بحث فى المدونة

الثلاثاء، 4 فبراير 2014

المعونة العسكرية والهيمنة الأمريكية

المعونة العسكرية و الهيمنة الأمريكية
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

 ((فى اغسطس 2013 وافقت السلطات المصرية على مرور البارجة الأمريكية سان انطونيو من قناة السويس قبل مرور 24 ساعة من تقديمنا لطلب المرور بينما فى الظروف العادية تحتاج الموافقة الى 23 يوما، وهذا مثل واحد فقط من التسهيلات التى نحصل عليها جراء التعاون العسكرى مع مصر))
من شهادة دريك شوليت مساعد وزير الدفاع الأمريكى فى جلسة الكونجرس بتاريخ 29 اكتوبر 2013
***
 ((الجيش بالتأكيد لا يريد ان يلغى اتفاقية السلام، وبالتأكيد لن يحارب إسرائيل أبدا بعد الآن، هذا بالإضافة هو اننا لا نستطيع ان نحاربها لان كل أنظمة تسليحنا مصدرها الولايات المتحدة وهى لن تسمح لنا أبدا باستخدامها ضد إسرائيل، انه من باب الخيال ان نفكر ان الجيش المصري سيفعل ذلك))
نجيب ساويرس فى معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى ـ مايو 2012
***
 (( القادة العسكريين وليس السياسيين، هم أصحاب الفضل الحقيقى لاستمرار اتفاقية السلام حتى الآن))
منى مكرم عبيد فى مؤتمر مشروع الأمن الامريكى ASP ـ ديسمبر 2013
***
((مساعدتنا العسكرية لمصر ليست هدية، فهى تحقق لنا فوائد جمة، لا تقتصر فقط على الحفاظ على معاهدة السلام..
فبعد كامب ديفيد قدم الجيش المصري تعهدا بالتحول من نموذج التدريب والتجهيز الروسى للنموذج الامريكى
وكان ذلك قرار كبيرا لانه انتقال كبير فى المفاهيم و"العقيدة" والمعدات..
فى عملياتنا العسكرية فى المنطقة، لا نستطيع بدون مصر، ان نصل الى أهم المواقع الاستراتيجية ..

