بحث فى المدونة

الثلاثاء، 24 أبريل 2018

لمن الولاء؟ للوطن ام للرئيس؟



لمن الولاء؟ للوطن ام للرئيس؟
محمد سيف الدولة
seif_eldawla@hotmail.com

هذا حديث عن مصر وليس عن الأمريكان. كما أنه حديث عن كل المصريين وليس عن هشام جنينة وحده.
***
" ولاء أعلى" هو اسم الكتاب الذي اصدره مؤخرا المدير المفصول للـ FBI، جيمس كومى، الذى كشف فيه عن الجوانب السلبية فى شخصية الرئيس الامريكى ترامب، وكيف طلب منه ان يكون ولاؤه لشخصه فوق أى اعتبارات أخرى، فوق الولاء للوطن وللدستور وللدولة وللمؤسسات وللقانون.
***
ورغم اننى لم ارتح ابدا لاتخاذ تجارب دول اخرى وعلى الاخص "الدول الاستعمارية" أمثال الولايات المتحدة الامريكية ودول اوروبا الغربية، نموذجا لنا نهتدى به ونحتكم اليه فى بناء وتأسيس وادارة مجتمعاتنا ودولنا وحياتنا الاقتصادية والسياسية والثقافية..الخ.
الا اننى لم أستطع، هذه المرة، ان امنع نفسي من المقارنة بيننا وبينهم. فهل يمكن لأي موظف عمومى فى مصر او فى اى دولة عربية، ان يتبنى موقفا او يتخذ قرارا او يدلى برأياً مخالفا لرغبات الرئيس أو الملك أو الأمير؟

الاجابة بالطبع هى "ان هذا من رابع المستحيلات فى بلادنا". وان فعل فان مصيره على الاغلب لن يقتصر على اقالته والاطاحة به من منصبه، بل سينتهي به الحال الى السجن.
وانظروا ماذا حدث للمستشار "هشام جنينة" الذي لم يبلغ 1 % من المدى الذي بلغه "كومي"، فهو لم يفعل سوى انه أعلن عن حجم الفساد فى مصر في الفترة من 2012 الى 2015 وفقا لتقارير فنية رسمية أعدها الجهاز المركزي للمحاسبات تحت رئاسته، فتمت اقالته. وحين اعترض على بطلان قرار الاقالة ولم يلتزم الصمت وقرر الانتقال الى صفوف المعارضة "المدنية" ثم قام بتقديم الدعم الى "سامى عنان" في مشروعه للترشح في انتخابات الرئاسة ضد عبد الفتاح السيسي، فانه تعرض لمحاولة للقتل على أيدى بلطجية تابعين لاحد الاجهزة الامنية وفقا لشهادته، ومع ذلك لم يتراجع او يجبن، بل انتابه غضب شديد، غضب طبيعى ومشروع لأى انسان يتعرض لذات العدوان، مما جعله يُصِعد من مواقفه وتصريحاته، بدون أن يحترس أو يقيم وزنا لحالة التربص السياسى والأمني السائدة فى البلاد، فتم اصطياده بهذه التصريحات واعتقاله ومحاكمته امام القضاء العسكرى الذى قضى بسجنه 5 سنوات بتهمة اذاعة اخبار كاذبة عن القوات المسلحة.
***
أما فى "بلاد الخواجات" فان "ترامب" يقوم بالتغريد يوميا متهما "جيمس كومى" بالكذب والافتراء وافشاء اسرار الدولة ويتوعده بالملاحقة القانونية والسجن، ولكنه رغم ذلك لا يزال حرا طليقا يصول ويجول ويدلى باحاديث وتصريحات ويحل ضيفا على العديد من القنوات الفضائية والمنابر الاعلامية.
***
ايام السادات ومبارك، كان مصير المسئولين الذين عارضوا رئيس الجمهورية، على قلتهم وندرتهم الشديدة، هو الاستقالة او الاقالة فقط. ربما فيما عدا ما حدث مع الوزير الشهيد "عبد العظيم ابو العطا" الذى مات فى سجون السادات فى اعتقالات سبتمبر 1981.
أما وزيرا الخارجية "اسماعيل فهمى" و "ابراهيم كامل" و اللذان استقالا اعتراضا على زيارة القدس أو على مفاوضات كامب ديفيد، فانهما لم يتعرضا للاعتقال والسجن.
وشيخ القضاة المستشار "يحيى الرفاعي" الذي تحدى مبارك علانية فى مؤتمر العدالة، لم تصل مضايقات الدولة له الى الاعتقال.
وانتفاضة القضاة فى 2006، التى كانت أحد المحطات الفاصلة فى التمهيد لثورة يناير، لم يتم فصل اى من قضاتها، او اعتقالهم، رغم اعتداء قوات الامن المركزي حينذاك بالضرب على أحد شباب القضاة.
***
ولكن بصرف النظر عن المقارنات بين مبارك والسيسى، والذي يمثل الفرق بينهما فيما يتعلق بالهامش الديمقراطى الممنوح للمعارضة، فرق السماء من الارض، فهل يمكن لأي منصف أو عاقل أن يقبل مبدأ "انتقام السلطة" من معارضيها فى أى دولة متحضرة، أو يقبل هذه "القسوة المفرطة" في الانتقام من المستشار جنينة؟ وهل يمكن لكائن من كان ان يبرر ويدافع عن تناسب عقوبة السجن لخمس سنوات أو حتى لساعة واحدة مع ما اتخذه هذا القاضى الجليل من مواقف تفرضها عليه واجبات منصبه، أو مع ما أدلى به من آراء يحميها الدستور والقانون.
***
وفى النهاية، اكرر ما استهللت به المقال، بأن هذا ليس حديثا عن هشام جنينة وحده، بل هو حديث عن كل الضحايا المظلومين القابعين فى السجون بسبب تجرؤهم فى يوم من الايام على المشاركة فى ثورة يناير.
*****

القاهرة فى 24 ابريل 2018



الجمعة، 20 أبريل 2018

المحامى القناص



المحامي القناص
محمد سيف الدولة

أهدى هذه السطور الى أرواح كل الشهداء الذين سقطوا برصاص القناصة فى ميادين الثورة، كما أهديها أيضا الى كل الأحياء من المواطنين الأبرياء ضحايا السب والقذف والتشهير والبلاغات الكاذبة والكيدية من أولئك المحامين وثيقى الصلة بأجهزة السلطة التى تستهدف ترويعهم وإرهابهم واسكات اصواتهم.
***
عرفت الثورة المصرية ظاهرة "القناص القاتل" التى لم يكن يخطر ببالنا فى يوم من الأيام اننا سنشاهد مثلها الا فى المعارك الحربية أو فى الأرض المحتلة: -
مئات الآلاف او ملايين من المواطنين السلميين يتظاهرون او يعتصمون معا فى ميدان التحرير، رافعين اللافتات ومرددين الهتافات، واذ فجأة يسقط أحد رفاقهم شهيدا، يفتشون فى جسده فى ذهول، فيكتشفوا ان هناك رصاصة اخترقت راْسه أطلقها قناص مجهول من مسافة بعيدة. يعلم الجميع انه يتبع أحد الاجهزة الامنية، ولكن القائمين على السلطة ينفون ويتهمون طرفا ثالثا مجهولا بارتكاب الجريمة، ويفلتون من المسائلة والعقاب، الى ان يسقط شهيدا جديدا وهكذا.
***
نعيش اليوم ظاهرة شبيهة وهى ظاهرة "المحامي القناص" الذى يتبع ايضا أحد الاجهزة الامنية، يقف مستعدا منتظرا للتعليمات، وما ان تأتيه الأوامر والتوجيهات بالضحية الجديدة المستهدفة، وبالتهم المطلوب إلصاقها بها، فيقوم على الفور بالبحث عن تكييف قانوني لها، ويصيغها فى بلاغ يحمل اسمه و لوجو مكتبه، ويهرول لتقديمه الى مكتب النائب العام، لتبدأ، فى معظم الأحوال، دائرة جهنمية من التحقيقات والاستجوابات والمرمطة والكعب الدائر والإهانات، مصحوبة بالطبع بمدفعية ثقيلة من الكتائب الاعلامية التى تتولى مهمة التشهير والتخوين والتشويه، لتنتهي بالضحية الى الاعتقال والمحاكمة والادانة، او تعليق الملف للضغط والابتزاز.
وحين توجه سهام النقد للقائمين على السلطة على هذه الممارسات الاستبدادية المبتذلة ضد خصومهم السياسيين، ينفون بشدة ويدعون انها مبادرات فردية، وإنها كسلطة "ديمقراطية" لا تستطيع ان تحجر على حق الناس فى التقاضي والبلاغات!!
***
لقد كان القناص القاتل يوجه رصاصاته الى رؤوس ضحاياه وأعينهم، اما "المحامي القناص" فيوجهها الى افواههم وألسنتهم؛ فما ان ينطق المرء بأي نقد لعبد الفتاح السيسي او لمؤسساته او لنظامه، إذا به يجد نفسه مستهدفا من كافة مؤسسات الدولة.
وإذا كانت رصاصة قناص الارواح والعيون تنتقى افرادا بعينهم لترهيب البقية، فكذلك يفعل المحامي القناص، فهو يستهدف إخراس الجميع على قاعدة: "كلكم في مرمى بلاغاتي".
ولذلك فان ما يفعله يندرج تحت بند الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات، بل تنطبق عليه أحد تعريفات "العمل الإرهابي" الواردة في المادة الثانية من القانون المصرى لمكافحة الارهاب والتى تنص حرفيا على ما يلى: ((التهديد بإيذاء الافراد او القاء الرعب بينهم او تعريض حياتهم او حرياتهم او حقوقهم العامة او الخاصة او امنهم للخطر او غيرها من الحريات والحقوق التى كفلها الدستور والقانون )).
