التواصل بالبريد الالكترونى

بحث فى المدونة

الثلاثاء، 24 يونيو، 2014

فلسفة الاستبداد وعنصريته

فلسفة الاستبداد وعنصريته
محمد سيف الدولة

نستكمل فى معا الجزء الثانى والاخير من رواية 1984 للكاتب الانجليزى جورج اورويل، التى قدم فيها تصوره وتشريحه لما يمكن تسميته "بالنظام الاستبدادى النموذجى" فى أى زمان أو مكان :
***
عنصرية :
كانت السلطة تحتقر الشعب،  فكان شعار الحزب ان ((غالبية الشعب والحيوانات احرار))
وكان يؤكد فى ادبياته على ان عامة الشعب طبقة وضيعة بالفطرة وانه يجب ابقاؤهم مذعنين كالحيوانات. وانهم ما داموا يعملون ويتكاثرون فتصرفاتهم الاخرى غير ذات اهمية، ولذلك فلقد ترك لهم الحبل على الغارب كقطيع من الابقار على مراعى الارجنتين، يعيشون نمطا من الحياة يتناسب مع طبائعهم. كانوا يولدون ويكبرون فى الازقة الفقيرة ثم يذهبون الى العمل فى السنة الثانية عشرة ويمرون مرورا عابرا فى مرحلة تمثل ذروة الجمال والرغبة الجنسية، وبعدئذ يتزوجون فى العشرين ويبلغون اواسط العمر فى الثلاثين، ويموت معظمهم فى الستين. كل ما يشغل بالهم العمل الجسدى الشاق ورعاية الاطفال والعناية بالمنزل والمشاجرات التافهة مع الجيران، ومشاهدة الافلام ولعب الكرة، ومن ثم لم تكن السيطرة عليهم امرا عسيرا؛ اذ يكفى ان تندس ثلة قليلة من عملاء الشرطة بينهم، ينشرون الاشاعات المغرضة، حتى يتعرفوا على القلة منهم التى يعتقد انها مكمن الخطر فسيتأصلون شافتهم.
ولم تسجل اية محاولة لغرس ايديواوجية الحزب فيهم اذ لم يكن من المرغوب فيه ان يكون لدى عامة الشعب وعى سياسى قوى؛
فكل ما هو مطلوب منهم هو وطنية بدائية أو حالات محسوبة من السعار الوطنى، يمكن ان يتم اللجوء اليها حينما يستلزم الامر، لاقناعهم بقبول ساعات عمل اطول اولحصص اقل من السلع التموينية.
بل وحتى عندما كان ينتابهم شعور بالسخط، كما يحدث احيانا، فان سخطهم لم يكن ليفضى الى شئ كونهم يعيشون بلا مبادئ عامة، ولذلك كانوا يركزون غضبهم على تظلمات خاصة وقليلة الاهمية. فالأخطاء الكبرى لا تسترعى انتباههم.
***
وارهاب :
ثم يقدم "أورويل" فلسفة الاستبداد والمستبدين ورؤية النظام لذاته وللآخرين، على لسان أحد محققى السلطة مخاطبا أحد المعتقلين أثناء تعذيبه :
اننا ندرك انه ما من احد يمسك بزمام السلطة وهو ينتوى التخلى عنها. ان السلطة ليست وسيلة بل غاية، فالمرء لا يقيم حكما استبداديا لحماية الثورة، وإنما يشعل الثورة لإقامة حكم استبدادى. ان الهدف من الاضطهاد هو الاضطهاد، والهدف من التعذيب هو التعذيب وغاية السلطة هي السلطة.
ان الإنسان يؤكد سلطته على انسان آخر بجعله يقاسى للألم.
فالطاعة وحدها ليست كافية، وما لم يعان الانسان الالم، كيف يمكنك ان تتحقق من انه ينصاع لإرادتك لا لإرادته هو؟
ان السلطة هي إذلاله وإنزال الألم به، وهى ايضا تمزيق العقول البشرية الى اشلاء ثم جمعها ثانية وصياغتها فى قوالب جديدة من اختيارنا.
اننا نعمل على خلق عالم من الخوف والغدر والتعذيب، عالم يدوس الناس فيه بعضهم بعضا، عالم يزداد قسوة كل يوم، اذ التقدم فى عالمنا هو التقدم باتجاه مزيد من الالم.
 لقد زعمت الحضارات الغابرة انها قامت على الحب والعدالة اما حضارتنا فهى قائمة على الكراهية، ففى عالمنا لا مكان لعواطف غير الخوف والغضب والانتشاء بالنصر واذلال الذات، واى شئ خلاف ذلك سندمره تدميرا.
اننا نعمل على تفكيك العلاقة بين الطفل ووالديه، وبين الصديق وصديقه، وبين الرجل والمرأة، ولم يعد احد يجرؤ على الثقة بزوجته او طفله او صديقه، سينعدم كل ولاء ليس للحزب، وسيباد كل حب غير حب الاخ الكبير.
هناك دائما عدو للمجتمع، يمكن قهره واذلاله المرة تلو الاخرى.
لن تتوقف مطلقا عمليات التجسس والخيانة والاعتقالات والتعذيب واحكام الاعدام وحوادث اختفاء الناس
اننا نسيطر على الحياة فى جميع مستوياتها،
انك تتخيل ان هناك شيئا اسمه الطبيعة الانسانية سيغضبها ما نفعله، ومن ثم فانها سوف تنقلب علينا، ولكن ما لاتعرفه هو اننا نعيد خلق الطبيعة الانسانية، فالانسان قابل للتحول بشكل غير محدود، او لعلك عدت الى فكرتك القديمة التى مفادها ان العامة او العبيد سيثورون علينا ويطيحون بنا من سدة الحكم. اخرج هذه الفكرة من ذهنك تماما لان هؤلاء عاجزون عجز الحيوانات ولان البشرية هى الحزب نفسه وما عدا ذلك فهو معدوم الاهمية وخارج نطاقها
***
أما عن فطرة المقاومة داخل الانسان، فيعبر عنها "اورويل" على لسان بطل روايته حين قال:
((بوسعهم ان يكرهوك على قول اى شئ يريدونه، ولكنهم لا يستطيعون اكراهك على ان تؤمن بما تقول، فليس لديهم سلطة ينفذون بها الى كيانك
انهم لا يستطيعون النفاذ الى قلبك. واذا استطاع المرء ان يشعر ان بقاءه انسانا هو امر يستحق التضحية من اجله، حتى لو لم يؤد ذلك الى نتيجة، فانه يكون قد الحق بهم الهزيمة))
انتهى.
*****
القاهرة فى 22 يونيو 2014


ليست هناك تعليقات: