التواصل بالبريد الالكترونى

بحث فى المدونة

الاثنين، 13 أغسطس 2018

يا ضحايا امريكا .. اتحدوا




يا ضحايا امريكا .. اتحدوا
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

لا تستطيع مصر ان تختار رئيسا للجمهورية لا يوافق عليه الامريكان، ولا تستطيع ان تتخذ من القرارات ما يغضب (اسرائيل)، ولا تستطيع ان تتحرر من قيود كامب ديفيد المفروضة عليها فى سيناء، ولا ان تكسر الاحتكار الامريكى لغالبية التسليح المصرى، ولا ان ترفض المعونة الامريكية ولا ان تعترض على شروطها المهينة والمجحفة التى لا تنتهى، ولا تستطيع ان توقف التسهيلات اللوجستية للبوارج الامريكية فى قناة السويس حتى لو كانت فى طريقها لغزو العراق، ولا تستطيع ان تقيم علاقات ومصالح خاصة مع كوريا الشمالية، ولا تستطيع ان تخرج من الاحلاف الامريكية العسكرية فى المنطقة ولا ان تلتحق بأحلاف مستقلة او مناوئة للولايات المتحدة، ولا تستطيع ان تقول لا لنادى باريس وصندوق النقد والبنك الدوليين، ولا تستطيع ان تستقل اقتصاديا، ولا ان تحرر عملتها من الدولار.
 مائة شرط وشرط تلزمنا بهم امريكا منذ ان سقطنا فى مستنقع التبعية منذ ما يقرب من اربعين عاما.
***
·       ولا تستطيع إيران أو مصر أو اى بلد خارج النادى النووى الحالى ان تسعى الى امتلاك السلاح النووى، لتحقيق توازن الردع مع كيان استعمارى عدوانى نووى كالكيان الصهيونى.
·       ولا تستطيع تركيا او مصر أو أى دولة فى العالم ان تمارس سيادتها وتطبق قوانينها على المواطنين الامريكيين على ارضها، والا تعرضت لشتى انواع العقوبات.
·       ولا يستطيع الفلسطينيون منذ 70 عاما ان ينالوا ولو جزء ضئيلا من ارضهم وحقوقهم، او ان يُفَعِّلوا ولو قرارا دوليا واحدا صدر لصالحهم، او ان يتقوا شر (اسرائيل) ومذابحها وجرائها اليومية، بسبب الحماية الامريكية.
·       ولا قيمة دولية او قانونية او تفاوضية لإجماع كل دول العالم على ان القدس عاصمة لفلسطين، فيما لو قرر الرئيس الامريكى عكس ذلك.
·       ولا تستطيع دولة كلبنان ان تحافظ على توازنها الداخلى الحساس تجنبا للحرب الاهلية، الا وتتعرض لضغوط وتهديدات وعقوبات امريكية.
·       ولن تستطيع الشعوب العربية ان تتحرر أو تستقل أو تتقدم فى ظل كل هذا الوجود والهيمنة الامريكية فى المنطقة من أول التبعية الكاملة لغالبية الانظمة العربية والخضوع الكامل للعائلات الحاكمة فى دول ودويلات النفط، ومرورا بعشرات القواعد الامريكية فى الاراضى العربية. ناهيك عن السيطرة الرأسمالية العالمية على معظم الثروات والاسواق العربية.
·       ولا تستطيع غالبية دول المنطقة ان تعترض على عربدة الطائرات الأمريكية فى سماواتها، لتقتل وتقصف من تشاء، أو دعمها وتمويلها وتسليحها لكل انواع المرتزقة والمليشيات فى المنطقة.
·       ولا يستطيع اى شعب ان يطمح الى العدل والحرية والثورة ضد الفقر والظلم والفساد والاستبداد، الا ويعانى من التدخل والاختراق الامريكى لاجهاض ثورته او احتوائها او حرفها عن مسارها.
·       ولا يستطيع اى نظام فى امريكا اللاتينية ان يخرج من الحظيرة الامريكية، ويسعى لتحقيق استقلالا سياسيا واقتصاديا حقيقيا، الا ويتم وضعه على القوائم السوداء ويتعرض للحصار وتدبير القلاقل والاضطرابات والانقلابات.
·       ولا تستطيع حتى الدول الكبرى مثل الصين وروسيا، ادارة مصالحها العليا والدفاع عن امنها القومى والاقليمى والدولى، والتطلع الى المشاركة فى ادارة النظام العالمى، بدون ان تتعرض للعقوبات والتهديدات والضغوط الامريكية.
·       حتى أقرب حلفاء الولايات المتحدة فى اوروبا الغربية، لم يسلموا من التسلط والأذى الأمريكى، ولىِّ الأذرع عسكريا واقتصاديا وسياسيا، الى درجة انهم لا يستطيعون ان يقيموا علاقات خارجية طبيعية مع اى دولة يعاديها الامريكان.
·       ولا تستطيع دول اى منطقة اقليمية فى العالم، ان تتعايش فى سلام ووئام بمنأى عن التدخل والاستقطاب والاحلاف الامريكية.
·       ولا يوجد حزب او تيار او مؤسسة فى العالم تتصدى للاستعمار الأمريكى ونفوذه ومصالحه فى بلادها، الا وتجد نفسها على قوائم الارهاب الامريكية.
·       ولا توجد دولة او مؤسسة او شخصا فى العالم، بمنأى عن قرارات وقوانين وعقوبات الكونجرس الامريكى، وكأنه برلمان العالم كله.
·       ولا توجد حضارة او ثقافة او ديانة فى العالم، لم تتعرض لمحاولات الاختراق والهيمنة الثقافية من قبل اجهزة الاستخبارات الامريكية.
·       ولا يوجد مواطن واحد سَوىِ فى اى بلد من بلدان العالم، الا ويتجرع السم كل يوم وهو يشاهد السيد الامريكى يمارس جبروته وعنصريته على كل شعوب العالم وكأنهم عبيد لديه.
·       او يرى رؤسائه وملوكه وجيوشه وبرلماناته يقدمون فروض الولاء والطاعة للسيد الأمريكى، طامعين فى رضاه، ومتجنبين كل ما يمكن ان يغضبه منهم أو يقلبه عليهم.
·       ولا يوجد انسان حر او متدين فى مشارق الارض ومغاربها، أىً كان دينه، يمكن ان يخضع ويستسلم الى ما يحاول الامريكان ترويجه طول الوقت من انه لا حول ولا قوة الا بهم.
***
كل شعوب العالم، على اختلافاتها وصراعاتها وتنوعاتها الفكرية والحضارية ودرجات تقدمها وقوتها، تعانى بشكل أو بآخر من الجبروت الامريكى. ولكنها رغم ذلك، ويا للعجب، تخشى أن تتوحد فى مواجهته.
*****
 القاهرة فى 13 اغسطس 2018

