التواصل بالبريد الالكترونى

بحث فى المدونة

الثلاثاء، 24 يونيو 2014

أبو مازن و صورة الفلسطينى فى الوجدان العربى

أبو مازن و صورة الفلسطينى فى الوجدان العربى
محمد سيف الدولة

بجرأة وصراحة وفجاجة لا يحسد عليها، صرح ابو مازن فى مؤتمر منظمة التعاون الاسلامى، ان الانتفاضة الفلسطينية كانت كارثة وفوضى دمرت الشعب الفلسطينى، وانه لن يسمح بقيام انتفاضة أخرى، وانهم متمسكون بالتنسيق الامنى مع اسرائيل لحماية للفلسطينيين(هل يقصد حمايتهم من انفسهم!؟)، وانهم لا قبل لهم بمواجهة اسرائيل لا عسكريا ولا غيرعسكريا!
وبصرف النظر عن تهافت وهزيمة وفشل خيارات ابو مازن السياسية فى التفاوض والتنازل والاعتراف، الا انه فى كل مرة يدلى بمثل هذه التصريحات التى تقلل وتستهين وتسخر من قيمة نضال الشعب الفلسطينى وصموده، فانه يقوم من حيث يدرى أو لا يدرى، بتوجيه طعنة لصورة الشعب الفلسطينى المستقرة فى الوجدان العربى منذ عقود طويلة.
***
فلفلسطين وشعبها مكانة وقداسة من نوع خاص، فكل من يعيش اليوم فى الوطن العربى على اختلاف عمره، تربى منذ أن وعى على الدنيا، على مأساة فلسطين وحكايتها،
فهى تلك الأرض العربية التى تم اغتصابها من بيننا و أمام أعيننا،
تحررنا جميعا بعد الحرب العالمية الثانية، وبقيت هى مغتصبة، 
وهى الأرض التى تضامنا فى البداية للدفاع عنها وتحريرها، ثم سرعان ما تخلينا عنها وانفض الجميع من حولها، انشغالا بالهموم القطرية، او خوفا من اسرائيل وأمريكا، لنتركها وحيدة تواجه مصيرها ضد آلات القتل الغربية الصهيونية
و لنكتفى كل حين وآخر بإصدار بيان او تصريح ذرا للرماد فى العيون.
ولادراك الشعوب العربية جيدا ان المشروع الصهيونى يهدد كل الأمة بقدر ما يهدد فلسطين، ورغم ذلك تركوها تواجه مصيرها وحدها، فان فلسطين اصبحت تشكل عقدة الذنب الرئيسية لدى كل منا.
فمع كل يوم يستمر فيه الاحتلال لأرضها، أو يتكرر العدوان على شعبها، يشعر كل مواطن عربى انه شريك فى هذا الاحتلال والعدوان بشكل أو بآخر، فيؤرقه ضميره وكأنه ارتكب جريمة أو معصية.
ومما يزيد ويشعل من أزمة الضمير العربى تجاه فلسطين، هو حجم البطولات والتضحيات التى لم يتوقف الشعب الفلسطينى عن تقديمها جيلا بعد جيل على امتداد مائة عام، رغم حجم العدوان والقوة الباطشة التى يواجهها، ورغم وقوفه وحيدا أمامها.
وبالإضافة الى كل ذلك، فان فلسطين كانت بمثابة المدرسة التى تعلمنا فيها ومعها دروسا مصيرية وحقائق قاسية، كما كان صمود ونضال شعبها ملهما على الدوام للحركات الوطنية العربية:
تعلمنا معها كيف تآمر علينا العالم على امتداد قرن كامل فى اكبر جريمة استعمارية دولية؛ منذ بلفور والانتداب البريطانى والتقسيم والنكبة والإعلان الثلاثى ثم 242 وكامب ديفيد ووادى عربة وأوسلو.
وتعرفنا فيها لأول مرة على معنى العنصرية والإرهاب والمذابح والقتل والإبادة والاغتيال والإبعاد والتهجير واللاجئين والأسرى والمخيمات والمعابر والعالقين والمبعدين والاستيطان والتهويد والحصار والتجويع.