بدون قناة السويس وحقوق الطيران فوق مصر والتسهيلات بقاعدة غرب القاهرة وغيرها لا يمكننا تحريك أو دعم قوات الانتشار السريع و قوات الطوارىء ..
لقد وفرت مناورات النجم الساطع فى مصر لنا وللأوربيين مساحات واسعة للتدريب كان من الصعب الحصول فى مناطق أخرى..
لقد ظلت علاقة أمريكا بالجيش المصرى قوية جدا وذهبنا الى ساحات المعارك سويا وأعطونا كل ما نحتاجه لمواجهة حالات الطوارىء وكانوا بجانبنا اثناءها ))
الجنرال انطونى زينى القائد السابق للمنطقة المركز الامريكية ـ فى ندوة بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن ـ مايو 2013
***
((الجيش الاسرائيلى يعتبر الجيش المصري شريكا قويا، فهم ملتزمون تجاه اتفاقيات كامب ديفيد التى تمثل حجر الزاوية للاستقرار فى الشرق الأوسط،
والجيش المصري شريك قوى لأمريكا والاستثمار فيه له عوائد كثيرة :
فهو يزيد من نفوذ وتأثيرنا على القادة العسكريين
ويمثل عنصر تمكين للسياسة الخارجية الامريكية
ويعطينا مرورا تفضيليا فى السويس وتحليقا ديناميكيا، وتعاون استخباراتي، وتعاون فى مكافحة الارهاب
 ان الأسلحة والمعدات التى نقدمها للمصريين لن  تستخدم بأى صورة قد تعرض موظفى الولايات المتحدة العسكرية أو المدنية أو مصالح الولايات المتحدة، للخطر ))
من وقائع جلسة إعادة تنصيب رئيس الأركان الامريكى مارتان ديمبسى بمجلس الشيوخ الامريكى ـ لجنة القوات المسلحة ـ 18/7/201
*** 
((احتفى قادة البنتاجون خلال شهر أغسطس 2012 بوصول أول قيادة عسكرية تلقت تعليمها العالى بالولايات المتحدة American Trained Officers ممثلة فى الفريق "عبد الفتاح السيسى" والفريق "صدقى صبحي" خريجى كلية الحرب الأمريكية بولاية بنسلفانيا))
محمد المنشاوى ـ مراسل جريدة الشروق فى واشنطن ـ 25 اكتوبر 2013
***
سنتناول اليوم المعونة العسكرية الأمريكية كأحد أهم أعمدة التبعية المصرية للولايات المتحدة الامريكية. فلقد جاءت هذه المعونة كبديل عن المجهود الحربي الذى كان يدعمه القطاع العام المصري قبل أن يأمروا ببيعه وتصفيته بعد حرب 1973
وتبلغ هذه المعونة السنوية 1.3 مليار $ يعتمدها الكونجرس فى ميزانيته فى مارس من كل عام، مقابل 2.4  مليار $ لإسرائيل أصبحت الآن 3 مليار $
وبهذه الطريقة تمكنوا من :
·       الإحاطة الدائمة والتفصيلية بقدراتنا العسكرية،
·       والسيطرة عليها والتحكم فيها لضمان التفوق العسكري الدائم لإسرائيل،
·       وهو ما يتم من خلال التحكم فى نوعية السلاح وحداثته وكميته،
·       بالإضافة الى قطع الغيار والخبراء،
·       وحظر إعادة تصديره الا بموافقة امريكية،
·       وفرض قيود على استخدامه فيما يتعارض مع المصالح الامريكية، أو فى مواجهة حلفاءها،
·       وما يرتبط بذلك من إمكانيات التحكم الاكترونى عن بعد فى هذه الاسلحة بالتعطيل أو بالتوجيه او بعدد مرات الاستخدام !