الجمعة، 10 أغسطس 2018

الرهان على خوف الناس



الرهان على خوف الناس
محمد سيف الدولة

ما الذى يستطيع الانسان الطبيعى ان يتحمله اكثر من الثانى؟
1)   ان يعيش سالما فى منأى عن أذى السلطة ويدها الباطشة، مقابل ان يرضى بالذل والظلم والقهر ويعيش طول حياته جبانا خاضعا مستسلما لا يعارض، لا يتململ، لا يتأفف، لا ينطق؟
2)   أم أن يعيش حرا شجاعا يرفض الذل والظلم والقهر ويتحمل العواقب التى قد تكلفه حياته أو حريته أو أمنه ووظيفته واستقراره؟
***
تراهن الأنظمة المستبدة على الاختيار الاول، لأنها تتصور ان غالبية الناس تؤثر السلامة، تجنبا لبطش السلطة وأياديها الطايلة.
·       ولقد قالها صراحة شيخ القضاة المستشار "يحيى الرفاعى" عليه رحمة الله، حين قال ان الغالبية العظمى من القضاة ليسوا فدائيين، فرغم انهم يرفضون تزوير الانتخابات وتدخلات وهيمنة السلطة التنفيذية وينشدون استقلالهم واستقلال القضاء، الا انهم ليسوا فدائيين، بمعنى انهم ليسوا على استعداد لتحدى السلطة التنفيذية والتعرض لتنكيلها.
·       ما قاله الرفاعى، ينطبق من منظور الحاكم المستبد، على غالبية المواطنين، فهم ايضا ليسوا فدائيين، وقليل القليل منهم الذي لديه الرغبة او القدرة على تحدى السلطة، اى سلطة، واى متابع سيكتشف بسهولة ان نسبة الموظفين فى اى مؤسسة او شركة عامة أو خاصة الذين يخاطرون بتحدى رؤسائهم لا تتعدى ١ ٪ وربما اقل.
***
ولكن فى المقابل:
·       ما الذي يدفع كل هذا العدد من المفكرين والسياسيين والكتاب والشخصيات العامة والشباب وكل الذين يتمتعون بتاريخ مشرف وتعليم جيد وثقافة واسعة ووعى وذكاء لا بأس به بالإضافة الى حسن تقدير للامور، ان يستمروا فى نقد ومعارضة عبد الفتاح السيسى ونظامه ومؤسساته، رغم علمهم وتيقنهم من العواقب التى يمكن أن تطالهم بدءا بالحصار والتشهير والمنع من الكتابة نهاية بالإعتقال والسجن؟
·       ولماذا يرفض كبار الكتاب رفضا قاطعا اى تعديل او مونتاج او توجيه او رقابة على مقالاتهم، حتى لو كان الثمن، المنع من الكتابة والنشر وخسارة قنواتهم الوحيدة للتواصل مع قرائهم؟
·       ولماذا يكون هؤلاء الكتاب المحظورون محل احترام وتقدير عشرات المرات من أمثالهم الذين قرروا التواؤم مع السلطة والخضوع لخطوطها الحمراء؟
·       لماذا لا يهرب ويتراجع المتظاهرون امام الغاز المسيل للدموع وهراوات الامن المركزى؟
·       لماذا تؤدى التهديدات الامنية للمعارضين الى نتائج عكسية، فيزدادوا تحديا ومعارضة؟
·       لماذا تحتفى القوى السياسية على مر التاريخ بقياداتها وعناصرها التى صمدت ولم تكسرها اجراءات التحقيق والتعذيب وسنوات السجن والاعتقال الطويلة؟
·       لماذا تحرص كل شعوب العالم فى مناهجها التعليمية وفى اعمالها الأدبية على ابراز وتخليد وتمجيد قيم الشجاعة والاقدام والتضحية فى مواجهة كل انواع البغى والظلم والقهر والعدوان؟