ورأينا فيها كيف تصنع الشعوب المستحيل وتقاوم جيلا بعد جيل رغم الخلل الهائل فى موازين القوى، رأيناه فى ثورتها الكبرى وفى الكفاح المسلح و الاعمال الفدائية وحركات المقاومة والانتفاضات والعمليات الاستشهادية.
ومن رموزها صنع الشباب العربى قدوته ونماذجه النضالية أمثال ابو جهاد ،ابو اياد ،ابو عمار ،احمد ياسين ، الرنتيسى، فتحى، الشقاقى، سناء محيدلى، دلال المغربى، آيات الأخرس، محمد الدرة، أطفال الحجارة، رائد صلاح، والآلاف غيرهم
وفى ساحات معاركها الوطنية والعقائدية، صاغت الامة مواقفها بشعارات ومبادئ يحفظها ويتبناها كل عربى وطنى من المحيط الى الخليج مثل: من البحر الى النهر، لن نعترف باسرائيل ، لا صلح لا تفاوض لا اعتراف، صراع وجود وليس حدود .
بل وأصبح إحياء ذكريات المعارك ضد العدو الصهيونى، ذكريات الاعتداء أو المقاومة، من المهام والطقوس الدائمة على برامج الحركات السياسية العربية: النكبة، دير ياسين، كفر قاسم، النكسة، معركة الكرامة، حريق المسجد الاقصى، حرب الاستنزاف، حرب اكتوبر،  تل الزعتر، يوم الأرض، عملية الليطانى 1978، سلام الجليل 1978، حصار بيروت 82 وصبرا وشاتيلا، الحرم الابراهيمى، قانا، انتفاضة الحجارة، انتفاضة الأقصى، حرب تموز، السفينة مرمرة، ، الرصاص المصبوب، عامود السحاب
وأصبحت الشعوب العربية تُقَّيم حكامها وتحاسبهم وفقا لمواقفهم من القضية الفلسطينية والصراع العربى الصهيونى، الذى تكسرت وانهارت على صخرته شرعيات انظمة وحكومات وحكام عرب كثيرين، فكانت قضية فلسطين مفرزة عربية وطنية كبرى.
كل ذلك وغيره الكثير أدى الى أن تقترن فلسطين والشخصية الفلسطينية في الوعي العربي على امتداد ما يزيد عن قرن من الزمان، بكل القيم والمعانى النضالية المثالية كالمقاومة والشهادة والتضحية والفداء والبطولة والصمود،
واصبح الفلسطينى عندنا، عن حق، هو ذلك الانسان المحتل المطرود المطارد المهجر اللاجئ المقاوم الاسير الشهيد المظلوم المحاصر العالق على المعابر،الموقوف على الحواجز، المضطهد صهيونيا ودوليا وعربيا، الذى لم ينكسر أبدا.
***
ولذلك، حين كان ينتوى أى نظام عربى أن يبيع القضية و يصطلح مع اسرائيل، فانه كان يمهد الطريق بالعمل على تشويه وشيطنة صورة الشعب الفلسطينى لدى مواطنيه، بحزمة من الأكاذيب مثل: انهم خونة، باعوا أراضيهم، ارهابيون، منقسمون، يهددون الأمن القومى، مرتزقة، غير واقعيين، يتصارعون على السلطة وعلى المناصب والرواتب، تجار للانفاق...الخ  
ولكن سرعان ما كنت تنكشف أكاذيبهم أمام اعمال المقاومة وتضحياتها.
لكن أن يتم التشويه هذه المرة على ايدى شخصية فلسطينية، ويا ليتها أى شخصية، فهو رئيس السلطة الفلسطينية، فيعلن على الملأ أنهم جبناء، لا قِبَّل لهم بالعدو الذى اغتصب اراضيهم وشردهم وقتلهم، وان المقاومة لا تعدو أن تكون لغوا ودمارا على الشعب الفلسطينى، الذى عليه أن يستسلم تماما لاسرائيل وأن يحتمى بها وان ينسق معها وأن يطارد ابناءه من المقاومين والمقاتلين ويسلمهم اليها، فانه ليس في هذا الرجل أو فيما قاله أى شئ من فلسطين التى نعرفها.
من أنت يا رجل؟
*****

