التواصل بالبريد الالكترونى

بحث فى المدونة

الأربعاء، 26 يناير 2011

مبروك العقدة انحلت



مبروك العقدة انحلت

محمد سيف الدولة

على امتداد عقود طويلة كانت كل الظروف المؤدية الى قيام ثورة شعبية فى مصر قائمة فيما عدا شرط واحد ، و هو الأهم على الإطلاق ، وهو نزول الجماهير الى الشارع وكسر حاجز الخوف ، والإقدام على تحدى النظام ومواجهته .
* * *
فالتبعية الحالية للأمريكان وسرقة نصر أكتوبر ، والصلح مع العدو الصهيونى ، والتحالف معهم من أجل إخضاع المنطقة وتفتيتها هى أسباب كافية للثورة .
* * *
و القهر الاقتصادى والاجتماعى والاستغلال الطبقى الحاد و استئثار قلة قليلة بمعظم ثروات البلد ومقدراتها ، وسرقة عرق الناس وحقوقهم ، كانت أيضا أسباب كفيلة وحدها بتفجير الثورة .
* * *
و الاستبداد السياسى العنيف ، والانفراد المطلق بتقرير مصير الناس والوطن ، وحرمانهم من أى مشاركة ولو صغيرة فى تقرير مصائرهم . وملاحقة واعتقال وسجن كل من يرغب فى المشاركة أو يسعى اليها . و تشكيل وصياغة حياتنا جميعا على مقاس مصالحهم ومصالح أسيادهم الأمريكان ، هى أيضا سببا كفيلا وحده بتفجير الثورة .
* * *
ولكن رغم كل ذلك ، كانت هناك عقبة كؤود تحول دون قيام هذه الثورة الحتمية ، هى خوف الناس من بطش الحكومة ، وتجنب الدخول معها فى أى مواجهات ، مع اليأس من أى اصلاح أو تغيير ، والاستسلام للأمر الواقع .
وهو ما خلق هوة شاسعة بين مواقف المعارضة الوطنية الشريفة وبين مواقف الجماهير فانهزم الجميع.
* * *
الى أن جاء يوم الغضب فى 25 يناير 2011 وبقدرة قادر ، وببركة تونس ، وبـغضب الحليم ، فوجىء الجميع أن الناس نزلت الشارع .
آلاف مؤلفة منهم نزلت وتظاهرت وهتفت وتحدت واصطدمت .
فى معظم نواحى مصر المحروسة .
لقد سقط الخوف أخيرا ، وانتقل الى النظام وأمنه .
فانحلت العقدة ، وزالت العقبة ، وعاد الأمل .
وهو أمل حقيقى هذه المرة ، امل فى قبضة اليد ، وليس سمكا فى ماء .
* * *
فمبروك لمصر ومبروك للناس ومبروك للمعارضة الشريفة ، ومبروك للوطن العربى كله ، وهانت باذن الله .
* * *
قارئى الكريم : ضم معاهم ، المسألة جد المرة دى
* * * * *




القاهرة فى 26 يناير 2011





















































الأحد، 23 يناير 2011

البحث عن سر تونس

محمد سيف الدولة

Seif_eldawla@hotmail.com

يجب أن نقرأ عن تونس قبل ان نكتب عنها

يجب ان ندرسها و نتعرف عليها ونتعلم منها

لنكتشف سرها

أو الـKnow-How الخاص بها .

فكيف فعلها أبطالها الجدعان ؟

دونا عنا جميعا .

رغم ان ظروفنا واحدة :

تبعية وقهر واستبداد واستغلال وفساد

فكلنا نفس الرجل

ولكنهم وحدهم نجحوا فى إزاحة رأس النظام وأقوى حلقاته

صحيح انهم لم يستكملوا ثورتهم بعد

ولكنهم أنجزوا فيها خطوة خطيرة وصعبة بل كانت قبل بضعة أيام تبدو مستحيلة .

فكيف فعلوها ؟

وما هى الظروف التى ساعدت على نجاحهم ؟

وأدت الى انتفاضة الشعب كله على قلب رجل واحد

يفتح صدره العارى للرصاص الحى بدون خوف أو وجل .

ويلتحم مع القوى الوطنية

ويلد ثورة هى الأولى من نوعها فى العصر العربى الحديث ؟

هذا ما يجب ان ندرسه ونتعرف عليه ونتعلم منه .

وفى ذلك لدينا عشرات من التساؤلات والاستيضاحات :

* * *

1) فما هى خصوصية تونس التى جعلتها طليعة التغيير الشعبى بين الأقطار العربية؟

2) هل هو ارتفاع نسبة التعليم والوعى السياسى والانتماء الحزبي والتنظيمي ؟

3) أم استقلال النقابات وقوتها ؟

4) ام التجانس الاجتماعى الخالى من النزعات والصراعات الطائفية الموجودة فى أقطار أخرى ؟

5) ام البعد الجغرافى عن مشكلات الشرق العربي والصراع ضد العدو الصهيوني والاحتلال الامريكى وأطماعه فى النفط العربى ؟

6) أم كلهم معا بالإضافة الى أمور أخرى ؟

7) أم ماذا ؟

* * *

8) وهل كان الانفجار الشعبى مفاجأة ؟ أم كان متوقعا ؟

9) وان كان كذلك ؟ فما هى أعراضه السابقة الدالة عليه ؟

10) وهل كان لقوى المعارضة دور منذ البداية ؟ أم ان دورها جاء فيما بعد ؟

11) وماذا كانت طبيعة هذا الدور ؟ فى الحشد والتعبئة والتنظيم والقيادة والبرنامج السياسى للثورة ؟

