؟
2)   أم أن يعيش حرا شجاعا يرفض الذل والظلم والقهر ويتحمل العواقب التى قد تكلفه حياته أو حريته أو أمنه ووظيفته واستقراره؟
***
تراهن الأنظمة المستبدة على الاختيار الاول، لأنها تتصور ان غالبية الناس تؤثر السلامة، تجنبا لبطش السلطة وأياديها الطايلة.
·       ولقد قالها صراحة شيخ القضاة المستشار "يحيى الرفاعى" عليه رحمة الله، حين قال ان الغالبية العظمى من القضاة ليسوا فدائيين، فرغم انهم يرفضون تزوير الانتخابات وتدخلات وهيمنة السلطة التنفيذية وينشدون استقلالهم واستقلال القضاء، الا انهم ليسوا فدائيين، بمعنى انهم ليسوا على استعداد لتحدى السلطة التنفيذية والتعرض لتنكيلها.
·       ما قاله الرفاعى، ينطبق من منظور الحاكم المستبد، على غالبية المواطنين، فهم ايضا ليسوا فدائيين، وقليل القليل منهم الذي لديه الرغبة او القدرة على تحدى السلطة، اى سلطة، واى متابع سيكتشف بسهولة ان نسبة الموظفين فى اى مؤسسة او شركة عامة أو خاصة الذين يخاطرون بتحدى رؤسائهم لا تتعدى ١ ٪ وربما اقل.
***
ولكن فى المقابل:
·       ما الذي يدفع كل هذا العدد من المفكرين والسياسيين والكتاب والشخصيات العامة والشباب وكل الذين يتمتعون بتاريخ مشرف وتعليم جيد وثقافة واسعة ووعى وذكاء لا بأس به بالإضافة الى حسن تقدير للامور، ان يستمروا فى نقد ومعارضة عبد الفتاح السيسى ونظامه ومؤسساته، رغم علمهم وتيقنهم من العواقب التى يمكن أن تطالهم بدءا بالحصار والتشهير والمنع من الكتابة نهاية بالإعتقال والسجن؟
·       ولماذا يرفض كبار الكتاب رفضا قاطعا اى تعديل او مونتاج او توجيه او رقابة على مقالاتهم، حتى لو كان الثمن، المنع من الكتابة والنشر وخسارة قنواتهم الوحيدة للتواصل مع قرائهم؟
·       ولماذا يكون هؤلاء الكتاب المحظورون محل احترام وتقدير عشرات المرات من أمثالهم الذين قرروا التواؤم مع السلطة والخضوع لخطوطها الحمراء؟
·       لماذا لا يهرب ويتراجع المتظاهرون امام الغاز المسيل للدموع وهراوات الامن المركزى؟
·       لماذا تؤدى التهديدات الامنية للمعارضين الى نتائج عكسية، فيزدادوا تحديا ومعارضة؟
·       لماذا تحتفى القوى السياسية على مر التاريخ بقياداتها وعناصرها التى صمدت ولم تكسرها اجراءات التحقيق والتعذيب وسنوات السجن والاعتقال الطويلة؟
·       لماذا تحرص كل شعوب العالم فى مناهجها التعليمية وفى اعمالها الأدبية على ابراز وتخليد وتمجيد قيم الشجاعة والاقدام والتضحية فى مواجهة كل انواع البغى والظلم والقهر والعدوان؟
·       ما الذي دفع كل هذا العدد من القضاة، رغم ما يتمتعون به من حصانة وامتيازات ومكانة خاصة، الى القيام بانتفاضتهم عام ٢٠٠٦؟
·       لماذا تعج مصر وغيرها من البلدان بهذا الكم الهائل من حركات المعارضة والتنظيمات العلانية او السرية على امتداد قرن من الزمان، رغم ان السلطات والقوانين واحكام القضاء لم تكف عن مطاردتهم والقبض عليهم والتمثيل بهم؟
·       لماذا يعلم غالبية المعتقلين ان احتمال الافراج عنهم فى القريب العاجل بعيد الاحتمال، وأنهم قد يموتون فى السجون ورغم ذلك يرفضون الخضوع والاستسلام؟
·       وهو ما ينطبق على كل المعتقلين السياسيين على مر العصور؛ ينطبق على الوفدين والشيوعيين والاخوان فى الخمسينات والستينات، وعلى الناصريين والشيوعيين فى السبعينات والثمانينات وعلى المعتقلين فى السنوات الأخيرة؟
·       لماذا لم يتوقف الشباب عن التظاهر بعد سقوط كل هذا العدد من الشهداء فى جمعة الغضب فى ٢٨ يناير2011؟
·       ولماذا حدث نفس الشئ مع الاسلاميين بعد رابعة واخواتها؟
·       لماذا لا يستسلم آلاف الاسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال؟
·       ولماذا يتسابق شبابهم على الاستشهاد كل يوم؟
***
انها النفس البشرية التى جبلها الله على العزة والكرامة..
 ولكن حتى لو ظهرت للوهلة الأولى، صحة رهانات الأنظمة المستبدة وفاعلية استثماراتها الأمنية والبوليسية فى خوف الناس، فان كل هذا مؤقت وغير مضمون العواقب؛ فحين تأتى الشرارة التى تولد الانفجار، مثل شرارة محمد بوعزيزي فى تونس او خالد سعيد فى مصر أو محمد الدرة فى فلسطين، أو هزة وطنية كبرى مثل نكسة 1967 أو افقار جماعى مثل رفع الأسعار فى 1977 أو انهيار اقتصادى مثلما حدث فى بلدان كثيرة مثل اندونسيا عام 1998، او انتفاضة عمالية مثل المحلة الكبرى فى ابريل 2008، او سقوط ضحية جديدة تحت التعذيب فى قسم شرطة فى احدى المناطق الشعبية، او فتنة طائفية مثل الزاوية الحمراء 1981، أو فجيعة قومية مثل غزو العراق فى 2003 أو مذبحة صهيونية جديدة مثل صابرا وشاتيلا 1982، أو عدوى عربية مثل تفجر ثورة شعبية فى قطر شقيق 2011، والأمثلة والدروس كثيرة ومتعددة ... حينها يتبخر الخوف فى ثوان معدودات، وتنطلق انفجارات نووية من الغضب والعنف والرغبة فى الثأر والانتقام بلا حدود، بعد أن يكون قد فات الأوان.
ولم يحدث من قبل فى تاريخ أى بلد من بلاد العالم، أن استمر الشعب خائفا مستسلما خاضعا الى ما شاء الله.
ومن ثم فعلى أى سلطة رشيدة، ان تحسبها بالعقل والمنطق، وان تقرأ التاريخ وتستوعبه جيدا، وأن تدرس طبيعة النفس البشرية وقدرتها على التحمل، وان تتعرف على شخصية شعبها وتحترمها وتتقى غضبها ولا تستهين بها، وأن تعلم ان هناك حدودا لكل شئ، حدودا لقوة الردع والبطش والاذلال، وحدودا للخوف وحدودا للصبر.
*****

القاهرة فى 10 أغسطس 2018