القاهرة فى22 يونيو 2014

فلسفة الاستبداد وعنصريته

فلسفة الاستبداد وعنصريته
محمد سيف الدولة

نستكمل فى معا الجزء الثانى والاخير من رواية 1984 للكاتب الانجليزى جورج اورويل، التى قدم فيها تصوره وتشريحه لما يمكن تسميته "بالنظام الاستبدادى النموذجى" فى أى زمان أو مكان :
***
عنصرية :
كانت السلطة تحتقر الشعب،  فكان شعار الحزب ان ((غالبية الشعب والحيوانات احرار))
وكان يؤكد فى ادبياته على ان عامة الشعب طبقة وضيعة بالفطرة وانه يجب ابقاؤهم مذعنين كالحيوانات. وانهم ما داموا يعملون ويتكاثرون فتصرفاتهم الاخرى غير ذات اهمية، ولذلك فلقد ترك لهم الحبل على الغارب كقطيع من الابقار على مراعى الارجنتين، يعيشون نمطا من الحياة يتناسب مع طبائعهم. كانوا يولدون ويكبرون فى الازقة الفقيرة ثم يذهبون الى العمل فى السنة الثانية عشرة ويمرون مرورا عابرا فى مرحلة تمثل ذروة الجمال والرغبة الجنسية، وبعدئذ يتزوجون فى العشرين ويبلغون اواسط العمر فى الثلاثين، ويموت معظمهم فى الستين. كل ما يشغل بالهم العمل الجسدى الشاق ورعاية الاطفال والعناية بالمنزل والمشاجرات التافهة مع الجيران، ومشاهدة الافلام ولعب الكرة، ومن ثم لم تكن السيطرة عليهم امرا عسيرا؛ اذ يكفى ان تندس ثلة قليلة من عملاء الشرطة بينهم، ينشرون الاشاعات المغرضة، حتى يتعرفوا على القلة منهم التى يعتقد انها مكمن الخطر فسيتأصلون شافتهم.
ولم تسجل اية محاولة لغرس ايديواوجية الحزب فيهم اذ لم يكن من المرغوب فيه ان يكون لدى عامة الشعب وعى سياسى قوى؛
فكل ما هو مطلوب منهم هو وطنية بدائية أو حالات محسوبة من السعار الوطنى، يمكن ان يتم اللجوء اليها حينما يستلزم الامر، لاقناعهم بقبول ساعات عمل اطول اولحصص اقل من السلع التموينية.
بل وحتى عندما كان ينتابهم شعور بالسخط، كما يحدث احيانا، فان سخطهم لم يكن ليفضى الى شئ كونهم يعيشون بلا مبادئ عامة، ولذلك كانوا يركزون غضبهم على تظلمات خاصة وقليلة الاهمية. فالأخطاء الكبرى لا تسترعى انتباههم.
***
وارهاب :
ثم يقدم "أورويل" فلسفة الاستبداد والمستبدين ورؤية النظام لذاته وللآخرين، على لسان أحد محققى السلطة مخاطبا أحد المعتقلين أثناء تعذيبه :
اننا ندرك انه ما من احد يمسك بزمام السلطة وهو ينتوى التخلى عنها. ان السلطة ليست وسيلة بل غاية، فالمرء لا يقيم حكما استبداديا لحماية الثورة، وإنما يشعل الثورة لإقامة حكم استبدادى. ان الهدف من الاضطهاد هو الاضطهاد، والهدف من التعذيب هو التعذيب وغاية السلطة هي السلطة.
ان الإنسان يؤكد سلطته على انسان آخر بجعله يقاسى للألم.
فالطاعة وحدها ليست كافية، وما لم يعان الانسان الالم، كيف يمكنك ان تتحقق من انه ينصاع لإرادتك لا لإرادته هو؟
ان السلطة هي إذلاله وإنزال الألم به، وهى ايضا تمزيق العقول البشرية الى اشلاء ثم جمعها ثانية وصياغتها فى قوالب جديدة من اختيارنا.
اننا نعمل على خلق عالم من الخوف والغدر والتعذيب، عالم يدوس الناس فيه بعضهم بعضا، عالم يزداد قسوة كل يوم، اذ التقدم فى عالمنا هو التقدم باتجاه مزيد من الالم.
 لقد زعمت الحضارات الغابرة انها قامت على الحب والعدالة اما حضارتنا فهى قائمة على الكراهية، ففى عالمنا لا مكان لعواطف غير الخوف والغضب والانتشاء بالنصر واذلال الذات، واى شئ خلاف ذلك سندمره تدميرا.
اننا نعمل على تفكيك العلاقة بين الطفل ووالديه، وبين الصديق وصديقه، وبين الرجل والمرأة، ولم يعد احد يجرؤ على الثقة بزوجته او طفله او صديقه، سينعدم كل ولاء ليس للحزب، وسيباد كل حب غير حب الاخ الكبير.
هناك دائما عدو للمجتمع، يمكن قهره واذلاله المرة تلو الاخرى.
لن تتوقف مطلقا عمليات التجسس والخيانة والاعتقالات والتعذيب واحكام الاعدام وحوادث اختفاء الناس
اننا نسيطر على الحياة فى جميع مستوياتها،
انك تتخيل ان هناك شيئا اسمه الطبيعة الانسانية سيغضبها ما نفعله، ومن ثم فانها سوف تنقلب علينا، ولكن ما لاتعرفه هو اننا نعيد خلق الطبيعة الانسانية، فالانسان قابل للتحول بشكل غير محدود، او لعلك عدت الى فكرتك القديمة التى مفادها ان العامة او العبيد سيثورون علينا ويطيحون بنا من سدة الحكم. اخرج هذه الفكرة من ذهنك تماما لان هؤلاء عاجزون عجز الحيوانات ولان البشرية هى الحزب نفسه وما عدا ذلك فهو معدوم الاهمية وخارج نطاقها
***
أما عن فطرة المقاومة داخل الانسان، فيعبر عنها "اورويل" على لسان بطل روايته حين قال:
((بوسعهم ان يكرهوك على قول اى شئ يريدونه، ولكنهم لا يستطيعون اكراهك على ان تؤمن بما تقول، فليس لديهم سلطة ينفذون بها الى كيانك
انهم لا يستطيعون النفاذ الى قلبك. واذا استطاع المرء ان يشعر ان بقاءه انسانا هو امر يستحق التضحية من اجله، حتى لو لم يؤد ذلك الى نتيجة، فانه يكون قد الحق بهم الهزيمة))
انتهى.
*****
القاهرة فى 22 يونيو 2014