12) وهل العفوية والتلقائية لا زالت هى الغالبة حتى الآن ؟ أم ان القوى السياسية بدأت تسيطر على الأمور ؟

13) وما هى خريطة القوى السياسية فى تونس ؟

14) وهل هى مماثلة لخرائطنا السياسية فى معظم أقطارنا ؟

15) وهل هى متساوية ومتوازنة فى قواها وجماهيريتها فى الشارع التونسى ؟

16) و هل تساوت فى وجودها ومشاركتها فى الأحداث ؟

17) أم كان لأحدها أو بعضها أدوارا أكبر من الآخرين ؟

* * *

18) وما هى السيناريوهات المتوقعة الآن ؟

19) هل يمكن ان يلتف النظام الحاكم على الثورة وينجح فى وأدها ؟

20) وما هى القوى التى يمثلها النظام سياسيا وطبقيا وخارجيا ؟

21) وما هى مواقعها ومواقفها وبرامجها الحالية ؟

22) ما هى مؤسساتها ومصادر قوتها ومواضع سيطرتها ؟

23) وهل الشعب وقواه قادرون على التصدى لها ؟

24) هل لا زال هناك معتقلون سياسيون ؟ أم تم الإفراج عن الجميع ؟

25) وهل لازالت قوات الأمن تتصدى للمتظاهرين ، بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع ؟

* * *

26) وما هى قوى الثورة الحالية ؟

27) و من هى الشرائح و الطبقات والقوى الاجتماعية والسياسية التى تشارك فيها ؟

28) و هل هناك قيادة موحدة للثورة ؟

29) أم انها فى طور التكوين ؟

30) وهل هناك توافق على ضرورة تشكيل مثل هذه القيادة ، بدون إقصاء او استبعاد لأي طرف ؟

31) و هل القدرة على تعبئة الناس فى الشارع لا تزال قائمة ؟

32) وهل هناك وعى بضرورة تنظيم كل الناس فى لجان شعبية من اجل التواصل والحوار والمشاركة فى القرار والفعل ومن أجل حماية الثورة من القوى المضادة ؟

33) وهل لا تزال جماهير 14 يناير راغبة فى المواصلة و الاستمرار ؟ ام هناك نزوع الى التوقف و الاستقرار ؟

34) و لماذا كانت المظاهرات ضد مشاركة الحزب الدستورى فى الوزارة أقل بكثير من تلك التى كانت ضد بن على ؟

35) وهل هذا معناه ان الناس اكتفت بذلك ؟

* *

36) هل يمكن تشكيل حكومة إنقاذ وطنى خارج الشرعية القديمة تماما ؟

37) حكومة تستطيع أن تفرض سيادتها وشرعيتها الجديدة بقوة الجماهير ؟

38) أم ان قدرات الثورة لم تبلغ هذا الحد بعد ؟

39) و لماذا يقود النظام القديم هذه المرحلة الانتقالية ؟

40) هل يمكن ان تتشكل حكومة إنقاذ وطنى بدون مشاركة ممثلين عن التيارات الأربعة الرئيسية الاسلامى والقومى والماركسى والليبرالى ؟

41) هل هناك ضغوط فرنسية أو أمريكية من أى نوع ؟ وما هى برامجهم المضادة وأدواتهم فى ذلك ؟

42) هل هناك تواطؤ عربى رسمى على الثورة ؟

43) وما هى أشكال الدعم التى يمكن ان نقدمها لهم ؟

44) وكيف نستطيع أن ننقل هذه الروح الثورية الى ساحاتنا المختلفة ؟

* * *

كانت هذه عينة من تساؤلات ملحة تشغل بال كل أنصار الثورة التونسية ، وكل الحريصين عليها والراغبين فى دعمها او الاقتداء بها .

نطرحها وكلنا فخر واعتزاز بالثورة والثوار .

وأيادينا على قلوبنا وأنفاسنا محبوسة خوفا عليها من المتربصين بها .

فكم من المرات غدر بنا .

* * * * *

القاهرة فى 20 يناير 2011

الأحد، 16 يناير 2011

المحظورون

محمد سيف الدولة

Seif_eldawla@hotmail.com

نقلت وكالات الأنباء فى مطلع شهر يناير2011 ، طلب إسرائيل من الولايات المتحدة أن تدرس حظر الجماعة الإسلامية التركية المسؤولة عن إرسال أسطول الحرية الذى حاول كسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة.

وقال مسؤولون إسرائيليون إن وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان طلب حظر مؤسسة حقوق الإنسان والحريات والإغاثة الإنسانية أثناء اجتماع يوم الثلاثاء مع وزيرة الأمن الداخلي الأميركية جانيت نابوليتانو .

انتهى الخبر المستفز .

* * *

و مبرر استعراضه هنا ، هو أهمية تسليط الضوء على الحظر المماثل المفروض فى مصر منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد 1979 على كل القوى الوطنية التى ترفض السلام مع العدو الصهيوني وترفض الاعتراف بشرعية إسرائيل .

فالثابت ان هذا الحظر كان بتعليمات أمريكية إسرائيلية واضحة وقاطعة و بمباركة رسمية مصرية وفقا لما ورد فى نص الفقرة الثانية من المادة الثالثة من المعاهدة المصرية الإسرائيلية التي جاء بها ما يلى :

يتعهد كل طرف " بالامتناع عن التنظيم أو التحريض أو الإثارة أو المساعدة أو الإشراك فى فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو النشاط الهدام أو أفعال العنف الموجهة ضد الطرف الآخر فى أى مكان ، كما يتعهد بأن يكفل تقديم مرتكبى مثل هذه الأفعال للمحاكمة "

وهو النص الذي يجرمنا جميعا من حيث رفضنا الدائم لشرعية إسرائيل وللصلح معها ، ودعوتنا المتكررة لضرورة تحرير فلسطين ونصرة المقاومة الفلسطينية .