·       أضف الى كل ذلك تأسيس شبكة من المصالح والعلاقات "الطيبة" مع القيادات العسكرية المصرية، من خلال دورات التدريب العسكرية السنوية للضباط المصريين فى المعاهد والكليات العسكرية الامريكية.
***
ومنذ بدأت هذه المعونة العسكرية فى السبعينات، وأصبح احد المقررات أو التقاليد السنوية للكونجرس الامريكى هو التلويح والتهديد بقطعها أو تجميدها أو تخفيضها أو تغيير طبيعتها ما لم تلتزم الإدارة المصرية بقائمة من الطلبات والشروط تتغير حسب الأحوال والظروف من عام الى آخر، ولكن يجب أن يأتى على رأسها دائما شرط ثابت أساسي وهو الالتزام بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وبأمن إسرائيل، وبأمن الحدود المصرية الإسرائيلية.
***
ورغم ما تروج له الولايات المتحدة دائما من أن معونتها العسكرية لمصر هى تفضلا منها علينا، إلا أن العكس هو الصحيح على طول الخط ، فالمستفيد الرئيسى وربما الوحيد من هذه المعونة، بعد اسرائيل، هى الولايات المتحدة وفيما يلى بعض الأمثلة التى وردت فى تقارير رسمية أمريكية صدرت عامى 2006 و2007 :
·       أنفقت مصر بين عامي 1999 و2005 مبلغ 3.8 مليار دولار لشراء معدات عسكرية ثقيلة من الشركات الأمريكية وبما يوازى 80 % من إجمالي المشتريات العسكرية المصرية، وأن 52 % من مجموع المعدات العسكرية المصرية وفقا لاحصاء 2005 هي معدات أمريكية، وأن المساعدات العسكرية الأمريكية تم استخدامها في استبدال المعدات التي كانت مصر قد حصلت عليها من الاتحاد السوفيتي السابق بمعدات عسكرية أمريكية عصرية .
·       قدمت مصر خدمات لوجستية ومباشرة للقوات الأمريكية في العراق وأفغانستان ..
·       مثل السماح بعبور 36553 طائرة عسكرية أمريكية للأجواء المصرية خلال الفترة من 2001إلى 2005
·       منحت مصر تصريحات على وجه السرعة لعدد 861 بارجة حربية أمريكية لعبور قناة السويس خلال نفس الفترة، ووفرت الحماية الأمنية اللازمة لعبور تلك البوارج
·       بالإضافة إلى قيامها بنشر حوالي 800 جندي وعسكري من قواتها في منطقة دارفور غربي السودان عام 2004
·       ان مساعداتها فى عملية نقل الجنود فى الحرب ضد العراق كان أساسيا لإنجاح الغزو الأمريكى، بالاضافه لمجهوداتها بعد الحرب لإعادة تأهيل العراق عربيا و عالميا فى المجتمع  الدولى .
·       أن مصر قامت أيضا خلال نفس العام بتدريب 250 عنصرا في الشرطة العراقية و25 دبلوماسيا عراقيا
·       إنشائها مستشفى عسكريا وإرسالها عددا من الأطباء إلى قاعدة باجرام العسكرية في أفغانستان بين عامي 2003 و2005 ، حيث تلقى حوالي أكثر من 100 ألف مصاب هناك الرعاية الصحية .
·       تأثير مصر فى المنطقة فهو محوري فيما يتعلق بمصالح أمريكا فى العالم العربي و الاسلامى والدول النامية
·       ان المساعدات العسكرية لمصر سوف تدفع بأهداف السياسة الخارجية لأمريكا إلى الأمام في المنطقة
·       و سوف تؤهل القوات المسلحة المصرية للمشاركة كحليف فى العمليات العسكرية فى العالم أجمع