·       ما الذي دفع كل هذا العدد من القضاة، رغم ما يتمتعون به من حصانة وامتيازات ومكانة خاصة، الى القيام بانتفاضتهم عام ٢٠٠٦؟
·       لماذا تعج مصر وغيرها من البلدان بهذا الكم الهائل من حركات المعارضة والتنظيمات العلانية او السرية على امتداد قرن من الزمان، رغم ان السلطات والقوانين واحكام القضاء لم تكف عن مطاردتهم والقبض عليهم والتمثيل بهم؟
·       لماذا يعلم غالبية المعتقلين ان احتمال الافراج عنهم فى القريب العاجل بعيد الاحتمال، وأنهم قد يموتون فى السجون ورغم ذلك يرفضون الخضوع والاستسلام؟
·       وهو ما ينطبق على كل المعتقلين السياسيين على مر العصور؛ ينطبق على الوفدين والشيوعيين والاخوان فى الخمسينات والستينات، وعلى الناصريين والشيوعيين فى السبعينات والثمانينات وعلى المعتقلين فى السنوات الأخيرة؟
·       لماذا لم يتوقف الشباب عن التظاهر بعد سقوط كل هذا العدد من الشهداء فى جمعة الغضب فى ٢٨ يناير2011؟
·       ولماذا حدث نفس الشئ مع الاسلاميين بعد رابعة واخواتها؟
·       لماذا لا يستسلم آلاف الاسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال؟
·       ولماذا يتسابق شبابهم على الاستشهاد كل يوم؟
***
انها النفس البشرية التى جبلها الله على العزة والكرامة..
 ولكن حتى لو ظهرت للوهلة الأولى، صحة رهانات الأنظمة المستبدة وفاعلية استثماراتها الأمنية والبوليسية فى خوف الناس، فان كل هذا مؤقت وغير مضمون العواقب؛ فحين تأتى الشرارة التى تولد الانفجار، مثل شرارة محمد بوعزيزي فى تونس او خالد سعيد فى مصر أو محمد الدرة فى فلسطين، أو هزة وطنية كبرى مثل نكسة 1967 أو افقار جماعى مثل رفع الأسعار فى 1977 أو انهيار اقتصادى مثلما حدث فى بلدان كثيرة مثل اندونسيا عام 1998، او انتفاضة عمالية مثل المحلة الكبرى فى ابريل 2008، او سقوط ضحية جديدة تحت التعذيب فى قسم شرطة فى احدى المناطق الشعبية، او فتنة طائفية مثل الزاوية الحمراء 1981، أو فجيعة قومية مثل غزو العراق فى 2003 أو مذبحة صهيونية جديدة مثل صابرا وشاتيلا 1982، أو عدوى عربية مثل تفجر ثورة شعبية فى قطر شقيق 2011، والأمثلة والدروس كثيرة ومتعددة ... حينها يتبخر الخوف فى ثوان معدودات، وتنطلق انفجارات نووية من الغضب والعنف والرغبة فى الثأر والانتقام بلا حدود، بعد أن يكون قد فات الأوان.
ولم يحدث من قبل فى تاريخ أى بلد من بلاد العالم، أن استمر الشعب خائفا مستسلما خاضعا الى ما شاء الله.
ومن ثم فعلى أى سلطة رشيدة، ان تحسبها بالعقل والمنطق، وان تقرأ التاريخ وتستوعبه جيدا، وأن تدرس طبيعة النفس البشرية وقدرتها على التحمل، وان تتعرف على شخصية شعبها وتحترمها وتتقى غضبها ولا تستهين بها، وأن تعلم ان هناك حدودا لكل شئ، حدودا لقوة الردع والبطش والاذلال، وحدودا للخوف وحدودا للصبر.
*****

القاهرة فى 10 أغسطس 2018


الأربعاء، 8 أغسطس 2018

إغواء المقاومة الفلسطينية




إغواء المقاومة الفلسطينية
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

·       هل سينجح الحصار الصهيونى لقطاع غزة فى كسر ارادة المقاومة الفلسطينة، كما نجح من قبل اجتياح بيروت وحصار المقاومة واخراجها الى المنافى وعزل قيادتها فى كسر ارادة منظمة التحرير الفلسطينية واستدراجها وتوريطها للتوقيع على اتفاقيات اوسلو؟
·       وهل ستنجح معادلة ترامب: "المال مقابل السلام" في ترويض حكام القطاع؟
اسئلة مشروعة ومنطقية يطرحها اليوم كل الذين قضوا السنوات العشر الماضية يدعمون المقاومة ويراهنون عليها ويدافعون عنها فى مواجهة كل حملات الشيطنة والتشويه التى تعرضت لها؟
***
بدأت مثل هذه الشكوك والتساؤلات مع اصدار حركة حماس لوثيقتها الجديدة عام 2017 التى أعلنت فيها قبولها بدولة فلسطينية على حدود 1967، والتى قد كتبت عنها حينذاك مقالا بعنوان "وثيقة حماس طلب عضوية فى نادى التسوية". ثم هدأت شكوكنا وكادت أن تتلاشى مع انطلاق التظاهرات السلمية على حدود القطاع تحت عنوان مسيرات العودة التى ارتقى فيها حتى تاريخه ما يقرب من 160 شهيد، والتى كانت ابلغ رد على القرار الامريكى بالاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لاسرائيل.
ثم ترامت الى اسماعنا، بعض الانباء الغامضة عما يسمى بصفقة القرن، وعن اقتراحات امريكية بتخفيف الحصار وتحسين الوضع الإنساني فى غزة. ولكن حالة التصعيد واعداد الشهداء الكبيرة كانت تدفعنا الى استبعاد ان تكون غزة قد قبلت الخطة الامريكية، لان من ينوى الدخول فى تهدئة او تسوية ما، لا يضحى بكل هذا العدد من الشهداء.
الى ان تم الاعلان صراحة في الايام القليلة الماضية من كافة الاطراف المعنية فى مصر وفى غزة وفى (اسرائيل) وفى الولايات المتحدة الامريكية، ان هناك بالفعل مفاوضات حمساوية اسرائيلية غير مباشرة، برعاية ووساطة مصرية من اجل الاتفاق على تهدئة طويلة بين اسرائيل والقطاع يجرى التفاوض اليوم حول شروطها وتفاصيلها.
***
وبالتالي لم يعد بالامكان نفى أو انكار ما يدور، كما لم يعد بالامكان الصمت عنه، فمن واجب كل المعنيين بفلسطين وقضيتها أن يدلو بدلوهم قبل أن تقع الواقعة، وأن يعلنوا صراحة بأنهم ضد أى تهدئة أو هدنة طويلة مع (اسرائيل) وفيما يلى بعض التفصيل:
1)   كانت المهمة الأولى لأى حركة مقاومة فى مواجهة مثل هذا الكيان الاستيطاني الاحلالى على امتداد كل مراحل الصراع، هي حرمانه وتجريده الدائم والمستمر من الشعور بالأمن والاستقرار على الارض المغتصبة، وهذا بالتحديد هو السبب الذي يدفع قادة الكيان لطلب التهدئة وقبولها اليوم.