* * *

وبالفعل اشترط قانون الأحزاب رقم 36 الصادر سنة 1979 الموافقة على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية كشرط لقبول والترخيص لأي حزب جديد

وهو الشرط الذي ظل ساريا لثمان سنوات قبل أن تحكم المحكمة الدستورية بعدم دستوريته فى عام 1988

* * *

ولقد التزم حزب الدولة الوطني الديمقراطي و منذ نشأته الأولى فى مبادئه الرئيسية بمبدأ السلام خيار استراتيجي .

مع التذكرة بأن المعنى الفعلي لهذا المبدأ هو أمن إسرائيل خيار استراتيجي .

* * *

وبنظرة سريعة بسيطة للأحزاب التي نالت تراخيصها بسهولة ، سنجد ان معظمها أحزابا ورقية أو أحزابا ذات توجه ليبرالي ، لا تهتم كثيرا بشؤون الصراع العربي الصهيوني ، وتقبل بوجود إسرائيل من حيث المبدأ ، كما تقبل السلام معها ، مع بعض التحفظات على التوقيت والشروط . فهي تعلقه على تقدم مسيرة مباحثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية الجارية حول الضفة وغزة فقط .

* * *

ثم جاءت الممارسات اليومية والتطبيقات الفعلية للدولة منذ 1979 ، للتأكيد على التزامها الكامل بهذه الشروط ، وهو ما تمثل فى مطاردة عشرات الجماعات والتنظيمات والقوى وتقديمها للمحاكمة بتهمة معارضة اتفاقيات كامب ديفيد والإضرار بمصالح دولة صديقة

ولم يستثن أحدا من القوى الوطنية فى ذلك : بدءا باليسار فى السبعينات والناصريين فى الثمانينات والإسلاميين طوال الوقت .

* * *

ثم جاءت تأكيدات القادة الصهاينة أنفسهم على ذات المضمون مثل آفى ديختر وزير الأمن الاسرائيلى السابق الذى صرح ان خروج مصر من السلام خط أحمر ، وانهم خرجوا من سيناء بضمانات أمريكية بالعودة اليها فى حالة حدوث أى تغيير فى النظام ضد مصلحة اسرائيل

وهو ما أكد عليه صراحة مصطفى الفقى حين قال ان منصب رئيس الجمهورية فى مصر يجب ان يحظى بموافقة أمريكية وقبول اسرائيلى

مما يعنى انهم يتحكمون فى ضوابط و قواعد العمل السياسى وتداول السلطة فى مصر .

* * *

ثم جاءت مباركة الولايات المتحدة لنتائج انتخابات مجلس الشعب الأخيرة المزورة على قاعدة رفض أى اصلاح ديمقراطى قد يأتى بقوى معادية لاسرائيل الى السلطة.

وهو ذات الموقف الذى اتخذه الأمريكان من حماس فى الارض المحتلة ، رغم انها حظيت بالأغلبية عام 2006 فى انتخابات ديمقراطية شرعية .

* * *

وبالإطلاع على الموقف الأمريكي من قوى المقاومة العربية أمثال حزب الله وحماس والجهاد ، سنجد أنها كلها مصنفة كمنظمات إرهابية من حيث انها لا تقبل الاعتراف بإسرائيل .

* * *

بل أن أوباما حين ألقى خطابه الشهير في جامعة القاهرة فى يونيو 2009 ، كان على رأس رسائله إلينا ، ان إسرائيل باقية لن ترحل ، ومن يتصور عكس ذلك فهو واهم .

وكان أول ما قاله على وجه الإطلاق بخصوص الشرق الأوسط بعد تتويجه رئيسا للولايات المتحدة انه على حماس ان تعترف بحق إسرائيل فى الوجود وان تلقى سلاحها .

* * *

خلاصة كل ما سبق : هو أن كل أعداء إسرائيل محظورين سياسيا فى مصر والوطن العربي ، بأوامر أمريكية إسرائيلية ومباركة رسمية مصرية وعربية .

وأن هذه هى القاعدة الأولى والأساسية فى حياتنا السياسية ، والباقي تفاصيل .

فكل من يعارض النظام ، بدون أن يعادى أمريكا واسرائيل ، هو وجه مقبول ومشروع ، مهما بدا صاخبا .

* * *

ومن ثم وفى المقابل ، فانه يتوجب على كل القوى الوطنية التى تستهدف تغييرا حقيقيا أن تكسر هذا الحظر وتتحداه ، و أن تربط نضالها ضد النظام المستبد بنضالها ضد المشروع الامريكى الصهيوني ، وإلا فإنها لن تضيف جديدا .

* * * * *



القاهرة فى 13 يناير 2011

الأربعاء، 12 يناير 2011

ديارنا الموروثة تتبدد

محمد سيف الدولة

Seif_eldawla@hotmail.com



وهبنا الله من فضله ونعمه علينا ، أراضى وأوطان وديارا واسعة وممتدة ، نَدُّرَ ان كان لأمم غيرنا مثلها .

فتبلغ جملة مساحة الأرض العربية حوالى 14,3 مليون كيلومتر مربع أي ما يوازى حوالى 10% من جملة مساحة اليابسة فى العالم .

ولقد استحققنا هذه الديار بفضل جهاد و نضال أجدادنا على مر العصور منذ الفتح العربى الاسلامى وما قبله .

فلقد قاتل واستشهد من أجل هذه الديار العربية ، أكثر من خمسين جيلا متصلا لكى يستطيع جيلنا والأجيال التالية أن تعيش وتستقر فى أمان على هذا الأرض الطيبة .

* * *

ولكننا للأسف أصبحنا مثل الأبناء العَقَقَة ، والسفهاء وذوى الغفلة ، لم نحم ونحافظ على ميراثنا الغالى الذى لا يمكن تعويضه .

فالأوطان التى تفقد لا تعوض ، فالكرة الأرضية قد تقسمت وتوزعت الى الأبد بين الأمم والشعوب ، ولم يعد بها أوطان فائضة لمن يرغب ، فمن يفقد وطنه سيخرج من الجغرافيا ومن التاريخ .

• انهزمنا أمام الاستعمار الأوروبي منذ القرن التاسع عشر وتركناه يحتل بلادنا وينهبها ويعيق تطورنا ونهضتنا ويقسمنا ويجزئنا .

• ثم عجزنا عن منع هجرات اليهود الصهاينة الى فلسطين

• ثم تركناهم يغتصبون معظمها فى 1948 ويغتصبون ما تبقى منها فى 1967 .

• وبددنا ثرواتنا من النفط وعوائده فى بنوك أوروبا وأمريكا

• وسمحنا للعدو الامريكى باحتلال الخليج والعراق

• وها هو جنوب السودان ينتزع منا بمساحته التى تعادل 4 % من مساحة الوطن العربى

• ودارفور فى الطريق والتى تبلغ مساحتها حوالى 3,6 % من مساحة الأرض العربية .

• ثم الأكراد فى طريقهم الى انتزاع شمال العراق العربي والذى تبلغ مساحته حوالى ستة فى الألف من مساحة الأرض العربية أو ما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة فلسطين .

• ليلحقوا جميعا بالاسكندرونة والأحواز وسبتة ومليلة التى لم يعد أحدا الآن يتذكرها.

• والديار التى لم نفقدها بعد ، فقدنا فيها حرية واستقلال الإرادة ، فسلمنا قيادنا ومصيرنا وشئوننا طواعية للأمريكان وحلفائهم من حكامنا ، يفعلون بها ما يشاءون .

فهل نفيق ونعود مرة أخرى الى التاريخ ؟

أم نترك ما تبقى من أوطاننا يتبدد أمام أعيننا ؟

الله أعلم .

* * * * *

القاهرة فى 6 يناير 2011

الأحد، 9 يناير 2011

السودان من التعريب إلى التفتيت

محمد سيف الدولة







السودان شعبا وأرضا جزء لا يتجزأ من الأمة العربية .

وهى الأمة التى نضجت و تكونت منذ الفتح الاسلامى وبفضله .

وحملت راية الإسلام وحضارته الى كل بقاع الأرض .

* * *

والأمة العربية مثلها مثل أي أمة فى العالم تكونت وتشكلت عبر عمليات تفاعل وصراعات تاريخية طويلة ، وكثيرة ، ومركبة .

انتهت بذوبان وانصهار كل الجماعات والشعوب والقبائل الموجودة على هذه الأرض فى نسيج شعب واحد يتكلم لغة واحدة وله حضارة واحدة وتدين الأغلبية منه بدين واحد ، واهم من كل ذلك انه يعيش ويستقر على الأرض العربية الواحدة، فيختص بها ويمتلكها الى الأبد دونا عن غيره من باقى أمم و شعوب وجماعات الأرض الأخرى .

مثله فى ذلك مثل الهند والصين وتركيا وإيران واليونان وايطاليا وانجلترا وفرنسا وألمانيا وغيرهم الكثير .

* * *

و عملية تَكّون وتَشّكل الأمم هى عملية طويلة تحتاج الى قرون طويلة حتى تكتمل ، فهى لا تتم فى لحظة واحدة ، ولا تحدث فيها عملية الذوبان والانصهار للجماعات المختلفة فى ذات الوقت و إنما على مراحل .

فالمناطق الحضرية الأكثر كثافة ، هى الأسرع فى الانصهار والاندماج والذوبان فى الشعب الجديد الوليد ، على عكس المناطق الصحراوية التى تسود فيها العلاقات القبلية والعشائرية .

و مناطق القلب أيضا أسرع من الأطراف ، التى عادة ما تتأخر درجة ذوبانها وانصهارها فى الأمة الوليدة بحكم انها مناطق تماس مع أمم أو جماعات أو قبائل أخرى ، يتأرجح فيها الشعور بالانتماء بين هذه الأمة أو تلك أو بين الاستقلال عنهما معا .

وهى الحالات التى قد نراها فى وطننا العربي فى أكراد العراق أو جنوب السودان او البعض من بربر المغرب .

و فى عصور العدل والاستقرار والرخاء والانتصار، عادة ما تنجح الأمم الوليدة القوية ، فى حسم حالة التردد والتذبذب والتأرجح لدى هذه الجماعات ، التى تقبل الاندماج راضية مرضية ، لتصبح بعد فترة وجيزة جزء لا يتجزأ من هذه الأمة .

* * *

وفى حالتنا ، كان الاستعمار الغربى هو السبب الرئيسى وراء تعويق وتأخر ونضوج تكويننا القومى .

فلقد أدى الاستعمار الطويل للوطن العربى الذى بدأ منذ أكثر منذ مائتي عاما الى تأخر عملية الاندماج والانصهار والذوبان .

بل انه حال دون إتمامها عمدا ومع سبق الإصرار والترصد.

فَفَرّق وجَزّأ الوطن الواحد ، حتى يتسنى له اقتسامه كغنائم حرب قبل وبعد الحرب العالمية الأولى .

ومن يومها لم يتسنى للأمة العربية الواحدة أن تستكمل عملية استيعاب ودمج أطرافها المبعثرة هنا وهناك .