·       التدريب والتعليم الدولي العسكري للضباط المصريين .. يخدم مصالح أمريكا فى المنطقة
·       تدريب المصريون على الوسائل المختلفة لمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال، يساعد على دعم المؤسسات و السياسات المتعلقة بالقوانين الاستراتيجيه المسيطرة على التجارة .
***
الخلاصة هى ان الولايات المتحدة، العدو الاستراتيجى الأول لمصر، والتى حاربت مع اسرائيل ضدنا فى 1967 و1973، وقادت جريمة احتلال سيناء قبل 1973 وجريمة تجريد ثلثيها من السلاح بعد 1979، تتواجد قواتها منذ 35 سنة فى سيناء ضمن ما يسمى قوات حفظ السلام، كما أصبحت هى المحتكر الرئيسى للتسليح المصرى، وتتفاخر بدورها فى إعادة بناء وتأسيس الجيش المصرى وتغيير عقيدته ومعداته بعد 1979، وتعتبره حليفا استراتيجيا مهما لها، وتشيد بالخدمات اللوجيستية التى يقدمها لها والتى لولاها لما نجح غزوها للعراق، وتؤكد على الدوام  انه لا غنى لها عنه، لتحقيق مصالحها فى مصر والمنطقة.
وبعد الثورة لم تكف الولايات المتحدة لحظة واحدة عن توظيف هذا التحالف لمحاولة احتواء الثورة أو إجهاضها عبر شبكة علاقاتها العميقة ووفودها واتصالاتها الدؤوبة التى لم تنقطع أبدا.
ومع ذلك لم يرد فى برنامج أى من القوى السياسية "الرئيسية" بعد الثورة، اى مطالبات جادة بالتحرر من هذا الوضع، بل تنافس الجميع داخل الدولة و خارجها، على كسب ودها والتواصل معها وتقديم التطمينات وشهادات حسن السير والسلوك لصناع القرار فيها، على طريقة الأغنية الشهيرة ((سيبك منهم ده مفيش غيرى))، وعلى امتداد 3 سنوات، لم تخرج اى مليونية واحدة جادة ضد التبعية الأمريكية، وكان هذا من أخطائنا الكبرى.
وفيما عدا الشباب الثورى من كافة التيارات، تبارى الجميع بعد 3 يوليو 2013، كل بطريقته، للفوز باعتراف امريكى بشرعيته فى مواجهة الطرف الآخر، رغم ما يرددوه جميعا من تصريحات رنانة عن الاستقلال والسيادة.
وحتى عندما تصاعدت بعض الأصوات المصرية للمطالبة بوقف هذه المعونة، والخروج من قبضة الأمريكان جاء رد الإدارة المصرية على لسان السفير بدر عبد العاطى المتحدث باسم الخارجية المصرية فى أكتوبر 2013 بالتصريح التالى:
((ان دعوة بعض الأطراف الداخلية للاستغناء عن المعونة الأمريكية، أو إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل غير منطقي))
وفى الشهور الأخيرة، عاد إعلام السلطة الذي أغرقنا فى الشعارات الوطنية، عاد ليتفاخر بالأنباء الواردة من الكونجرس عن قرب الإفراج عن المساعدات العسكرية الأمريكية وعن تغير الموقف الامريكى لصالح النظام الجديد، رغم أنها جاءت مشروطة كالمعتاد، وبذات الشرط المقدس وهو الالتزام بكامب ديفيد، لتنكشف حقيقة الحكاية؛ بأن الادعاءات السابقة برفض التدخل الأجنبى فى الشأن المصرى لم تكن سوى رفضا للتدخل لصالح الخصوم، مع الترحيب الشديد بالتدخل لصالح السلطة الحاكمة والنظام الجديد ـ القديم .
*****