2)   كما أن تجاربنا مع اتفاقيات الهدنة مع العدو الصهيونى بالغة السوء، من أول اتفاقيات 1949 الى آخر اتفاق وقف إطلاق النار فى عدوان الجرف الصامد عام 2014.

3)   ولقد اثبت العقود الماضية ان القضية الفلسطينية تحتفظ بمركزيتها وحرارتها وتتصدر كافة قضايا المنطقة وتستقطب اهتمام الراى العام العالمى، فقط حين تكون المقاومة مستعرة، اما فى أجواء التهدئة والهدنة والتسوية والتفاوض فانها تتعرض للتهميش والانزواء فى ذيل اولويات الجميع.

4)   كما ان استمرار المقاومة الشعبية والمسلحة للاحتلال هو وحده القادر على ابقاء القضية حية ومتجددة لدى الشعوب العربية، فهو يعبئ ويستقطب كل يوم قطاعات جديدة من الشباب العربى، تتسلم الراية من جيل الآباء والأجداد لتستكمل مسيرة التضامن والدعم للقضية.

5)   كما ان التهدئة او الهدنة الطويلة مع العدو ستشجع مزيد من اليهود الصهاينة على الهجرة الى فلسطين، كما انها ستوقف أو تخفض من الهجرة اليهودية العكسية التى تزداد معدلاتها دائما مع تصاعد حركة المقاومة، كما انها ستعمل على تشجيع وتنشيط عملية الاستيطان المتنامية فى الضفة الغربية.

6)   وحتى لو لم تكن كل هذه الاسباب قائمة، فان قرار ترامب الأخير بالاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، يشكل وحده سببا كافيا، لتفجير انتفاضة فلسطينية جديدة وتصعيد عمليات المقاومة الى ابعد مدى، فكيف نأتى اليوم ونقبل التهدئة وكأننا نشارك فى تمرير هذا الاغتصاب الجديد، ونوجه رسالة الى الراي العام العربى والعالمى، ان فك حصار عن غزة له الاولوية على قضايا الارض والتحرير وعلى الثوابت الوطنية والمقدسات الدينية؟!

7)   كما انه بالإضافة الى ضرورة التصدى لقرار ترامب، فان هناك هدفا اضافيا لتصعيد المقاومة فى هذه المرحلة بالذات هو اجهاض ما يسمى بصفقة القرن التى تهدف الى دمج اسرائيل فى المنطقة وتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية من خلال بناء تطبيع بل وتحالف عربى/خليجى واسع معها بدون الزامها بتقديم أى تنازلات للفلسطينيين؛ لا انسحاب ولا ايقاف لعمليات الاستيطان، ولا دولة على حدود 1967.

8)   أما القبول بالتهدئة مع (اسرائيل) الآن، فهو بمثابة مشاركة بوعى أو بدون وعى فى المشروعات الامريكية الاسرائيلية الشريرة المطروحة اليوم حول القضية، سواء سميت بصفقة القرن أو بأى اسم آخر.

9)   يطمئننا بعض الاخوة فى غزة فيقولون: "اننا سنوقع اتفاقا للتهدئة بدون ان نعترف بإسرائيل او نقبل بنزع سلاح المقاومة." ونرد عليهم بان هذا بالفعل موقفا مبدئيا طالما كان يميزكم عن السلطة الفلسطينية بل كان هو أحد الدوافع الرئيسية وراء حالة التضامن الشعبى العربى معكم، ولكن عذرا اخوتنا الاعزاء، ما قيمة عدم الاعتراف بإسرائيل مع تركها تبتلع الارض فى هدوء؟ وما معنى ان الاحتفاظ بسلاح المقاومة فى السراديب والمخازن؟ فلقد كان لمنظمة التحرير الفلسطينية فى لبنان، ترسانة هائلة من السلاح بما فى ذلك الأسلحة الثقيلة، وكذلك كان للسوريين قبل خروجهم من لبنان، وكذلك هو الحال فى كل مخازن الدول العربية الكبرى، ولكنه سلاح منزوع من أى رغبة أو ارادة لقتال او مواجهة (اسرائيل).