خاصة وأن امتنا المغلوبة على أمرها ، لم تنجح منذ زمن بعيد فى ترجمة وحدتها القومية فى دولة واحدة تكون هى الممثل الشرعى والوحيد للشعب العربى وصاحبة السيادة الوحيدة على أرضه من المحيط الى الخليج .

بل قام زبانية الاستعمار الغربى ، بتصنيع حزمة ممسوخة من دول ودويلات ، أقطعوا كل منها جزءا من ارض الوطن الواحد ، حجبوه وحظروه على باقى الشعب الواحد صاحب الأرض جميعا . ووضعوا على رأس كل دولة نظاما يحمى التجزئة والتقسيم باسم السيادة الوطنية القطرية .

وهى دول أثبتت فشلها على امتداد قرن كامل .

فمن استقل منها ، عجز عن الحفاظ على استقلاله وعاد الى حظيرة التبعية .

والفقير منها عجز عن تلبية وإشباع الاحتياجات الرئيسية لمواطنيه .

والغنى منها عجز عن الخروج من أحضان الغرب على امتداد أكثر من 200 عام .

والأسوأ من كل ذلك عجزها جميعا عن الدفاع عن ميراثها من أراضى الوطن المشترك .

فأضاعت فلسطين ، وتركت العراق للأمريكان ، والآن تنتزع منها أطراف الأمة فى جنوب السودان و العراق .

* * *

لكل ذلك فان كل هذه الدول قد فقدت احترامها و شرعيتها ومشروعيتها لدى المواطنين العرب فى كل مكان .

* * *

واذا كان هذا هو حال غالبية الشعب العربى تجاه دوله وأنظمته العربية .

فما بالنا بموقف سكان الأطراف الذين لا يزالوا يتذبذون فى خيارات الهوية والانتماء .

من الطبيعى ان ينزعوا جميعا الى الانفصال ، ان وجدوا اليه سبيلا .

* * *

ولكن لو كان قد كتب لأمتنا أن تنجو من العدوان الاستعماري القديم ، وان تحافظ على وحدتها ، وان تترجمها فى دولة عربية واحدة قوية مثل الصين مثلا ، لكانت الآن واحدة من القوى العالمية الكبرى ، ولكان الجميع يعملون لها ألف حساب ، ولكانت جميع الأطراف فى جنوب السودان والعراق والمغرب تتسابق لتلتحق بدون قيد ولا شرط بهذه الأمة القوية .

على ذات النهج الذي يحدث الآن فى أوروبا ، حيث يتسابق الجميع للالتحاق والانضمام للاتحاد الاوروبى ، الذى يتمنع ويتشرط .

لو كان ذلك كذلك لاختلف كل شىء عما يجرى الآن .

* * *

كما ان للسودان على وجه التحديد ظروفا خاصة ، أهمها هو تأخر الفتح العربى الاسلامى الفعلى له إلى بداية القرن السادس عشر ، أى بعد ثمانية قرون من فتح معظم الأقطار العربية .

وكان ذلك بسبب اتجاه الفتوحات غربا ، أو بسبب الصراعات الداخلية داخل الأمة ، و بسبب الحروب الصليبية التى أخرتنا قرنين من الزمان ، ثم التهديدات الخارجية المستمرة التى لم تتوقف لحظة .

فكان دخول السودان الى العالم العربى الاسلامى فى عصر الانحدار العربى ، عصر الخروج من الأندلس .

أما مصر على سبيل المقارنة فلقد أسلمت وتعربت فى اقوي عصور النهضة العربية الإسلامية وعاصرتها منذ بداياتها الأولى وشاركت فى صنع أحداثها وقادتها قى معاركها الكبرى .

* * *

ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد :

فحتى بعد أن قطع السودان خلال أربعة قرون 1500ـ 1900 مشوارا كبيرا فى رحلة الاندماج العربى الاسلامى بدءا بمملكة الفونج (السلطنة الزرقاء) 1503 ـ 1821 ثم مرحلة الحكم المصرى العثمانى 1821ـ 1885 ثم الدولة المهدية 1885ـ 1898 .

تدخل الغرب وأوقف المسيرة .

فكما حدث مع محمد على الذى تحالفوا عليه وأجهضوا دولته عام 1840 .

حدث مع السودان عام 1898، حين تحالف الانجليز والفرنسيون على إنهاء الدولة الفتية الوليدة (المهدية) التى حكمت معظم أراضى السودان لمدة 13 عاما متصلة وحققت انتصارات عسكرية مذهلة على الجيشين الانجليزي والمصرى مجتمعين .

ولو كانت قد تركت لتواصل مشروعها ، لأصبحت دولة يعتد بها ، أكثر تطورا وقوة وعافية بكثير من السودان الحالى .

وانما ما حدث هو انهم قضوا عليها واحتلوا السودان نصف قرن ، وزرعوا بذور الانفصال فى الجنوب ، وحظروا أى تواصل عربى أو اسلامى معه .

وعندما أعطوا السودان استقلاله عام 1955 ، وجد نفسه يواجه منفردا أكوام من المشاكل والصراعات الداخلية والخارجية والحروب الأهلية والانقلاب تلو الاخر ، و أخيرا التدخل الامريكى والصهيونى ، فعجز أمامها . و انهار عالمه وحدث ما حدث والبقية تأتى .

* * *

وفى ختام هذا الحديث يجب الـتأكيد على انه :

• اذا كان جنوب السودان يشغل حوالى ربع مساحة السودان ، فانه لا يشغل سوى 4 % فقط من مساحة الوطن العربي .