الأربعاء، 18 يونيو 2014

الحرية هى العبودية

الحرية هى العبودية
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

الحرية هى العبودية، والحرب هى السلام، والجهل هو القوة.
كانت هذه هى الشعارات الثلاثة للنظام الحاكم فى الرواية الشهيرة "1984" للكاتب الانجليزى "جورج اورويل" الذى كتبها عام 1948 بعد الحرب العالمية الثانية، والتى اراد فيها ان يفضح ويكشف طبيعة الأنظمة الاستبدادية وقسوتها وجبروتها فى كل زمان ومكان، فتخيل نظاما مستقبليا شديد الاستبداد والفاشية، ثم قام بالغوص فى تفاصيله وملامحه ليقدم لنا فى النهاية صورة بالغة السواد. كثير من هذه الملامح سنجدها بدرجات متفاوتة،  فى الأنظمة التى تحكمنا فى مصر والوطن العربى والعالم. ان هذه الرواية تقدم ما يمكن ان نطلق عليه "بالنظام المستبد النموذجى"، ولذا أتصور انها تستحق القراءة.
وفيما يلى بعض المقتطفات التى انتقيتها منها بقدر من التصرف :
***
كان النظام شديد الاستبداد يحكم الناس بالحديد والنار، ويجبرهم على تقديم فروض الولاء والطاعة والخضوع التام  للزعيم الأوحد الذى يطلقون عليه "الأخ الكبير"، الذى تنتشر صوره بالملايين فى كل مكان، مكتوبا تحتها ((الاخ الكبير يراقبك))
وكانت عينا هذا الاخ الكبير تلاحقانك على العملة، على الطوابع، على أغلفة الكتب، على الأعلام، على ألواح الإعلانات، على علب السكاكر. فى كل مكان ودائما، عيناه تراقبانك وصوته يحيط بك. وسواء كنت مستيقظا او نائما، تعمل او تأكل، داخل منزلك او خارجه، فى الحمام او الفراش لا فرق، لا مهرب لك. انت لا تملك سوى تلك السنتيمترات المكعبة داخل جمجمتك.
نظام يراقب الناس فى كل مكان بواسطة شاشة تسمى "شاشة الرصد" تلتقط وتسجل اى صوت أو حركة، يراقبهم داخل بيوتهم وفى أماكن عملهم، فى الغرف والطرقات ودورات المياه وفى الشوارع والمقاهى والمتاجر، يعد عليهم أنفاسهم ويعتقلهم ويعذبهم ويقتلهم لأتفه الاسباب، ولذا كان الناس يعيشون ويتصرفون، مفترضين ان كل صوت يصدر عنهم مسموع وان كل حركة مرصودة
***
وكانت الاعتقالات تقع دائما تحت جنح الليل، حيث يفزع الضحية من نومه على يد خشنة تهزه بغلظة، فيفتح عينيه على ضوء ساطع مسلط على عينيه، فيجد مجموعة من رجال ذوى وجوه عابسة يتحلقون حوله وهو ما يزال فى فراشه. وكانت اغلب هذه الحالات تمر دون محاكمات او محاضر اعتقال، حيث كان الناس يختفون اثناء الليل. وكان اسمك يشطب من السجلات ويشطب معه كل شئ يتعلق بك او لك فيه ذكر، حتى ان النكران يطال فكرة وجودك اصلا ثم يتم نسيانك. لقد انتهيت ثم تلاشى ذكرك وكانك تبخرت.
***
وكانوا يقومون يوميا بجمع الناس فى أماكن عملها فى ما يسمى بفاعليات "دقيقتى الكراهية"، ويقوموا بتتويج هذه الجهود مرة من كل عام فى احتفالات ضخمة على مستوى البلاد تسمى "باسبوع الكراهية"، يقومون فيها بحشد الناس وتعبئتها ضد العدو الافتراضى، وغالبا ما يكون عدوا مختلفا فى كل مرة، ولكن لا بد دائما من أن يكون هناك عدوا، ولابد من أن تعم الكراهية، وكما قالت احدى شخصيات الرواية : ((هناك دائما حرب دموية تتلوها حرب دموية اخرى، والكل يعرف ان هذا كله محض اكاذيب))