10)         ان لكل الاطراف التى تفاوضكم وتحرضكم وتغويكم على التهدئة اليوم، مصالح واجندات ابعد ما تكون عن مصلحة فلسطين وقضيتها وحركات المقاومة فيها، فلمصر كامب ديفيد على سبيل المثال، مهمة استراتيجية محفوظة ومعروفة منذ اربعين عاما ومنصوص عليها صراحة فى كل ديباجات ونصوص المعاهدة، وهى توسيع وتعريب السلام مع اسرائيل، بما يتضمنه من تنازل عربى/فلسطينى عن ارض 1948 والاعتراف بشرعية (اسرائيل)، وانهاء المقاومة ونزع سلاحها والاعتماد على التفاوض كاسلوب وحيد لنيل الحقوق الفلسطينية، ولذلك فلقد كانت منذ البداية طرفا أصيلا فى فرض الحصار على غزة، وفقا لاتفاقياتها مع (اسرائيل) وعلى راسها اتفاقية فيلادلفيا الموقعة فى سبتمبر2005.

11)         وبالقدر الذي تنجح فيه مصر الرسمية في تأدية هذا المهمة وهذا الدور، بالقدر الذي تعلو فيه اسهمها لدى الامريكان واسرائيل ومجتمعهما الدولى. وهو الدور الذي نمى وتصاعد فى السنوات الاخيرة بحيث أصبحنا بصدد انحيازا مصريا واضحا وعلنيا للجانب الاسرائيلى.

12)         اما عن (اسرائيل) فأنتم أعلم من الجميع بطبيعتها الاجرامية وبتربصها الدائم بالارض والشعب وبالمقاومة والسلاح، وبغدرها المعتاد باى معاهدات أو تفاهمات او اتفاقات، وآخرها قيامها باعادة اعتقال الاسرى المحررين فى صفقة تبادل الاسرى عام 2011 المشهورة باسم صفقة شاليط، التى تمت برعاية مصرية أيضا.

13)         ان اى تصورات بان (اسرائيل) ستقبل بفك الحصار عن القطاع، وإطلاق حركة الافراد والبضائع الى القطاع بدون حظر او مراقبة، بمعنى إطلاق حرية الشعب الفلسطينى فى السفر والحركة والانتقال والدخول والخروج والاتصال بالعالم الخارجى أو بسد احتياجاته المعيشية وتحقيق استقلاله الاقتصادي عن الاحتلال، بدون أن تحصل فى المقابل ومقدما على أثمان باهظة هى محض اوهام. لن يعطوكم شيئا، والا كانوا فعلوها مع ابو مازن وجماعة اوسلو، والايام بيننا.

14)         ليس المطلوب منكم اليوم هو التهدئة بأى حال من الأحوال، بل التصعيد على طول الخط، واستكمال ما بدأتموه فى مسيرات العودة، ونقل هذه الحالة الى الضفة الغربية، والالتحام مع اهالينا من عرب 1948 الذين تم تجريدهم رسميا من حقوق المواطنة بقانون القومية الأخير، وتنظيم حملات دولية لنزع الاعتراف بشرعية اسرائيل بعد أن افصحت عن وجهها العنصري المقيت، واجبار حكام الخليج والحكام العرب على التراجع عن سياسات التطبيع الجارية الان، واجهاض مشروع الناتو العربى الاسرائيلى، ووأد كل ما يتردد من افكار ومقترحات ومبادرات وتحركات تحت عنوان صفقة القرن، وهزيمة القرار الامريكى بنقل السفارة والاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لاسرائيل الذى رفضته كل دول العالم وغيره الكثير.
اياكم والتهدئة مع العدو الصهيونى، فلا يوجد ظروف انسب من اليوم للتصعيد.

15)         اننا ندرك الظروف غير الانسانية شديدة القسوة التى يعيشها اهالينا فى غزة نتيجة الحصار الذى يدخل عامه الحادى عشر، ولذا فاننا نناشد كل الاخوة والرفاق فى القوى والحركات الوطنية العربية من خارج فلسطين، الا يتركوا (اسرائيل) ورعاتها الدوليين وحلفائها الاقليميين ينفردون بالشعب الفلسطينى ومقاومته كما يحدث الآن، حتى لا نصبح شركاء لهم فى هذه المذبحة الجديدة التى يدبرونها لفلسطين، فالضغوط هائلة والظروف فوق الاحتمال والارواح بلغت الحلقوم.
*****