• و اذا كان سكانه يمثلون حوالى 15% من جملة الشعب السودانى ، فانهم يشكلون2% فقط من جملة تعداد الشعب العربى .

• ولذا فلا يجوز لهم أبدا ان ينفردوا وحدهم بتقرير مصير أرضنا ووطننا المشترك

• فهم جزء لا يتجزأ من أمتنا العربية ، جزء تأخرنا فى طمأنته واستيعابه ودمجه لكل الأسباب التى تناولناها عاليه .

• وهو الآن ينتزع منا قصرا وإكراها .

• فعسى ان تكون هذه النكبة الجديدة نبراسا لنا جميعا فى التفكر والتدبر فى كيفية استرداد وحدة امتنا العريقة حاملة راية الحضارة العربية والاسلامية .

• كيف نستردها من كل الذين اغتصبوها من خارجها ومن داخلها ؟

* * * * *

القاهرة فى 6 يناير 2011






الأربعاء، 5 يناير 2011

مصر مقاول باطن اقليمى

محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

 
كانت مصر حتى حرب 1973 ، هى اللاعب الرئيسى فى الوطن العربى .

أو بلغة المهندسين ، كانت هى المقاول العمومى فى المنطقة ، فهى تتحرك و تعمل لحسابها ووفقا لأجندتها المستقلة .

أما الآن ومنذ أكثر من ثلاثة عقود ، فلقد تحولت الى دور المقاول الصغير ، الذى يعمل لصالح ومن باطن الولايات المتحدة الأمريكية التى أصبحت هى المقاول العمومى الجديد والوحيد فى المنطقة .

فكل ادوار مصر وسياستها الخارجية تتحدد طبقا للأجندة الأمريكية :

افعلى هذا ، لا تفعلى ذاك

تدخلى هنا ، ليس لك شأن هناك

وهكذا .

* * *

ورغم ذلك لم تحظ مصر بالدور الرئيسى فى مقاولات الباطن الأمريكية فى المنطقة.

لأن اسرائيل هى التى تحتل هذه المكانة .

فهى التى تقوم بأعمال الهدم والبناء الأساسية .

و الأعمال التى تعجز عنها ، يقوم الأمريكان بتنفيذها بأنفسهم ، كما حدث فى العراق .

اما مصر وأخواتها ، فتسند لهم بعض مهام "التفنيش" مثل الترميمات والصنفرة والدهانات .

فهى مجرد مقاول باطن صغير لأعمال التشطيب التى يرغب فيها الأمريكان لتمرير وتجميل وشرعنة مشروعاتهم العدوانية فى المنطقة .

* * *

أقول هذا بمناسبة اجتماع القمة الأخير بين قادة مصر وليبيا وموريتانيا مع الرئيس السودانى فى أواخر ديسمبر 2010، لإقناعه بتمرير انفصال الجنوب الذى يسمونه استفتاء .

فعلى الأغلب ، ان هذه الزيارة وهذا الدور الصغير المحدود جاءا بتكليف امريكى صريح .

اما الطبخة الكبرى فلقد تولاها الأمريكان والأوروبيون والصهاينة بأنفسهم .

فمنذ منتصف التسعينات وهم يعدون لهذا الانفصال من خلال سلسة من الخطوات المتتالية:

• بدأت بفرض سلسلة عقوبات على السودان

• وبضرب مصنع الشفاء للأدوية .

• وباشعال الحرب الاهلية مع الجنوب

• ثم بدعمه بالسلاح الامريكى والصهيونى

• وكذلك دعم دول الجوار السودانى : اثيوبيا واوغندا واريتريا وكينيا للتحرش بالسودان عسكريا وسياسيا .

• وتكليف منظمة الإيجاد بالجانب السياسى والاخراج القانونى .

• واستبعاد قاطع وصريح لأى دور مصرى او ليبيى او عربى فى هذا الملف .

• والضغط بشدة لتوقيع برتوكول ماشكوس 2002 و نيفاشا 2005 .

• وتوظيف البعثات والقوات الدولية فى السودان و التى شاركت فيها مصر ، للدفع فى هذا الاتجاه .

• وتوظيف المحكمة الجنائية الدولية لابتزاز القادة السودانيين والضغط عليهم .

• ووضع ملف السودان تحت الباب السابع من ميثاق الامم المتحدة الذى يبيح استخدام القوة .

• الى ان استوت المسائل وجهزت الساحة .

• ليتم الانفصال الاستفتائى تحت سيف الإكراه الامريكى فى 9 يناير 2011.

• وهنا تُكَلف مصر بمهمة صغيرة ولكنها ضرورية بإيصال رسالة تهديد للسودانيين أن " يمرروا الانفصال والا ستكون العواقب وخيمة "

• فتفعل .

* * *

و لم تكن هذه هى المرة الاولى

فسياسة مصر الإقليمية فى العقود الثلاث الماضية ليست سوى أعمال تنفيذية لتكليفات من هذا النوع .

وللتذكرة :

• من 1982 حتى 1993 تشارك مصر فى الضغط على منظمة التحرير الفلسطينية للاعتراف باسرائيل والتنازل عن فلسطين التاريخية ، وتنجح فى مهمتها .

• وفى الفترة من 1982 الى 2010 تقود مصر كل الأنظمة العربية فى اتجاه انهاء الصراع العربى الصهيونى ، والقضاء على أى إمكانية للمواجهة المسلحة ، وتسييد منهج التفاوض هو الخيار الوحيد ، مع الاكتفاء بحدود 1967.

• وفى 1991 تشارك مصر وأخواتها بقوات رمزية مع قوات التحالف الغربى بقيادة الأمريكان لإضفاء شرعية على الاحتلال الأمريكى للخليج والتدمير الأول للعراق فيما عرف باسم حرب تحرير الكويت .