القاهرة فى 3 فبراير 2014

الأربعاء، 29 يناير 2014

الاستعباد الاقتصادى

أربعون سنة تبعية ـ الإستعباد الاقتصادى
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

تحدثنا فى المقال الأول من هذه السلسلة، عن النظام الذى لم يسقط، لأننا لم نتفق على ماهيته وطبيعته ولم نتصدى لأخطر ما فيه وهو تبعيته، فتناولنا بداية الهيمنة الأمريكية على مصر التى تحل الذكرى الأربعون لها، والتى بدأت باتفاقية فض الاشتباك الأول فى 18 يناير 1974 وما تلاها من تفكيك مصر التى انتصرت فى 1973، وإعادة تأسيس مصر أخرى لا ترغب فى قتال إسرائيل، ولا تقدر ان هي رغبت . وهو ما تم بموجب كتالوج امريكى محدد يتكون من عدة أبواب، كان الباب الاول فيه، هو تجريد ثلثى سيناء من القوات والسلاح لإبقائها رهينة تحت التهديد الدائم من اجل الضغط المستمر على الإدارة المصرية لترويضها وكسر وإخضاع وتطويع إرادتها . واليوم نتحدث عما فعله الأمريكان بالاقتصاد المصري :
***
لقد كان هدفهم هو تجريد مصر من القدرة على دعم اى مجهود حربى على الوجه الذى حدث قبل وأثناء حرب 1973، من خلال تفكيك اقتصادها الوطنى.
وأدركوا ان وراء نصر أكتوبر قوة اقتصادية صلبة هى القطاع العام المصرى الذى استطاع ان يمول المعركة، فقرروا تصفيته.
فبيع القطاع العام او الخصخصة، والذى يمارسه النظام المصري بنشاط وحيوية منذ 1974 وحتى الآن لم يكن مجرد انحياز الى القطاع الخاص والطبقة البرجوازية المصرية أو الى النموذج الراسمالى . ولم يكن كذلك قرارا سياديا صادرا من وزارة الاقتصاد المصرية،  وإنما كان قرار حرب صادر من وزارة الدفاع الأمريكية، ألزمت به الإدارة المصرية، فالتزمته .
كما انه لم يكن صدفة ان يصدر قانون الانفتاح الاقتصادى فى يونيو 1974 بعد خمسة شهور فقط من اتفاقية فض الاشتباك الاول، وقبل انسحاب القوات الصهيونية من سيناء .
وكانت البداية هى ضرب دور الدولة فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتجريدها تدريجيا من أملاكها العامة، وغل يدها عن التدخل  فى إدارة وتخطيط  العملية الإنتاجية، وفى تلبية احتياجات المواطنين، وضرب الصناعة الوطنية لصالح المنتجات الأجنبية مع رفع الحماية الجمركية عنها بالتدريج، وفقا لتعليمات منظمة التجارة العالمية.
واستبدالها بما يسمونه، الاقتصاد الحر الخاضع "لقوى السوق"، التي تتمثل فى الشركات ورؤوس الأموال الأمريكية والأوروبية، والتى استطاعت بالتحالف مع وكلاءها من رجال الأعمال المصريين، من إحكام السيطرة تدريجيا على الاقتصاد المصري، واستنزاف ثرواته، وتحويلها أو تهريبها الى الخارج.
وقد أشرف على إدارة كل ذلك، المؤسسات الشهيرة سيئة السمعة: البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، بالإضافة إلى هيئة المعونة الأمريكية، وكلهم أبناء وأحفاد صناديق الدين العام الذين افقدوا مصر والأقطار العربية استقلالها فى القرن التاسع عشر.
عادوا إلينا مرة أخرى بعد حرب 1973 . وباسم القروض والمساعدات والمعونات والمنح، وضمانات السداد ، والإصلاح المالى والتكيف الهيكلي والتثبيت الاقتصادي، وضعوا لنا أجندات وتعليمات اقتصادية محددة، التزمنا بها ولا نزال .
وبموجبها أُغرقت مصر فى الديون، وسقطت فى عبودية نادى باريس، وسُلمت إدارة اقتصادها إلى مؤسسات الأعداء النقدية بحجة ضمان السداد، ليفعلوا به ما يشاؤون . وبعض الأرقام قد تكون مفيدة:
·       فبعد أن فرضوا علينا تعويم الجنيه وربطه بالدولار، تضاءلت قيمته وقوته الشرائية (18) مرة منذ عام 1973 حيث كان الجنيه يساوى 2.55 دولار، الى ان  أصبح الدولار يساوى الآن 7 جنيه
·       وتضاعفت ديوننا الخارجية(25) مرة من 1.7 مليار دولار عام 1970 الى 43.2 مليار دولار عام 2013
·       هذا بالإضافة الى الديون الداخلية التى بلغت 1444 مليار جنيه حتى عام 2013
·       ليقترب مجمل الدين العام من 1.8 تريليون جنيه، وليتساوى بذلك مع الناتج المحلى الاجمالى البالغ 1753 مليار جنيه
·         ­­­­­­­­­­­أما عن النهب والتجريف الأجنبي للثروة المصرية فيكفى للتدليل عليه، مثال بسيط؛ فوفقا لما ورد فى دراسة هامة لأحمد النجار، فإن إجمالي النزح الأجنبي للموارد من مصر للخارج قد بلغ نحو 86 مليار دولار في الأعوام 2008 ، 2009 ، 2010، بينما بلغت تدفقات الاستثمارات الأجنبية لمصر فى ذات السنوات نحو مجموعه 22.6 مليار دولار. أى أنهم فى النهاية ينهبون ما يقرب من أربعة أضعاف كل ما يقدمونه لنا من استثمارات وقروض ومعونات.
·         وهذا بخلاف الأموال السرية المهربة التى يصعب تقدير قيمتها الحقيقية، وان كانت بعض التقارير قد ذهبت الى انها تتراوح من 140 الى 500 مليار دولار.
·       أضف على كل ذلك النتائج المأساوية على العدالة الاجتماعية فى مصر، حيث استأثر 150 الف رجل اعمال بما يقرب من 40 % من ثروة مصر، بينما يعيش أكثر من 30 مليون مصرى تحت خط الفقر الذى يبلغ 2 دولا فى اليوم ، وفقا لتقرير التنمية العربية البشرية الصادر من الامم المتحدة عام 2007 .
·       والقائمة تطول