***
سبل المواجهة :
ان أسوأ طريقة لمواجهة أى ارهاب، هى الخوف منه والخضوع له والاذعان لشروطه وتهديداته، كما أن أسوأ طريقة لمواجهة ارهاب القناصة، أى قناصة، هو السماح لهم بالاستفراد بضحاياهم واصطيادهم واحدا وراء الآخر.
ولقد آن الأوان ان نتضامن جميعا لتطهير حياتنا من مثل هذه النوع من القناصة وهذا النوعية من البلاغات والجرائم، وهو ما يستدعى على أضعف الايمان، أن يتم رفع دعاوى وبلاغات مضادة ضد هذه الفصيلة من المحامين، التى أشك كثيرا فى شرعية انتمائهم الى هذه المهنة السامية لو طبقنا عليهم "قَسَّمَ المحاماة" الذى ينص على ما يلى: ((أقسم بالله العظيم ان أمارس أعمال المحاماة بالشرف والامانة والاستقلال وأن احافظ على سر مهنة المحاماة وتقاليدها وأن احترم الدستور والقانون.))
أقول يجب أن نتضامن جميعا ونعمل على رفع دعاوى وبلاغات مضادة ضد مثل هذه البلاغات وضد رافعيها، تتهمهم بالبلاغ الكيدي والكاذب، والسب والقذف والتشهير، ومحاولة ترويع وترهيب المواطنين الآمنين وتهديدهم وبث الرعب فى قلوبهم لكي ينسحبوا من المشاركة السياسية ويمتنعوا عن ابداء آرائهم بحرية، وكلها حقوق نص عليها الدستور وحماها القانون وفرض العقوبات على كل من يهددها أو يعتدى عليها.
***
وسنجد فى قانون العقوبات عديد من النصوص التى تحمى المواطنين وتجرم هذا النوع من البلاغات الكاذبة كما تجرم السب والقذف والترهيب، نستعرض بعضها فيما يلي:
مادة 296:
((كل من شهد زورا على متهم بجنحة او مخالفة او شهد له زورا يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين))

مادة 303:
((يعاقب على القذف، بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن الفين وخمسمائة جنيه ولا تزيد على سبعة الاف وخمسمائة جنيه ولا تزيد على سبعة الاف وخمسمائة جنيه ولا تزيد على سبعة الاف خمسمائة جنيه او باحدى هاتين العقوبتين.))

 مادة 302:
((يعد قاذفا كل من اسند لغيره بواسطة احدى الطرق المبينة بالمادة 171 من هذا القانون امورا لو كانت صادقة لأوجبت عقاب من اسندت اليه بالعقوبات المقررة لذلك قانونا او اوجبت احتقاره عند اهل وطنه..))

مادة 304:
((لا يحكم بهذا العقاب على من أخبر بالصدق وعدم سوء القصد الحكام القضائيين او الاداريين بأمر مستوجب لعقوبة فاعلة.))

مادة 305:
((واما من أخبر بأمر كاذب مع سوء القصد فيستحق العقوبة ولو لم يحصل منه اشاعة غير الاخبار المذكور ولم تقم دعوى بما أخبر به.))

مادة 306:
((كل سب لا يشتمل على اسناد واقعة معينه بل يتضمن بأى وجه من الوجوه خدشا للشرف او الاعتبار يعاقب عليه في الاحوال المبينة بالمادة 171 بالحبس مد لا تتجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على خمسة الاف جنيه او باحدى هاتين العقوبتين.))

