التواصل بالبريد الالكترونى

بحث فى المدونة

الجمعة، 19 أغسطس، 2016

(اسرائيل) بين الثوابت الوطنية والرؤية الصهيونية

 (اسرائيل) بين الثوابت الوطنية والرؤية الصهيونية

محمد سيف الدولة

نتعرض منذ فترة الى حملة رسمية مكثفة وموجهة للترويج للسلام مع اسرائيل واحياء عملية التطبيع معها، بدءا بحديث المرشح الرئاسى عبد الفتاح السيسى فى حديثه للاعلاميين فى مايو 2014 الذى قال فيه ان السلام اصبح فى وجدان كل المصريين، ومرورا بأحاديث السلام الدافئ والثقة والطمأنينة المتبادلة وإعادة السفراء والدعوة الى دمج اسرائيل فى المنطقة وتوسيع السلام معها، والتعاون والتنسيق الامنى العميق بين الطرفين الذى يصفه نتنياهو بانه وصل الى درجة التحالف الاستراتيجى.
ولا يمكن قراءة وفهم مقالتى الدكتور/ طارق فهمى فى جريدة الشروق الداعيتين الى مزيد من تطوير العلاقات مع اسرائيل، مع غيرها من المقالات المماثلة فى جرائد أخرى، الا فى هذا السياق، وباعتبارها جزء لا يتجزأ من هذه الحملة الموجهة.
جاءت المقالة الأولى بعنوان "التطبيع والسلام المصرى الجديد مع اسرائيل".  ونشرت الثانية يوم الاثنين ١٥ اغسطس الجارى بعنوان "التطبيع.. تحول فى الرؤية وليس فى المقاربة."
فى المقالين دعوة صريحة الى تطوير العلاقات المصرية الاسرائيلية. ولقد سبق ان قمت بالرد على المقال الاول بمقال منشور على مواقع التواصل الاجتماعى بعنوان "هل غيرت الاجهزة السيادية عقيدتها تجاه اسرائيل؟". أما اليوم فسأتوقف عند نقطة رئيسية وردت فى مقاله الأخير؛ وهى وصف "طارق فهمى" لأيدولوجية الرافضين للتطبيع بأنهم "متحصنون بسراديب الايدولوجية القديمة عديمة القيمة التى تعيدنا الى حقب سالفة كلفتنا الكثير".
***
وسأبدأ بالتأكيد على أنه فى الصراع المصرى والعربى ضد الكيان الصهيونى ومشروعه، لا توجد ايديولوجيات قديمة وأخرى جديدة، بل هناك الأيديولوجية الصهيونية والايديولوجية العربية الوطنية.
اما الأيديولوجية الصهيونية التى لم تتغير منذ بدايات الحركة الصهيونية فى نهايات القرن التاسع عشر وحتى اليوم فتنطلق من المبادئ التالية :
·       ان اليهود فى كل العالم وعلى مر التاريخ يمثلون شعبا واحدا وامة واحدة.
·       ان ارض فلسطين التاريخية هى ارض اليهود، التى طردوا منها منذ آلاف السنين والتى تم احتلالها من الآخرين، وآخرهم هو الاحتلال العربى الاسلامى الذى دام ما يقرب من ١٤٠٠ عام.
·       وان الحركة الصهيونية هى حركة تحرر وطنى استطاعت ان تحرر جزء من ارضها المحتلة وتقيم عليها دولة اسرائيل، فى يوم يقدسونه ويحتفلون به كل عام اسمه عيد الاستقلال.
·       وأنهم لن يتنازلوا عن حقهم فى باقى ارضهم التى لم تتحرر بعد، والتى يحددونها فى غالبية أدبياتهم بالأرض الواقعة بين النيل للفرات، وفى بعضها الآخر بأرض يهودا والسامرة التى تعنى الضفة الغربية بما فيها القدس الموحدة.
·       وان هذا التحرير لا يمكن ان يتحقق ويستمر الا باخلاء الارض من المحتلين العرب، بالقتل والمذابح والارهاب والتهجير ، واخضاع من بقى منهم فى ارض اسرائيل ليعيشوا كمواطنين من الدرجة الثانية، مع تجريد واخلاء كل المناطق العربية المحيطة باسرائيل من السلاح والقوات بموجب ترتيبات أمنية وقرارات دولية، والحفاظ على تفوق عسكرى نوعى على كافة الدول مجتمعة، بما فى ذلك احتكار السلاح النووى فى المنطقة.
·       بالاضافة الى حتمية العدوان واحتلال اراضى الدول العربية المجاورة بالقوة، فى حماية الولايات المتحدة ومجتمعها الدولى، بهدف أقصى هو ضمها وهضمها وابتلاعها واستيطانها، او بهدف ادنى هو اكراه الدول العربية على الاعتراف باسرائيل والصلح والتطبيع معها نظير اعادة اراضيها المحتلة مقيدة او منزوعة السلاح.