***
ثورة يناير وصندوق النقد والاقتصاد الحر :
وبعد قيام ثورة يناير، ورغم أن العدالة الاجتماعية كانت من أبرز غاياتها، والتى يستحيل تحقيقها فى ظل مثل هذا النظام الراسمالى التابع، حيث أن الشرط الاول "لعدالة توزيع الثروة" هو تحريرها أولا من الهيمنة الاجنبية ومن الاستغلال الطبقى.
رغم ذلك الا ان غالبية القوى السياسية، لم تقترب من هذا الملف، بل أكدت جميعها فى مناسبات متعددة، التزامها بذات النظام الاقتصادي مع الاكتفاء فقط بإعلان اعتزامها محاربة الفساد، رغم انه يمثل العرض وليس المرض.  
وأما بالنسبة لصندوق النقد الدولى وقروضه وأجنداته وشروطه، التى تمثل العدو الأول للعدالة الاجتماعية، فلقد أعلن الجميع التزامهم بها هى الأخرى، ولم يرفض هذا القرض اى من حكومات ما بعد الثورة سواء عصام شرف أو كمال الجنزورى او هشام قنديل او حازم الببلاوى.
ورغم ذلك استمر الصندوق فى إرهاقنا بقوائم لا تنتهى من الشروط، على طريقة الكعب الداير، وأخذ يتملص مرة بعد أخرى من الموافقة على القرض، الذى لم "يتفضل" به علينا حتى تاريخه، فلقد وجدها فرصة سانحة، لانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات من الإدارات المصرية المتعاقبة؛ فلقد تم توظيف قرض الصندوق، كالمعتاد، كأحد أدوات الضغط الرئيسية على الثورة المصرية، لمحاولة إجهاضها أو احتواءها وإعادة إنتاج ذات التوجهات الاقتصادية لنظام مبارك:
·       وما زلت أتذكر الشروط الأربعة التى طرحتها آن باترسون أمام مجموعة من رجال الأعمال المصريين، لكى تحصل مصر على هذا القرض وهى: تنفيذ تعليمات الصندوق كاملة، ورفع الدعم، والتصالح مع رجال أعمال مبارك، وإصدار قانون للجمعيات الأهلية يسمح بالتمويل الاجنبى. 
·       كما هدد ويليم تايلور المنسق الامريكى لدول الربيع العربى، بأن استيراد مصر للقمح الأوكرانى قد يتسبب فى رفض الصندوق للقرض 
·       ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل استخدم كأداة للضغط السياسي المباشر، فعلقت الأنظمة العربية المعادية للثورة، مثل السعودية والإمارات دعمها لمصر يناير، على موافقة الصندوق على القرض وإصداره شهادة صلاحية للاقتصاد المصرى. فيما عدا قطر التى كُلفت، على الأغلب، بان تبقى على "سرسوب مالى" لمصر تجنبا لاى إنفجارات شعبية .
·       كما شارك الصندوق فى الضغوط الامريكية على مصر فى أزمة المتهمين الأمريكيين فى قضية المعهد الجمهورى. وبعد أن تم تهريبهم، صرحت فيكتوريا نولاند المتحدثة باسم الخارجية الامريكية تعبيرا عن شكرها للإدارة المصرية، بأنهم سيصدرون توصياتهم لصندوق النقد فورا لكى ينتهى من اجراء القرض، وأن على المصريين أن يطمئنوا الى أن الولايات المتحدة ستظل هى الضامن الرئيسى لاستقرار مصر المالى .
·       والقائمة أيضا تطول...
***
والخلاصة ان التوجهات و السياسات و القرارات الاقتصادية والمالية والاستثمارية فى مصر لا تزال، حتى بعد ثورة يناير، تحت إدارة وقيادة وسيطرة وتحكم واختصاص صندوق النقد الدولي ومن يمثلهم فى الخارج، ووكلائهم فى الداخل.
لقد كان الصندوق ولا يزال احد الأدوات الرئيسية للثورة المضادة فى مصر .
ورغم كل ذلك، لم تشهد ميادين مصر وشوارعها على كثرة مليونياتها، ولو مليونية واحدة يتيمة فى مواجهة هؤلاء وسياساتهم القديمة ـ الجديدة، وهو ما كان أحد أخطائنا الكبرى.
***
كانت هذه لمحة عامة وسريعة عن باب الاقتصاد المصرى فى عصر التبعية 1974ـ 2014، والى اللقاء مع باب جديد بإذن الله
*****