وفى هذا الاسبوع كانت تنطلق المواكب والخطب والهتافات والأناشيد والرايات والملصقات والأفلام وتماثيل الشمع ودق الطبول ونفخ الابواق ووقع اقدام الجنود وضجيج جنازير الدبابات وأزيز اسراب الطائرات ودوى المدافع، ويعبأ الناس ويحشدون فى الميادين حبا و تأييدا للزعيم "الأخ الكبير"ضد العدو الخطير الشرير.
***
وكان الفكر يمثل جريمة يسمونها"جريمة الفكر"، أسسوا  لها شرطة خاصة تسمى بشرطة الفكر، وتصل العقوبة فيها الى الاعدام. فالولاء يعنى انعدام التفكير، بل انعدام الحاجة للتفكير. الولاء هو عدم الوعى.
وكان مصدر خطورتها هى ان التفكير ليس بالأمر الذى يمكن اخفاؤه الى الأبد، فربما يمكنك مواراته عن العيون لحين من الزمن او حتى لسنوات، ولكن ان عاجلا او آجلا لابد ان تقع فى قبضتهم.
وكان أحد فروع جريمة الفكر هى "جريمة الوجه"، فمن الخطر الجسيم ان تدع افكارك تجرى على عواهنها حينما تكون فى مكان عام او ضمن مدى شاشة الرصد. فأهون الاشياء يمكن ان تودى بك حتى لو كانت حركة عصبية صغيرة او نظرة قلق لا ارادية او همهمة اعتادها المرء، او اى شئ يوحى بنقص فى الولاء. وفى كل الاحوال فان ظهور تعبير انفعالى غير لائق على وجهك كأن تبدو عليك علامات الارتياب حينما يتم الاعلان عن احد الانتصارات، هو مخالفة تستوجب عقابا.
***
وكانوا يعيدون صياغة الحقائق والوقائع وتزويرها باستمرار لكى تتلاءم مع مواقف الاخ الكبير والحزب،
فيوما بيوم وربما دقيقة بدقيقة يتم "تحديث الماضى" بما يجعله يتوافق والحاضر، فالتاريخ كله كان بمثابة لوح تم تنظيفه لإعادة النقش عليه بما تستلزمه مصلحة الحزب،
ان الماضى قد تم محوه محوا تاما، اننا لا نكاد نعرف شيئا محددا عنه، فكل السجلات تم اتلافها او تحريفها، وكل كتاب اعيدت كتابته، وكل صورة اعيد رسمها، واسم كل تمثال وشارع وبناية جرى استبداله، وكل تاريخ جرى تحريفه.
***
وكانوا يؤسسون "لغة جديدة" يعملون فيها على تقليص عدد الكلمات ويدمرونها، لأنه بذلك ستتقلص مساحة الوعى والإدراك، كانت غايتهم هى التضييق من آفاق التفكير، بحيث تصبح جريمة الفكر فى نهاية المطاف جرما مستحيل الوقوع من الناحية النظرية، وذلك لانه لن توجد كلمات يمكن للمرء من خلالها ان يرتكب هذه الجريمة.
***
وكانوا يرغمون الناس على ممارسة الرياضة الصباحية أمام شاشات الرصد، ومن يتخلف يعاقب، ويجب ان تبدو عليك ملامح الانشراح، ثم تأتيك تعليمات المدربين الذين يمكنهم أن يروا الجميع حتى فى منازلهم: ((خذوا أماكنكم، اثنوا جذوعكم، واحد اثنين واحد اثنين، اراك يا رقم 6079، اداؤك سئ، مزيد من الانحناء، هيا يا رفاق، تذكروا ابناءنا على الجبهة...))
***
وكان هناك دائما فاعليات واحتفاليات "الاعدامات" التى تنفذ داخل زنانزين "وزارة المحبة" أو فى الميادين العامة، وسط الهياج والصياح والرغبة الهستيرية فى القتل والانتقام لدى العامة. ولقد عبر المؤلف على لسان احد شخصياته الشغوفة بحضور عمليات الاعدام حين قال : ((كانت عملية شنق اليوم جيدة، غير انهم على ما اعتقد افسدوها بربط القدمين معا، كنت ان احب ان اراهم وهم يرفسون بها. لكن اللحظة الاكثر اثارة كانت تأتى فى النهاية، حينما يتدلى اللسان الى الخارج وقد اصبح داكن الزرقة. ان تلك اللحظة هى التى تحوز اعجابى))
***
يتبع فى المقال القادم باذن الله