• وفى الفترة من 2003ـ 2010 تسمح مصر بعبور البوارج والطائرات الحربية الأمريكية فى قناة السويس والمجال الجوى المصري وتشارك فى تدريب الشرطة العراقية ، وتعترف بنظام الاحتلال هناك بإرسالها ببعثة دبلوماسية مصرية .

• وفى الفترة من 2005 ـ 2010 تشارك مصر فى الحصار المفروض على غزة ونزع سلاح المقاومة ، وفقا لمتطلبات الأمن الاسرائيلى فتوقع اتفاقية فيلادلفيا عام 2005 ، وتغلق معبر رفح ، وتبنى الجدار الفولاذى لتدمير الأنفاق 2009.

• وفى الفترة من 1974 حتى 2010 ، تعمل الادارة المصرية على تصفية وملاحقة كل القوى الوطنية المصرية المعادية للكيان الصهيونى وللهيمنة الأمريكية .

• والقائمة طويلة .

* * *

أما المقابل الذى يمنحه الأمريكان لنظامهم و مقاولهم الصغير فى مصر ، فهو حمايته واطاله عمره وتغطيته دوليا فى كل ما يفعله فى أهل مصر وشعبها .

* * * * *

القاهرة فى 30 ديسمبر 2010

الأحد، 2 يناير 2011

السودان هو الضحية الأولى

محمد سيف الدولة

Seif_eldawla@hotmail.com

ان بتر الجنوب عن السودان وعن الوطن العربى ، ليس سوى الخطوة الأولى فى المشروع الامريكى الصهيونى الجارى على قدم وساق لإعادة تفتيت كل الدول العربية من المحيط الى الخليج .

وهو مشروع ثابت فى كل وثائقهم المعلنة والمحجوبة :

1) فكانت أول هذه الوثائق هى الرسائل المتبادلة بين بن جوريون وموشى شاريت عام 1954 ، الداعية الى إقامة دويلة مارونية فى لبنان فى اتجاه السعى لتقسيمه لعدة دويلات طائفية على النمط الصهيونى .

ثم تم احياء ذات المشروع مرة أخرى أثناء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، ولكن القوى الوطنية تصدت له و أفشلته .

* * *

2) و فى 1982 نشرت مجلة كيفونيم لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية دراسة بعنوان إستراتيجية اسرائيل فى الثمانينات ، قمت بنشرها تحت عنوان الوثيقة الصهيونية لتفتيت الأمة ، جاء فيها بوضوح : ضرورة إعادة تقسيم العالم العربى والاسلامى الى دويلات أكثر بكثير من تلك التى صنعتها سايكس بيكو ، و التى لم تراع الفوارق والتناقضات الطائفية والمذهبية المتعددة القائمة فى هذا العالم الورقى الهش .

وطرحت الوثيقة تصورات محددة عن أهدافها فى كل قطر : فمصر يجب تقسيمها الى دولتين قبطية واسلامية أو أكثر ، والعراق الى ثلاثة دويلات: كردية وشيعية وسنية . والسودان الى أربعة دويلات : عربية سنية و افريقية ووثنية و مسيحية ، وهكذا ..

* * *

3) وتأكدت نفس هذه الإستراتيجية فى محاضرة حديثة لوزير الأمن الداخلى الصهيونى "آفى ديختر" فى سبتمبر 2008 ، ألقاها فى معهد أبحاث الأمن القومى الاسرائيلى ، حين تحدث عن السودان قائلا :

 انه لا يجب السماح للسودان ان يصبح قوة مضافة الى قوة العالم العربى

 ولابد من العمل على إضعافه وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة

 فسودان ضعيف ومجزأ وهش أفضل من سودان قوى وموحد وفاعل

 وهو ما يمثل من المنظور الاستراتيجي ضرورة من ضرورات الأمن القومى الاسرائيلى

 ولقد تبنى كل الزعماء الصهاينة من بن جوريون وليفى اشكول وجولدا مائير واسحاق رابين ومناحم بيجين وشامير وشارون واولمرت خطا استراتيجيا واحدا فى التعامل مع السودان هو : العمل على تفجير أزمات مزمنة ومستعصية فى الجنوب ثم دارفور

 وانه حان الوقت للتدخل فى غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل لتكرار ما فعلته اسرائيل فى جنوب السودان

 وان الدور الامريكى فى دارفور يسهم بشكل فعال فى تفعيل الدور الاسرائيلى

 وأن أمريكا مصرة على التدخل المكثف فى السودان لصالح انفصال الجنوب وانفصال دارفور على غرار ما حدث فى كوسوفو .

 وان اسرائيل نجحت بالفعل فى تغيير مجرى الأوضاع فى السودان ، فى اتجاه التأزم والتدهور والانقسام ، وهو ما سينتهى عاجلا ام آجلا الى تقسيمه الى عدة كيانات ودول مثل يوغوسلافيا .

 وبذلك لم يعد السودان دولة إقليمية كبرى قادرة على دعم الدول العربية المواجهة لإسرائيل .

* * *

4) وبعد احتلال العراق : تسربت وثيقة من وزارة الخارجية الأمريكية ، تتحدث عن ان البداية هى العراق ثم سوريا ولبنان فالسعودية والجائزة الكبرى مصر .

وكان من الواضح أن الأمريكان بعد ان احتلوا العراق ووضعوا أرجلهم وجيوشهم في المنطقة قرروا ان يتبنوا الخطة التى وضعتها بعثتهم وقاعدتهم العسكرية الأولى فى المنطقة المسماة بـ ( اسرائيل)

وقد قام الكونجرس الامريكى بالفعل فى خريف 2007 بإصدار قرار صريح غير ملزم يطالب بتقسيم العراق الى ثلاثة دويلات .