 القاهرة فى 8 اغسطس 2018



السبت، 4 أغسطس 2018

البحث عن رجل أعمال وطنى



البحث عن رجل أعمال وطنى
محمد سيف الدولة

·       على امتداد عقود طويلة وبالتحديد منذ نهاية حرب ١٩٧٣، شاركت كل اطياف المجتمع فى كل المعارك الوطنية، من اول رفض التبعية المصرية للأمريكان 1974 ـ 2018 واتفاقيات كامب ديفيد 1978 ـ 1979، والتطبيع مع (اسرائيل) ومناهضة الغزو الأمريكي للعراق، ودعم المقاومة الفلسطينية، حتى معركة الدفاع عن مصرية تيران وصنافير.
·       شارك الجميع فيها، فيما عدا فئة واحدة لم يظهر منها ولو شخصا واحدا يوحد ربنا ضبط متلبسا فى اى معركة وطنية، هى فئة رجال الأعمال التى تسمى فى الكتابات المتخصصة بالطبقة الرأسمالية المصرية.
·       لم يكتفوا بالتزام الصمت والسلبية وعدم المشاركة، بل على العكس تماما، كانوا يقفون وينحازون على الدوام الى الاطراف والمواقف غير الوطنية.
·       بل كانوا هم الطابور الخامس الذى اخترقت منه قوى الراسمالية العالمية بقيادة الأمريكان والشركات متعددة الجنسية ومؤسسات الاقراض الدولى، مصر لتدمير اقتصادها الوطنى ونهب ثرواتها.
·       وكانوا هم ايضا الثغرة التى اخترقت منها (اسرائيل) الاسواق المصرية وحائط المقاطعة الشعبية من خلال اتفاقيات وصفقات البترول الغاز والكويز والشتلات الزراعية والسياحة وغيرها، وكل هذا بالطبع بتوجيه ومباركة الدولة المصرية.
·       كل النقابات المهنية والعمالية والاحزاب السياسية والمفكرين والكتاب والفنانين المصريين وقفوا ضد التطبيع مع (اسرائيل)، الا رجال الاعمال فقط الذين وقفوا منفردين فى صف الدولة يعقدون الصفقات مع العدو الصهيونى ويترددون على سفارته ويشاركونه فى الاحتفال بأعياده القومية.
·       وهم يدينون فى جزء كبير من وجودهم للولايات المتحدة الامريكية التى كان لها الدور الابرز فى اعادة تأسيس وبناء طبقة رأسمالية مصرية، من خلال اموال المعونة الاقتصادية التى كانت تبلغ 815 مليون دولار بما فى ذلك برنامج الاستيراد السلعى الامريكى والتى تم من خلالها ترسية مئات الصفقات والعقود بتسهيلات خيالية على نخبة مختارة من رجال الاعمال والشركات المصرية الذين أصبحوا اليوم يتصدرون السوق المصرى ويستأثرون بالنصيب الاكبر من ثروات البلاد، على حساب عشرات الملايين من فقراء المصريين.
·       الغالبية العظمى منهم مجردة من أى مبادئ أو قيم وطنية، طلاب مصلحة يعبدون المال وينافقون اى سلطة وأى نظام وعلى استعداد للتعاقد من الشيطان نفسه اذا كان فى ذلك أى ربح ومكسب.
·       كانوا هم رأس الحربة فى ضرب الصناعات الوطنية بعد أن تحول قطاع واسع منهم الى سماسرة واصحاب توكيلات يبيعون الاسواق المصرية للمنتجات الاجنبية.
·       اشتروا شركات القطاع العام وقاموا بتفكيكها على طريقة وكالة البلح فى تفكيك السيارات المسروقة وبيعها قطع غيار.
·       أخذوا الاف الافدنة من الدولة بتراب الفلوس، وحولوها الى قروض وتمويلات من البنوك بمئات الاضعاف من ثمنها، ثم الى منتجعات سكنية وسياحية تباع وحداتها بملايين الجنيهات.
·       استولوا على قروض البنوك بأقل ضمانات أو بضمانات وهمية ومزورة.
·       كونوا ثروات هائلة عن طريق الدولرة والمضاربة فى العملة، لتضاعف ثرواتهم عدة مرات مع كل تخفيض للجنيه امام الدولار.
·       بل كانوا هم القلة الضئيلة الوحيدة فى مصر التي استفادت واحتفت بالانهيار الاخير للجنيه وسط معاناة وصرخات غالبية المصريين من كل الطبقات.
·       ضللوا الناس ونجحوا فى اختراق ثورة يناير وركبوها بأموالهم وصحفهم وقنواتهم الفضائية، ليكونوا فيما بعد فى طليعة الثورة المضادة.
·       انهم الطابور الخامس الحقيقى فى مصر ولا أمل لهذ الشعب الطيب طالما يسيطر هؤلاء على اقتصاد البلاد ويستأثرون بثرواتها وينهبون خيراتها.
*****
القاهرة فى 4 اغسطس 2018