القاهرة فى 15 يونيو 2014

الثلاثاء، 17 يونيو 2014

اعادة اكتشاف العراق

إعادة اكتشاف العراق
محمد سيف الدولة    


بين ليلة وضحاها، تصدرت أخبار العراق اهتمامات الرأى العام العربى، وأصبح السؤال الأكثر إلحاحا هو "ماذا يحدث فى العراق؟"
وبدا المشهد وكأننا اكتشفنا جميعا أن هناك بلدا عربيا شقيقا اسمه العراق، يستحق منا كل الاهتمام والدعم والمتابعة.
والحقيقة اننا شاركنا جميعا بلا استثناء وبطريقة أو بأخرى فيما وصل اليه الحال فى العراق، بعد أن انصرفنا عنه وتجاهلناه طويلا .
وكثيرا ما كنت أتساءل؛ لماذا لم يحظَ العراق بعد الاحتلال الأمريكى فى 2003، بتعاطف واهتمام ودعم شعبى عربى مماثل لما يحدث مع فلسطين فى مواجهة الاحتلال الصهيونى ؟
·       ربما كان ذلك بسبب ما أصاب الأمة من صدمة، جعلتها تفقد توازنها، وتلجأ الى انكار وتجاهل الواقع المرير.
·       وربما بسبب حجم الضغوط والدعاية والاختراق والتمويل التى مارستها الولايات المتحدة على الانظمة العربية حكومات ومعارضة، لارغامها على التواطؤ أو الصمت عن جريمة الاحتلال وما تلاها.
·       وربما بسبب حجم الدم العراقى الذى سال على أيدى عراقية، أبت أن توجه مدافعها الى قوات الاحتلال، فتسببت فى ضبابية المشهد للمتابعين من الخارج وإرباكهم، مما دفعهم الى الابتعاد الى أن تتضح الأمور.
***
أيا كانت الأسباب، فانه لاشك فى انه حين أدرك الجميع، مـتأخرين، ضرورة العودة الى مؤازرة الشعب العراقى، اكتشفوا أن  ما لديهم من أسئلة يفوق ما لديهم من إجابات :
1)   فكيف سقط العراق بهذه السهولة؟ وكيف عزفت قوى وجماعات رئيسية عن مقاومة الاحتلال؟ وكيف ولماذا قبلت كل هذه القوى المشاركة فى العملية السياسية فى ظل الاحتلال؟ وهل المشاركة فى العملية السياسية فى ظل الاحتلال مشروعة؟
2)   وهل رحل الأمريكان عن العراق بالفعل ؟ وهل تحرر العراق كما يدعى النظام الحاكم ؟ وماذا عن الاتفاقية الامنية الامريكية العراقية التى تسمح للقوات الأمريكية بالتمركز فى عدد من القواعد والمناطق؟ وماذا عن السيطرة والهيمنة الأمريكية الشاملة على كل المقدرات العراقية؟
3)   ما هو المشروع والدور الايرانى فى العراق، وهل هو دور سياسى، ام طائفى؟ وهل يتناقض مع المشروع الأمريكى هناك، ام يتوافق وينسق معه؟
4)   وهل تدعم ايران عراقا وطنيا موحدا مستقلا، ام تدعم عراقا شيعيا طائفيا موال لها؟
5)   وفيما عدا ايران ما هى أجندات القوى الاقليمية الأخرى فى العراق: تركيا و سوريا والسعودية ؟ ومن يدعم ويمول من ؟
6)   هل حكومة المالكى توالى الاحتلال ام تواجهه ؟
7)   وهل هى حكومة عراقية وطنية ام طائفية ؟
8)   وهل المقاومة المسلحة للاحتلال تعتبر ارهابا وفقا للقائمين على النظام العراقى الحالى ؟
9)   هل هناك بالفعل على الأرض، مقاومة مؤثرة ضد الوجود الأمريكى ؟
10)          وهل هى مقاومة وطنية جامعة ام طائفية ؟
11)          مَن مِن القوى السنية أو الشيعية او الكردية شاركت فى مقاومة الاحتلال؟ ومن تعايش معه وشارك فى العملية السياسية فى حماية دباباته؟
12)          هل ما يدور الآن فى الموصل وما حولها، هو حركة مقاومة ضد الاحتلال الأمريكى وأذنابه؟ أم هى انتفاضة شعبية ضد الظلم والاقصاء والاستبداد؟ أم هى ردة فعل طائفية سنية مسلحة ضد اعتداءات طائفية شيعية من النظام ؟ أم هى خليط من كل ذلك ؟
13)          وما هى تفاصيل وفسيفساء الخرائط السياسية والطائفية فى العراق ؟
14)          وماذا تبقى من القوى الوطنية والقومية فى العراق؟
15)          من الذى يفجر الكنائس، والمساجد فى الاحياء السنية والشيعية، ومن يقتل على الهوية؟
16)          هل اقترب العراق من التقسيم ؟ وهل لا تزال هناك امكانيات واقعية للحيلولة دون هذا السيناريو؟
17)          ومن فى العراق يمثل حائط الصد الرئيسى ضد مشروعات التقسيم؟ ومن هم الوحدويون العراقيون الحقيقيون ؟ وهل هناك أطراف سياسية لها وزن وتأثير تتبنى وتعمل من أجل مشروع وطنى عراقى وحدوى؟
18)          كيف صمت الجميع فى العراق على ما يجرى فى هدوء ودأب من انفصال كردستان ؟
***
كانت هذه عينة من الاسئلة التى تتبادلها النخبة العربية الراغبة فى العودة الى المشهد العراقى، والنادمة على تأخرها، والخائفة من مشروع التقسيم، ليس خوفا على العراق وحده، ولكن خوفا من ان تنتقل عدوى التقسيم، ان تم لاقدر الله، الى باقى أقطارها العربية.
ولكن من شروط العودة الناجحة، هو أن تكون عودة دائمة، لا تهتم فقط بالأحداث حين تسخن أو بالأوضاع حين تتفجر، ولا تسطح المشكلة فى ثنائية الأخيار والأشرار، وأن تنتبه الى وحدة مشكلات الواقع العربى، ووحدة الفاعل الرئيسى والمايسترو، وأن تنتبه وتتوحد فى مواجهة كل القوى والأدوات التى نجحت بسلاسة مذهلة فى ضرب كل الجامعات الوطنية لصالح المفرقات الطائفية.
*****