* * *

5) أما تنفيذ عملية فصل الجنوب السودانى عن العالمين العربى والاسلامى ، فلقد بدأت خطواتها منذ منتصف تسعينات القرن المنصرف :

• فبدأت بتوقيع العقوبات على السودان .

• و ضرب مصنع الشفاء السودانى للأدوية بحجة انه ينتج أسلحة كيماوية .

• ودعم دول الجوار السودانى مثل إثيوبيا و أوغندا واريتريا وكينيا ، للتحرش العسكرى المستمر بالسودان

• و توظيف ما يسمى بمنظمة الإيجاد ، لتولى الجانب السياسى والقانونى فى إخراج عملية الانفصال من خلال ما سمى بتفاهم ماشكوس عام 2002 الذى الذى كان هو المقدمة لمعاهدة نيفاشا الانفصالية عام 2005 .

• ثم وضع ملف السودان تحت بند الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، الذى عادة ما يكون مقدمة لإست خدام القوة لإخضاع النظم "المارقة"

• ثم إرسال البعثات الدبلوماسية ونشر القوات الدولية هناك جنبا الى جنب مع منظمات ومراكز حقوق الانسان فى طاحونة جهنمية للضغط والتشهير والعقاب

• وتوظيف المحكمة الجنائية الدولية لمطاردة رموز النظام السودانى وتوقيفهم كأداة إضافية للابتزاز والضغط والترويض والإخضاع .

• ثم يأتى الدور الصهيونى فى تسليح الجنوب وتدريبه ، والحيلولة دون نجاح النظام السودانى فى إنهاء الحرب الأهلية لصالحه .

• وما يتواتر من معلومات عن الوجود والنشاط الصهيوينى هناك ، وما يعلنه قادة الجنوب باستمرار عن نواياهم فى إقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل

• ثم التهديدات الأمريكية المباشرة ضد أى تعويقات سودانية لإجراءات الاستفتاء الانفصالي .

• وتحييد الدول العربية وبالذات مصر من التدخل ، وإبعادها تماما عن هذا الملف وتجاهل لمبادرتها المشتركة مع ليبيا ، وتغليب مبادرة الإيجاد المذكورة عليها .

* * *

6) أما لماذا كان السودان هو أضعف الحلقات، وباكورة الأقطار العربية المنكوبة بالتفتيت ؟ ولماذا يوجد نزوع شعبى جنوبى نحو الانفصال ؟

فانه لا يمكن فهم ذلك بدون التعرف على دور الاحتلال البريطاني للسودان 1898 ـ 1955 ، فى تأسيس وبناء عوامل الانفصال منذ زمن بعيد .

ووفقا لدراسة مهمة أعدها المؤرخ الراحل يونان لبيب رزق عن هذا الموضوع ، فلقد قامت الإدارة البريطانية خلال نصف قرن بالتالى :

• إضعاف الثقافة العربية من خلال إحلال اللغة الانجليزية محل العربية فى التعليم والمكاتبات الرسمية

• وتشجيع انتشار اللهجات المحلية وتحويلها الى لغات مكتوبة

• إحلال الموظفين الجنوبيين محل الشماليين

• وإبعاد الموظفين المتحدثين بالعربية ولو كانوا جنوبيين

• ومنع التجار الشماليين من الوصول الى الجنوب

• واستبدالهم بالتجار اليونانيين والسوريين المسيحيين

• وتشغيل الموظفين من غير المسلمين فى الإدارة بهيئاتها الكتابية والفنية

• وإخراج قوات الجيش المصري المعسكرة فى الجنوب

• وإخراج الموظفين المصريين والسودانيين من الجنوب

• وعند الضرورة ، إرسال كتبة من المصريون يختارون من الأقباط

• وتبنى سياسة رسمية بالحفاظ قدر الإمكان على جنوب السودان بعيدا عن التأثير الاسلامى

• فانجلترا كدولة مسيحية لا يمكنها ان تشارك فى سياسة تشجيع انتشار الإسلام بين شعب يزيد على ثلاثة ملايين وثنى

• فانتشار التعصب الدينى بين شعوب انتشر الإسلام فيها مؤخرا قد يترتب عليه نتائج مدمرة

• وتنصيب يوم الأحد عطلة اسبوعية بدلا من الجمعة

• وتكليف الإرساليات التنصيرية بمنع انتشار الاسلام

• والاستعانة بها لتنفيذ ما أسموه تمدين البشر

• وتكليفها بإدارة العملية التعليمية

• ولا زال المنصرون حتى يومنا هذا يشكلون المؤسسة التعليمية الوحيدة فى الجنوب

• وحظر دخول اى شخص شمالي او غير سوداني الى الجنوب الا برخصة

• إقامة خط يفصل الزنوج عن الاراضى العربية يمتد من الشرق الى الغرب

• وغيرها الكثير من سياسات واجراءات ، زرعت ، على امتداد نصف قرن ، ألغام الانفصال ، وحالت دون اتمام عملية التفاعل والاندماج الطبيعى بين شعب السودان الواحد .

* * *

• وبعد الإستقلال فى 1955، وللأسف الشديد ، فشلت الانقلابات والحكومات المتعاقبة فى إصلاح و معالجة آثار ما فعله الانجليز فى الجنوب .

• وهى فى ذلك لا تختلف كثيرا عن حالة الوهن والفشل العربى العام الذى استفحل بعد عصر الهيمنة الأمريكية 1990ـ 2010

• وللحديث بقية باذن الله .

* * * * *



القاهرة فى 30 ديسمبر 2010