مادة 375 مكرراً:
((مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد واردة في نص أخر، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة كل من قام بنفسه أو بواسطة غيرة باستعراض القوة أمام شخص أو التلويح له بالعنف أو بتهديده باستخدام القوة أو بالعنف معه أو مع زوجه أو أحد من أصوله أو فروعه أو التهديد بالافتراء عليه أو على أحد منهم بما يشينه أو بالتعرض لحرمة حياته أو حياة أيا منهم الخاصة وذلك لترويع المجني عليه أو تخويفه بإلحاق الأذى به بدنيا أو معنويا أو هتك عرضه أو سلب ماله أو تحصيل منفعة منه أو التأثير في إرادته لفرض السطوة عليه أو لإرغامه على القيام بأمر لا يلزمه به القانون أو لحمله على الامتناع عن عمل مشروع أو لتعطيل القوانين أو اللوائح أو مقاومة تنفيذ الأحكام أو الأوامر أو الإجراءات القضائية أو القانونية واجبة التنفيذ متى كان من شأن ذلك الفعل أو التهديد إلقاء الرعب في نفس المجني عليه أو التكدير أمنه أو سكينته أو طمأنينته أو تعريض حياته أو سلامته للخطر أو إلحاق الضرر بشيء من ممتلكاته أو مصلحته أو المساس بحريته الشخصية أو شرفة أو اعتباره أو بسلامة إرادته .
وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين إذا وقع الفعل أو التهديد من شخصين فأكثر...))
***
وأخيرا وليس آخرا، ان الدفاع عن النفس وعن الغير، ضد التهديدات والمخاطر التى تهدد الحقوق والحريات، هو حق مشروع يكفله الدستور والقانون والمواثيق الدولية، والبلاغات الكاذبة والكيدية ليست بالطبع هى الوسيلة والاداة الوحيدة لتهديد وترهيب الناس واستلاب حقوقهم وحرياتهم، فالأدوات والوسائل متعددة وجارية على قدم وساق، ولكننى اردت ان اتوقف اليوم عند ظاهرة "المحامى القناص" لأنها فاقت حدود العقل والاحتمال.
*****
القاهرة فى 20 ابريل 2018