الثلاثاء، 31 يوليو 2018

خنساء نابلس وأفلام هوليود



خنساء نابلس وأفلام هوليود
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

"إنقاذ الجندى رايان هو فيلم أمريكي" شهير تدور أحداثه فى الحرب العالمية الثانية حيث فقدت ام امريكية، ثلاثة من ابنائها فى الحرب فقررت القيادة العسكرية الامريكية ان ترسل مجموعة من الجنود لإنقاذ ابنها المتبقى "ريان" من أتون المعارك الجارية وإعادته الى والدته سالما.
حصد هذا الفيلم خمس جوائز أوسكار، وتفاعل معه حين تم عرضه، جمهور طويل عريض يقدر بمئات الملايين من المشاهدين على مستوى العالم. تأثروا به وذرفوا الدموع على وقائعه التى لا تعدو ان تكون قصصا من وحى الخيال.
أما الملاحم الانسانية والبطولية الحقيقية التى تفوق هذا الخيال والقادمة من ارض فلسطين الحبيبة، فانها لا تجد من يتوقف عندها وينشرها ويخلد ذكرى ابطالها، ويبرز قضيتهم للراي العام العالمى.
***
ومن أروعها قصة خنساء نابلس، السيدة الفاضلة "فاطمة أبو ليل" أو أم مهيوب التى وافتها المنية بمخيم بلاطة شرق نابلس شمال الضفة المحتلة منذ ايام قليلة.
يطلقون عليها الخنساء أسوة بالشاعرة الصحابية "تماضر بنت عمرو السلمية" التى فقدت اربعة من ابنائها فى معركة القادسية عام 16 هـ ـ 638 م .
فالسيدة "أم مهيوب" هي والدة لخمسة شهداء هم "مهيوب وخالد ومحمد وحسني وسمير". بالإضافة لابنها حسين الأسير الحالى فى سجون الاحتلال والمحكوم عليه "بخمسة" مؤبدات. أما أبناؤها الأربعة الآخرين فجميعهم أسرى محررين. وكان زوجها المناضل "مصطفى أبو ليل " أول أسير في مخيم بلاطة عام 1967.
***
وهي ليست الخنساء الوحيدة فى فلسطين، فمثلها كثيرات، فهناك السيدة فاطمة الشيخ خليل "ام رضوان" التى قدمت هى ايضا خمسة شهداء هم شرف وأشرف ومحمود ومحمد واحمد خليل الشيخ خليل.
***
وكذلك السيدة مريم محمد يوسف محيسن او "ام نضال فرحات" 1949 ـ 2013 الملقبة بخنساء فلسطين التى كانت نائبة فى المجلس التشريعى وقدمت ثلاثة من ابنائها شهداء محمد ونضال ورواد وقضى ابنا رابع لها 11 سنة فى سجون الاحتلال، وكانت تخفى المطلوبين والمطاردين من شباب المقاومة فى منزلها، الذي قامت القوات الصهيونية بقصفه أربع مرات، كما قامت باغتيال القائد عماد عقل فيه.
وغيرهن الكثير.
***
ان التعرف على حكايات ام ميهوب وام رضوان وام نضال من قريب، يصيب المرء بالحيرة والذهول، صحيح اننا نرى مشاهد اهل الشهيد بشكل شبه يومى فى فلسطين، لكن ظواهر مثل امهات "لشهداء بالجملة" هى ظواهر انسانية فذة، نقف امامها عاجزين عن الاستيعاب؛ ما طبيعة هؤلاء القوم؟ ومن أين جاءهم كل هذا الايمان وكل هذه القدرة الفولاذية على التضحية والعطاء وعلى الصبر وتحمل الألم والفراق وطلب المزيد منه؟
انها ظواهر لا يجب أن نسمح لها بأن تمر مرور الكرام، بل علينا أن نحولها الى ايقونات مقدسة لقضيتنا ونضالنا ومعاناتنا امام العالم كله. فهل نفعل؟
*****

القاهرة فى 31 يوليو 2018