القاهرة فى 15 يونيو 2014





السبت، 7 يونيو 2014

هل نتصالح مع الأرض والتاريخ والثوابت

هل نتصالح مع الأرض والتاريخ والثوابت
محمد سيف الدولة    



·       وعد بلفور مشروع
·       صك الانتداب البريطانى على فلسطين مشروع
·       قرار التقسيم مشروع
·       الصهيونية حركة غير عنصرية، غير توسعية، غير استيطانية وغير مرتبطة بالامبريالية العالمية
·       اليهودية قومية ذات وجود مستقل واليهود شعبا واحدا له شخصيته المستقلة
·       الرابطة التاريخية والروحية بين اليهود وفلسطين حقيقة تاريخية
·       قيام اسرائيل مشروع ومتفق مع مبادئ ميثاق الامم المتحدة
·       اسرائيل دولة لا تهدم السلام فى الشرق الاوسط
·       الشعب الفلسطينى يرفض تحرير فلسطين تحريرا كاملا
·       الشعب الفلسطينى يقبل المشاريع الرامية الى تصفية القضية الفلسطينية
·       لا يوجد تناقض رئيسى بين الشعب الفلسطينى وبين الصهيونية والاستعمار

***

لم يكن ما سبق هو اعلان مبادئ أحد الأحزاب (الاسرائيلية)،  وانما هو لمن لا يعلم، مبادئ أساسية ضمنية وردت بالمخالفة فى الميثاق الوطنى الفلسطينى الجديد بموجب التعديل الذى تم  فى 14 ديسمبر 1998 تحت الرعاية الشخصية للرئيس كلينتون وفى حضوره، فى الاجتماع الذى عقده فى غزة، مع اعضاء المجلس الوطنى الفلسطينى، والذى صادق فيه المجلس على إلغاء 12 مادة وتعديل 16 مادة اخرى من الميثاق الاصلى، كأحد استحقاقات اتفاقيات أوسلو ومفاوضاتها، والتى لم تسفر عن شئ حتى تاريخه.
***