السبت، 7 أبريل 2018

الكاوتشوك يهزم الرصاص


الكاوتشوك يهزم الرصاص
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

دشن الشعب الفلسطينى ابداعا جديدا فى فنون وتكتيكات المقاومة الشعبية فى مواجهة آلات القتل الجهنمية لقوات الاحتلال، فى ملحمة أطلقوا عليها #جمعة_الكوشوك. تُنطق بدون حرف التاء التى تُحذف فى اللهجة الفلسطينية.
آلاف الفلسطينيين يقومون بحرق اطنان من عجلات الكاوتشوك لتوليد سحابات كثيفة من الدخان الاسود بهدف إعماء القناصة الصهاينة الذين قتلوا بدم بارد ما يقرب من ٢٠ شهيدا يوم الجمعة الموافق ٣٠ مارس ٢٠١٨ فى الذكرى الثانية والاربعين ليوم الارض، فيما أطلق عليه بمسيرة العودة الكبرى.
وبالفعل نجحت هذه "القبة الكاوتشوكية" فى مهمتها ليتقلص عدد الضحايا والشهداء الى ما يقرب من النصف، وباذن الله يصل العدد الى "الصفر" فى الاسابيع القادمة.
***
يردد المتحدثون والخطباء كثيرا مقولة "اننا لن نعيد اختراع العجلة" حين يريدون التأكيد على بديهية ما يطرحونه من معاني أو أفكار.
فاذا بالإخوة في الارض المحتلة يقومون بالفعل بإعادة اختراع العجلة، فيكتشفون وظيفة جديدة لإطارات السيارات لم يكن من الممكن ان تخطر على بال أحد، كأداة ناجعة فى مقاومة رصاصات الاحتلال.
ابداع يستحق تسجيله كبراءة اختراع فلسطينية، تكتب باسمهم فى السجل العالمى لحركات المقاومة على مر التاريخ.
لم يكن هذا هو الابداع الأول للمقاومة الفلسطينية، فنتذكر جميعا انتفاضة "الحجارة" عام 1987، والعمليات الاستشهادية فى انتفاضة الأقصى عام 2000، وانتفاضة "الدهس والسكين" فى السنوات الاخيرة، وسلاح الأنفاق التى اخترقت أرض 1948، والصواريخ المصنعة فى ورش بدائية، والمرابطون ومصاطب العلم فى المسجد الأقصى.
***
وكلها أدوات توصف وفقا للمثل الشعبى المصرى بانها "حاجات ببلاش كده"، لا تقارن بالترسانة العسكرية الصهيونية التى تقدر بمئات المليارات من الدولارات والتى قتلت آلاف مؤلفة من الفلسطينيين فى حروب ابادة ومذابح جماعية لم تتوقف على امتداد عشرات السنين، وفى ظل حصار دولى صهيونى عربى رسمى مشترك على المقاومة ومطالبات مستمرة بنزع سلاحها، وفى ظل اتفاقيات اوسلو التى وافقت على تجريد الشعب الفلسطينى من الحق فى الكفاح المسلح.
***
وقد يتساءل البعض عن الجدوى والمقابل والحصاد من وراء مثل هذه الفاعليات ومن سقوط كل هذا العدد من الشهداء، فلا شك ان اى اجتهاد او ابداع جديد مهما بلغت درجه تفرده وعبقرتيه، لابد ان يكون له منافع ومكاسب واضافات.
وهو سؤال مشروع، ولكن الاجابة عليه واضحة وجلية للجميع؛ فلقد حققت مسيرة العودة الكبرى خلال اسبوع واحد فقط الانجازات التالية:
·       فقبل 30 مارس الماضى لم تكن تذكر قضية فلسطين والفلسطينيين الا فى سياق صفقة القرن وما تنتويه من تصفية القضية، اما اليوم فيكاد يختفي الحديث عن هذه الصفقة، ليعود الحديث عن حق العودة والشهداء والمقاومة وجرائم الاحتلال والارهاب الصهيونى. وهو ما فرض نفسه على وسائل الاعلام العالمية و(الاسرائيلية) بل فى الصحف الرسمية فى الاقطار العربية لإسرائيل كمصر والاردن.
·       كما نجحت فى تأسيس ادوات ردع جديدة ومؤثرة تعمل لها (اسرائيل) وداعموها وحلفاؤها ألف حساب وتخشى ان تتصاعد وتتطور على كافة الحدود الدولية للأرض المحتلة، الى الدرجة التى تسربت فيها انباء فى الساعات الأخيرة على وجود مساعى عربية رسمية بطلب من اسرائيل للتفاوض مع قادة المقاومة والضغط عليهم لإنهاء مسيرة العودة مقابل فتح معبر رفح.
·       لقد اخرجت "مسيرة العودة" الأمة من الحالة التى ضربتنا جميعا من الشعور بالعجز العميق، بعد قرار ترامب الأخير بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، مع الاختلال الرهيب فى موازن القوى داخل الارض المحتلة وصمت الأنظمة العربية خوفا أو عجزا أو تواطؤ ... فاذا بالجميع يعيشون معها معركة جديدة وجولة جديدة من المواجهة والمقاومة، على غرار ما عودتنا عليه على امتداد عشرات السنين.
·       فعلى عكس المنتظر من ان تهب الشعوب العربية لدعم الشعب الفلسطيني وانقاذه، اذا بهذا الشعب العظيم هو الذى يقوم بإنقاذنا دائما، فيفاجئنا بانتفاضاته وشجاعته وتضحياته وابداعاته الملهمة والمستمرة التى طالما أخرجتنا من حالات الهزيمة واليأس والاحباط.
·       كما انها كسرت القاعدة التى اصبحت تسيطر على كافة الأقطار العربية فى الفترة الاخيرة وهى تجريد الشعوب من أى قدرة على الفعل والتأثير، مع احتكار الولايات المتحدة وباقى الدول الكبرى و(اسرائيل) وباقى الدول الاقليمية لدور اللاعبين الرئيسيين، والمملكة السعودية وحلفائهم وأتباعها من الحكام والانظمة العربية لدور اللاعبين الثانويين، مع اخراج الشعوب من الملعب تماما، الا كمفعول ومعصوف به.... ليقتحم الشعب الفلسطينى الساحة ويدخل كلاعب رئيسى صانع للاحداث ومؤثر فيها، ومعدل لموازينها وحساباتها ولو الى حين.
***
·       اننى اتمنى ان تفشل كل الضغوط والجهود الدولية والاقليمية والعربية فى وأد واجهاض هذه المسيرة الواعدة.
·        كما أتمنى أن تنجح المقاومة فى تقليص اعداد الشهداء فى المرات القادمة.
·        وأن تستطيع هذه الملحمة فى دفع مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين خارج الارض المحتلة الى الالتحاق بالمسيرة.
·       واخيرا وليس آخر ارجو ان تنتبه كافة القوى الوطنية فى كافة الاقطار العربية، وكذلك كل الأحرار فى العالم أن هناك حدثا خطيرا وهاما ونادرا يجرى فى فلسطين وأن تنزل بثقلها لدعم ونصرة الشعب الفلسطينى، كل حسب امكانياته وادواته وظروفه.
*****
القاهرة فى 7 ابريل 2018
  