القاهرة فى 25 يناير 2014

الثلاثاء، 21 يناير 2014

الذكرى الأربعون للهيمنة الأمريكية

الذكرى الأربعون للهيمنة الأمريكية على مصر
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

((هذا ليس حديثا عن الماضى وذكرياته، وانما عن نظام مبارك الذى طالبنا باسقاطه، ولم يسقط لأننا لم ندرك أو نحدد أو نتفق على ماهيته وطبيعته وخباياه وقوته وقواه وحلفائه، فبقى النظام وتراجعت الثورة))
***
اذا كان عام 1882 هو عام الاحتلال البريطانى لمصر، فان عام 1974 هو عام بداية الهيمنة الامريكية عليها، ففى 18 يناير من ذلك العام، دُشِنَ رسميا النظام الامريكى فى مصر، والذى لا يزال يحكمنا حتى الآن .
ففى هذا اليوم وقعت مصر اتفاقية فض الاشتباك الأول مع إسرائيل تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية، والتى بموجبها انسحبت القوات المصرية التى عبرت فى حرب أكتوبر، من المواقع التى حررتها فى سيناء، لتعود مرة أخرى الى الضفة الغربية لقناة السويس؛ ليتبقى لنا هناك 7000 جندى فقط من واقع 80 ألف كانوا على ارض سيناء لحظة وقف إطلاق النار، بالإضافة الى 30 دبابة فقط من واقع ما يزيد عن 1000 دبابة، كنا قد عبرنا بهم تحت القصف الاسرائيلى فى الأيام الأولى من حرب أكتوبر. وكان ذلك مقابل انسحاب القوات الاسرائيلية من غرب القناة التى كانت قد اخترقت الجبهة المصرية فى معركة الثغرة الشهيرة. وهى الثغرة التى حدثت بسبب القرارات الخاطئة للرئيس السادات بما فيها رفضه طلب القادة العسكريين بتصفيتها بالقوة، خوفا من تهديدات هنرى كيسنجر له كما صرح هو بنفسه لاحقا.
***
بدءا من هذه التاريخ قامت الولايات المتحدة بإنشاء وتأسيس نظاما جديدا فى مصر، يهدف الى تفكيك مصر التى انتصرت فى حرب 1973 صامولة صامولة ومسمار مسمار، نظاما يعمل على حماية امن إسرائيل ودعم مصالح الأمريكان، نظاما لا يرغب فى قتال اسرائيل، ولا يستطيع قتالها ان هو رغب فى ذلك.
ولقد حكمنا هذا النظام الجديد بموجب ما أسميه "بالكتالوج الامريكى لمصر"، الذى يمثل الدستور الفعلى لها، والمصدر الرئيسى للتشريع فيها ، فهو قرآن مصر وإنجيلها، ممنوع الاقتراب منه أو لمسه.
 وحتى بعد ثورة يناير فان غالبية القوى السياسية، على اختلافاتها الايديولوجية والسياسية، لم تجرؤ على الاقتراب من هذا الكتالوج اما خوفا أو تواطؤً، رغم ان الزخم الشعبى الثورى كان قادرا لو أجُيد قيادته وتوجيهه وتوظيفه على تحقيق تغييرات جوهرية ونقلات نوعية فى ملف الاستقلال الوطنى، وهو ما لم يحدث للأسف الشديد، و كان ذلك مؤشرا مبكرا عن اختلال البوصلة وعلى احتمالات انكسار الثورة وهزيمتها .
والكتالوج الامريكى، او النظام الحاكم الذى هتفنا بسقوطه، يتكون من خمسة ابواب، سنتناولها باباً باباً على امتداد سلسلة من المقالات  وسنبدأ فى هذا المقال بالباب الاول :
يتناول هذا الباب "الطبنجة" التى وضعوها على رأس مصر، من خلال التهديد الدائم بإعادة احتلال سيناء مرة اخرى، فيما لو خرج النظام عن طوع الولايات المتحدة وحلفاءها، ولقد تم ذلك من خلال المادة الرابعة من اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية وملحقها الامنى الذي تم بموجبهما تجريد ثلثى سيناء من القوات والسلاح وهما المنطقتين (ب) و(ج)؛ فسمح لمصر فى المنطقة (ب) فى وسط سيناء والبالغ عرضها حوالى 109 كيلومتر بنشر 4000 جندى حرس حدود فقط مسلحين بأسلحة خفيفة، واما المنطقة (ج) وعرضها حوالي 33 كم بجوار فلسطين التى يسمونها اليوم "اسرائيل"، فلم يسمح لمصر فيها الا