وفيما يلى نص المواد التى تم إلغاؤها :
المادة 6    اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها يعتبرون فلسطينيين
***
المادة 7   الانتماء الفلسطيني والارتباط المادي والروحي والتاريخى بفلسطين حقيقتان ثابتتان، وأن تنشئة الفرد الفلسطيني تنشئة عربية ثورية واتخاذ كل وسائل التوعية والتثقيف لتعريف الفلسطيني بوطنه تعريفا روحيا وماديا عميقا وتأهيله للنضال والكفاح المسلح والتضحية بماله وحياته لاسترداد وطنه حتى التحرير واجب قومي .
***
 المادة 8   المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين ولذلك فإن التناقضات بين القوى الوطنية الفلسطينية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض الأساسي في ما بين الصهيونية والاستعمار من جهة والشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية، وعلى هذا الأساس فإن الجماهير الفلسطينية سواء من كان منها في أرض الوطن أو في المهاجر تشكل منظمات وأفرادا جبهة وطنية واحدة تعمل لاسترداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح .
***
 المادة 9   الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين وهو بذلك استراتيجيا وليس تكتيكا. ويؤكد الشعب الفلسطيني تصميمه المطلق وعزمه الثابت على متابعة الكفاح المسلح والسير قدما نحو الثورة الشعبية المسلحة لتحرير وطنه والعودة إليه وعن حقه في الحياة الطبيعية فيه وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه .
***
 المادة 19   تقسيم فلسطين الذي جرى عام 1947 وقيام إسرائيل باطل من أساسه مهما طال عليه الزمن لمغايرته لإرادة الشعب الفلسطيني وحقه الطبيعي في وطنه ومناقصته للمبادئ التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وفي مقدمها حق تقرير المصير .
***
 المادة 20    يعتبر باطلا كل من وعد بلفور وصك الانتداب وما ترتب عليهما وأن دعوى الترابط التاريخية والروحية بين اليهود وفلسطين لا تتفق مع حقائق التاريخ ولا مع مقومات الدولة في مفهومها الصحيح . وأن اليهودية بوصفها دينا سماويا ليست قومية ذات وجود مستقل وكذلك فإن اليهود ليسوا شعبا واحدا له شخصيته المستقلة وإنما هم مواطنون في الدول التي ينتمون إليها .
***

المادة 21   الشعب العربي الفلسطيني معبرا عن ذاته بالثورة الفلسطينية المسلحة ، يرفض كل الحلول البديلة من تحرير فلسطين تحريرا كاملا ويرفض كل المشاريع الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية أو تدويلها .
***
المادة 22   الصهيونية حركة سياسية مرتبطة ارتباطا عضويا بالإمبريالية العالمية وهي حركة عنصرية تعصبية في تكوينها توسعية استيطانية في أهدافها فاشية نازية في وسائلها،وأن إسرائيل هي أداة الحركة الصهيونية وقاعدة بشرية جغرافية للإمبريالية العالمية ونقطة ارتكاز ووثب لها في قلب الوطن العربي لضرب أماني الأمة العربية في التحرر والوحدة والتقدم. إن إسرائيل مصدر دائم لتهديد السلام في الشرق الأوسط والعالم أجمع، ولما كان تحرير فلسطين يقضي على الوجود الصهيوني والإمبريالي فيها ويؤدي إلى استتباب السلام في الشرق الأوسط، لذلك فإن الشعب الفلسطيني يتطلع إلى نصرة جميع أحرار العلام وقوى الخير والتقدم والسلام فيه ويناشدهم جميعا على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم تقديم كل عون وتأييد له في نضاله العادل المشروع لتحرير وطنه.
***
 المادة 23   دواعي الأمن والسلم ومقتضيات الحق والعدل تتطلب من الدول جميعها حفزا لعلاقات الصادقة بين الشعوب واستبقاء لولاء المواطنين لأوطانهم أن تعتبر الصهيونية حركة غير مشروعة وتحرم وجودها ونشاطها.
***
 المادة 30   المقاتلون وحملة السلاح في معركة التحرر هم نواة الجيش الشعبي الذي سيكون الدرع الواقية لمكتسبات الشعب العربي الفلسطيني .

***
كانت تلك هى المواد التى تم الغاؤها من الميثاق الوطنى الفلسطينى الأصلى، أردت أن أذكر بها حتى ندرك جميعا أن منذ قدمنا مثل هذه التنازلات، لم يعد هناك فرقا كبيرا بين ان تكون المفاوضات مباشرة او غير مباشرة، ان تتقدم او تتعثر، ان تدور فى حلقة مفرغة او تصل الى الحل النهائى .
فلقد تنازلنا للعدو عن كل شئ منذ زمن بعيد .
فهل نتطهر و نصحح ونتصالح مع أرضنا وتاريخنا، ونعود الى ثوابتنا فى ظل أجواء الوحدة والمصالحة الفلسطينية الجارية الآن ؟
الله أعلم
*****

القاهرة فى 7 يونيو 2014