الخميس، 5 أبريل 2018

مزاد بيع فلسطين




مزاد بيع فلسطين
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

منذ سنوات طويلة والكل يتسابق ليبيع فلسطين فى أسواق النخاسة الصهيونية.
***
·       افتتح المزاد الرئيس المصرى الراحل انور السادات فى اتفاقيات كامب ديفيد، حين كان اول رئيس عربى يعترف باسرائيل، وبشرعية الاحتلال الصهيونى لفلسطين ١٩٤٨ التى تساوى ٧٨ % من ارض فلسطين، مقابل استرداد سيناء، وفقا للقاعدة الجهنمية التى سنها مناحيم بيجين حين قال لكارتر اثناء المفاوضات ان يبلغ السادات انه "يستطيع ان يأخذ لمصر بقدر ما يعطينى من فلسطين."
·       ومنذ ذلك الحين، والحكام العرب يتسابقون لبيع حصة شعوبهم فى ارض فلسطين التاريخية بصفتنا جميعا شركاء فى امة عربية واحدة، يختص بملكية أرضها وأوطانها كافة الشعوب العربية جيلا بعد جيل.
·       فعلتها منظمة التحرير الفلسطينية عام ١٩٩٣ مقابل وعد زائف بدولة فلسطينية فى الضفة الغربية وغزة، ومقابل السماح لقادة المنظمة بالعودة من المنفى.
·       وفعلها ملك الاردن عام ١٩٩٤ لينال الرضا والحماية الامريكية ويصلح "غلطته" عند السيد الامريكى حين أيد الغزو العراقى للكويت.
·       وفعلها كل الملوك والرؤساء العرب عام ٢٠٠٢ فى مبادرة السلام العربية، فى محاولة لإرضاء جورج بوش واتقاء شره بعد ان هدد وتوعد عقب احداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١.
·       وأصبحت منذ ذلك الوقت طريقة مضمونة وآمنة لأي حاكم او نظام عربى يريد ان يفوز برضا واعتراف ودعم الامريكان ومجتمعهم الدولى.
·       وبعد اجهاض الثورات العربية، وتقلد حكام جدد لمقاعد الحكم بأساليب وطرق مشكوك فى مشروعيتها، ورغبتهم فى الفوز بالاعتراف والرضا والدعم والحماية الأمريكية، لم يجدوا طريقا لذلك أفضل من تعميق التطبيع مع (اسرائيل) فى سلسلة من الصفقات الجديدة لبيع فلسطين:
·       فتدخل مصر الرسمية تحت رئاسة عبد الفتاح السيسى عصر السلام الدافئ مع (اسرائيل)، وتطالب بدمجها فى المنطقة، وتسحب قرار ادانة المستوطنات من مجلس الامن، وتنحاز الى اليها فى عدوانها على غزة عام 2014، وتخلى الحدود الدولية من السكان لتقيم المنطقة العازلة التى كانت تطلبها (اسرائيل) منذ عدة سنوات وكان مبارك نفسه يرفضها.
·       وتقرر مملكة آل سعود فتح المجال الجوى للطائرات الاسرائيلية، ويهرول ولى العهد السعودى محمد ابن سلمان، لتنفيذ الاشتراطات والتعليمات والروشتات الامريكية اللازمة لنيل الرضا السامى، والتى يأتى على رأسها بيع فلسطين للصهاينة، فيعلن ان فلسطين التاريخية هى ارض (اسرائيل) التى يحق للشعب الاسرائيلى العيش فيها فى سلام، وان المقاومة تهدد الامن القومى السعودى! ويؤكد على المصالح المشتركة بين السعودية و(اسرائيل).
·       أما الدول الخليجية فلقد دخلت المزاد علانية فى السنوات الأخيرة عبر عديد من عمليات التطبيع التجارى والسياحى والتكنولوجى والاعلامى والرياضى والطبى مع (اسرائيل) اضافة للتنسيق الامنى معها.
·       حتى الرئيس الأمريكى" دونالد ترامب" باع ما تبقى من فلسطين، فاعترف بالقدس عاصمة لاسرائيل، طلبا لدعم جماعات الضغط الامريكية الصهيونية، فى مواجهة حركات الرفض والمعارضة الشرسة له فى الداخل الامريكى.
·       بل ان من أساسيات برنامج أى مرشح رئاسى امريكى منذ سنوات طويلة، أن يعد ويلتزم بالسماح لاسرائيل بانتزاع "قضمة" جديدة من ارض فلسطين.
***
نعم لقد ارتكب السادات خطيئة كبرى باعترافه باسرائيل، لا نزال ندفع أثمانها حتى اليوم، ولكنه رغم ذلك كان أشرف ألف مرة من حكام هذا العصر، فلقد قام على الأقل بمقايضة فلسطين بسيناء، ولكنهم اليوم يبيعونها مقابل حماية عروشهم وكراسيهم وشرعيتهم الباطلة، لتتغير القاعدة القديمة التى سنها مناحيم بيجين من: " فليأخذ لمصر بقدر ما يعطينى من فلسطين"، لتصبح: " فليأخذ لنفسه بقدر ما يعطينا منها."
***
والغريب ان فلسطين هذه الارض الطيبة، ورغم انها بيعت ألف ألف مرة، ولا تزال تباع كل يوم، الا انها لم تنفذ ولم تختفِ من الوجود ولم تستسلم.
بارك الله لنا فيها، وبارك لنا فى هذا الشعب الفلسطينى المبهر صانع المعجزات الذي لم يتوقف عن المقاومة وتقديم الشهداء على امتداد قرن من الزمان، يسقط له ٦ شهداء دفاعا عن الارض فى ٣٠ مارس ١٩٧٦، فيحيى ذكراهم بـ 18 شهيد بعد ٤٢ عاما فى ٣٠ مارس ٢٠١٨.
*****
القاهرة فى 5 ابريل 2018