بقوات شرطة فقط (بوليس)، مع منع اى تواجد للقوات المسلحة، فيما عدا 750 جندى على الحدود المصرية الغزاوية، وافقت عليهم اسرائيل فى عام 2005، كبديل للقوات الاسرائيلية التى انسحبت من غزة. أما المنطقة الوحيدة التى يجوز لمصر أن تنشر فيها قوات حقيقية، فهى المنطقة( أ ) بجوار قناة السويس والتى يبلغ عرضها حوالى 58 كم، والتى سمح لنا فيها بنشر ما لا يتعدى 22 الف جندى و230 دبابة، اى ما يوازى ربع عدد القوات التى عبرنا بها فى 6 أكتوبر بارادتنا الحرة ودمائنا الزكية ، بدون معاهدات ولا موافقات اسرائيلية أو امريكية.
 وفى المقابل، تم تقييد عدد القوات والتسليح داخل اسرائيل فى شريط حدودى ضيق لا يتعدى عرضه ثلاثة كيلومترات، لا يسمح لإسرائيل داخله باكثر من 4000 عسكرى حرس حدود ، كما يحظر وجود اى دبابات لها هناك.
 لتكون موازين القوى الحقيقية على الارض هى ان اقرب دبابة إسرائيلية تبعد عن الحدود المصرية 3 كيلو فى حين ان اقرب دبابة مصرية تبعد عن ذات النقطة 150 كيلو .
والخلاصة ان الترتيبات الامنية فى المعاهدة انحازت انحيازا فجا وصريحا ومأساويا الى الأمن القومي الاسرائيلى على حساب الامن القومى المصرى.
وما زاد الطين بلة، هو طبيعة قوات حفظ السلام فى سيناء، فبدلا من الامم المتحدة، تم تفويض الولايات المتحدة لتشكيل قوات متعددة الجنسية اطلق عليها "قوات حفظ السلام والمراقبين" MFO  ، تتكون من 11 دولة باجمالى لا يزيد عن 2000 فرد، 40 % منها قوات امريكية، والباقى دول حليفة وصديقة لامريكا واسرائيل، تتمركز فى قاعدتين عسكريتين، فى شرم الشيخ و الجورة، و هى لا تخضع للامم المتحدة، ولا يجوز سحبها الا بموافقة الطرفين بالإضافة الى التصويت الايجابى للخمس الكبار بمجلس الامن، ومديرها يجب ان يكون امريكيا على الدوام، وكان آخر مدير لها فى عام 2013 هو السفير دافيد ساترفيلد الذى يشغل الآن منصب القائم بأعمال السفير الامريكى فى مصر بعد آن باترسون !
وخلاصة هذا الباب ان أصبحت سيناء المجردة والمقيدة من السلاح والقوات فى خطر دائم ، يضع اى ادارة مصرية فى وضع بالغ الحرج والضعف، فيما لو "هدد أو لوح" الأمريكان و الاسرائيليون بتكرار عدوانى 1956 و1967، وهم يدركون ذلك جيدا ويستخدمونه للضغط على الإدارات المصرية المختلفة من اجل إخضاع قرارها وكسر إرادتها وفقا للحاجة والظروف، وهو ما حدث بالفعل بعد ثورة يناير فى عدة مرات، ربما نتحدث عنها بالتفصيل فى كتابات قادمة.
واليوم بعد مرور 3 سنوات على ثورة يناير، لا تزال سيناء مقيدة باتفاقيات كامب ديفيد، لم يتغير فيها شيئا، فلا نزال نستأذن إسرائيل كلما أردنا ان ندفع بقوات إضافية الى هناك؛ نستأذنها فى عددها وتسليحها وطبيعة مهامها وفى مدة تواجدها قبل انسحابها مرة أخرى من حيث أتت .
ولقد لاحت ثلاث فرص بعد الثورة لمحاولة التحرر من هذه القيود، الأولى فى عهد المجلس العسكري حين قتلت إسرائيل خمسة جنود مصريين فى أغسطس 2011، والثانية فى عهد محمد مرسى حين قُتل 16 جندي مصري فى أغسطس 2012، والثالثة فى عهد السيسى/منصور حين قُتل 25 جندي امن مركزي فى أغسطس 2013
وفى الحالات الثلاث، لم يرغب او يجرؤ صناع القرار على الاقتراب من المعاهدة او حتى المطالبة بتعديلها، كما أن المعارضة هي الأخرى، وياللعجب، لم تعترض او تطالب أو تضغط  فى هذا الاتجاه أبدا، رغم اشتباكها المستمر مع كل صغيرة أو كبيرة .
***
كان هذا هو الباب الأول فقط من الكتالوج الأمريكي لمصر، والى لقاء قادم مع باب جديد باذن الله.
*****

القاهرة فى 18 يناير 2014