الثلاثاء، 3 أبريل 2018

ليست قوة مفرطة بل ارهابا صهيونيا


ليست قوة مفرطة بل ارهابا صهيونيا
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

·       ان قيام قناصة الكيان الصهيونى بقتل 18 فلسطينيا وجرح المئات من أشقائنا المشاركين فى مسيرة العودة السلمية على حدود غزة مع باقى الارض المحتلة، هو جريمة ارهابية بامتياز، وحلقة جديدة  فى سلسلة طويلة من الجرائم الصهيونية على امتداد عشرات السنين.

·       وبالطبع فان آفة الكيان الصهيونى لا تقتصر على الارهاب والعنصرية وحروب الإبادة والجرائم ضد الانسانية، بل قبل ذلك وبعده كما يعلم الكافة، هو كيان استعماري استيطاني عنصري مغتصب للأرض العربية، وقاعدة عسكرية استراتيجية للغرب الاستعماري تستهدف مصر والامة العربية بقدر ما تستهدف فلسطين.

·       ولكنى اود فى هذه السطور ان أعلق على الطبيعة الارهابية للكيان الصهيوني، بغرض كشف الموقف الرسمى العربى الذى لم تتجرأ اى دولة فيه على ادانة وتوصيف ما فعلته (اسرائيل) على انه عملا ارهابيا، واكتفى من ادان منهم باستخدام تعبير "القوة المفرطة" مع دعوة كافة الأطراف "لضبط النفس" على غرار بيان الخارجية المصرية!

·       وهم يفعلون ذلك فى الوقت الذي يملأون الدنيا صياحا وصراخا بأنهم يواجهون "الارهاب" وحدهم نيابة عن العالم أجمع، وانه لولاهم لانعدم الامان وعمت الفوضى فى ربوع الكرة الارضية!

·       ولكن "الارهاب" الذى يقصدونه هو الارهاب وفقا للتوصيف والمصالح الامريكية والغربية والصهيونية، لأن فى ذلك منافع كثيرة على رأسها: رضا هذه القوى واعترافها بشرعياتهم وحمايتها لعروشهم.

·       ولذا يهرولون للانخراط فى الأحلاف العسكرية الامريكية، وللتطبيع مع اسرائيل بذريعة مواجهة المخاطر المشتركة الثلاثة التى حددها ترامب فى: "ايران" و "داعش" و "الإسلام الراديكالي المتطرف".

·       ويتجاهلون ما يرددونه هم أنفسهم ليلا نهارا، من ان الظواهر والمنظمات والجماعات الارهابية هى مؤامرة وصناعة امريكية غربية اسرائيلية مشتركة، تهدف الى تفجير الحروب الاهلية وتقسيم الدول العربية وانعاش صناعات واسواق السلاح والاقتصاديات الغربية اثناء الحروب وبعدها خلال مراحل اعادة الاعمار، كما انها تعطى اغطية وذرائع شرعية زائفة لإعادة احتلال المنطقة والتدخل فى شئونها واعادة رسم خرائطها ونهب ثرواتها.

·       وبطبيعة الحال فان هذا التوصيف الذى اختاره حكامنا للارهاب، يتوافق ايضا مع أهوائهم ومصالحهم؛ فهو يعطيهم ذرائع يبررون بها مصادرة حقوق وحريات الناس وتكميم افواه المعارضة السياسية والحكم بالحديد والنار.

·       الى الدرجة الى جعلت كل منهم يعمل على اختراع تعريفه وتوصيفه الخاص للارهاب على مقاس امنه وامن نظامه، يصيغه فى قوانين وتشريعات، يتم محاكمة المعارضين وإدانتهم سجنا أو اعداما وفقا لها، ثم يصدرون قوائم بالمنظمات والشخصيات الارهابية، يضعون فيها كل من لا ترضى عنه السلطة او احد اجهزتها أواحد قياداتها النافذة، وكله بجرة قلم.

·       بينما الارهاب الصهيونى الواضح الجلى الذى يقبع على حدودنا وفى القلب من أمتنا، لا تريد أن تراه أعين حكام العرب ولا أجهزتها ولا منابرها الاعلامية ولا خبرائها الاستراتيجيين، وحين يأتى الحديث عن جرائم الاحتلال فى فلسطين أو الجرائم الامريكية فى العراق، يلتزمون الصمت خوفا أو تواطؤ.

·       وهو ما يذكرنى بما حدث فى مصر منذ وقت قريب حين رفع بعض المحامين وثيقى الصلة باجهزة السلطة دعوى أمام القضاء الادارى المستعجل تطالب بتصنيف حركات المقاومة كمنظمات ارهابية، وهو ما قضت به بالفعل محكمة اول درجة، قبل ان يتم الغاء الحكم فى الاستئناف. فى حين ان ذات القضاء قد حكم بعدم الاختصاص فى دعوى مماثلة تطالب بتوصيف اسرائيل ككيان ارهابى.
·       كما اننا لن ننسى "سامح شكرى" وزير الخارجية المصرى حين رفض وصف قتل اسرائيل للأطفال الفلسطينيين بالعمليات الارهابية، بذريعة ان هناك اختلاف دولى حول توصيف مفهوم الارهاب.
·       وبالطبع قبل ذلك وبعده تأتى التصريحات المتتالية لنتنياهو بان الدول العربية لم تعد تنظر لاسرائيل كعدو وانما كحليف.

·       ان الحقيقة المؤكدة الوحيدة هى ان الارهاب الاكبر والأخطر الذى نتعرض له جميعا هو الارهاب الصهيونى برعاية وحماية ودعم وتحريض الولايات المتحدة الامريكية.

·        وان الشعب الفلسطينى هو الذى يواجهه وحده نيابة عن الامة العربية ودولها وانظمتها الحاكمة التى اصبحت تلتزم الصمت خوفا او تواطؤ.

·       بل انها بدلا من ان تصدر قراراتها بعد كل عدوان او جريمة حرب صهيونية جديدة، بقطع العلاقات وطرد السفراء ودعم المقاومة، فانها تستمرئ المشاركة فى احكام الحصار وفرض العقوبات على غزة والضغوط المستمرة لكسر الارادة الفلسطينية والشيطنة لكل ما هو فلسطيني.

·       وحين يغضب الشباب العربى خارج فلسطين ويقرر التضامن مع اهله فى الارض المحتلة، يكون عرضة للتصفية والاغتيال على ايدى الاستخبارات الصهيونية كما حدث للشهيد التونسى"محمد الزواوى"، او عرضة للمطاردة والاعتقال والسجن على أيدى اجهزة الامن العربية.

     ثم يأتى خبراؤهم بعد كل ذلك ليتساءلوا عن أسباب الغضب والتطرف والعنف فى العالم العربى!

*****

 القاهرة فى 3 ابريل 2018