·       وان على الحركة الصهيونية العالمية ودولة اسرائيل العمل على تحريض الشعوب الاخرى من اصحاب الارض الحقيقيين الذين تعرضوا هم ايضا لاغتصاب واحتلال أراضيهم من الاستعمار العربى (وفقا للنظرية الصهيونية)، ودعم مشروعاتهم للتحرر الوطنى (الحركات الانفصالية)، لاقامة دويلات طائفية مماثلة للدولة اليهودية، تعيش بجوارها وفى حمايتها.
***
اما الأيديولوجية او الثوابت الوطنية والعربية، فتنطلق من ان:
·        ان فلسطين ارض عربية وهى جزء من الامة العربية التى تبلورت واكتملت تكوينا مع الفتح العربى، والتى تعنى اختصاص الشعب العربى وحده دونا عن غيره من الشعوب الأخرى بالارض العربية، وهى الامة التى استطاعت أن تضم وتهضم و تستوعب كل الجماعات القبلية أو الشعوبية التى كانت تعيش فى المنطقة قبل ذلك، وتصهرها فى بوتقة واحدة.
·       أما الجماعات اليهودية القديمة فى فلسطين فقد اندثرت أو انصهرت مثلها فى ذلك مثل جماعات قبلية قديمة كثيرة كالكنعانيين والسلوقيون والفلستينيين (بالتاء وتسمى بشعوب البحر) وغيرهم،  ومنها من رحل كالاشوريين والبابليين والفراعنة والفرس والبطالمة والرومان الذى قام كل منهم باحتلال فلسطين لفترات طويلة قبل الفتح العربى. واى ادعاءات بحقوق يهودية فى فلسطين بناء على هذه الازمان والعصور الغابرة فيما قبل الميلاد، ستكون بمثابة مطالبة الايطاليين اليوم ببريطانيا لانها كانت تحت احتلال وسيطرة الدولة الرومانية فى الاربعة قرون الأولى بعد الميلاد، او مطالبة اليونانيين بمصر لانها كانت تحت احتلالهم لمدة 300 عام فى عصر البطالمة، والامثلة كثيرة لا تحصى. 
·       وبناء عليه فان كل الادعاءات الصهيونية هى ادعاءات مختلقة وباطلة، فاليهود لا يمثلون شعبا واحدا ولا أمة واحدة، وإنما هم مثلهم مثل باقى كل أصحاب الديانات فى العالم، لهم اوطانهم التى ينتمون اليها ويختصون بها.
·       وان الكيان الصهيونى المسمى بدولة اسرائيل هو كيان استعمارى استيطاني عنصرى باطل وغير مشروع وغير طبيعى، وانه لا يجب تحت اى ظرف الاعتراف بشرعيته وشرعية وجوده على ارض فلسطين او التنازل له عن اى جزء منها، فالاوطان هى ملكية مشتركة بين كل الأجيال الراحلة والقادمة، ولا يجوز لاى جيل ان يفرط فيها او يتنازل عنها، وكل ما يملكه هو حق الانتفاع بأرض الوطن والاحتفاظ بها كوديعة لديه يحافظ عليها ويحميها ويسلمها آمنة حرة مستقلة الى الجيل التالى لها وهكذا.
·       وان الكيان الصهيونى ليس سوى مشروعا استعماريا غربيا بقيادة إنجلترا ثم امريكا، تم زرعه ورعايته ودعمه وحمايته وتسليحه ليكون بمثابة قاعدة عسكرية استراتيجية رخيصة ومتقدمة فى العالم العربى، وليكون شرطى تأديب لاى نظام عربى يخرج عن طوع الولايات المتحدة ويتحداها، ويكون ايضا حاجزا بين مصر والمغرب العربى وبين المشرق العربى للحيلولة دون قيام دولة عربية واحدة كبرى تتحدى نفوذ الدول الكبرى فى المنطقة والعالم.
·       وأن الاختلال المؤقت فى موازين القوى لصالح العدو الصهيونى الذى لا يتعدى عمر دولته 70 عاما، لا يجب أن يدفع العرب والفلسطينيين الى التفريط فى أوطانهم، خاصة وأن فى التاريخ العربى الحديث، استطاعت الجزائر ان تتحرر من استعمار استيطانى استمر لاكثر من 130 عاما والامثلة كثيرة، كما أن هناك سوابق تاريخية عديدة اهمها الانتصار على الغزو الفرنجى المشهور باسم الحروب الصليبية وانهاء مشروعه الاستيطانى وتطهير الارض العربية منه تماما، رغم بقاءه ما يقرب من 200 عام (1096ـ 1291)
·       وبناء على كل ذلك فان اى اعتراف بشرعية اسرائيل او أى صلح وتطبيع معها، هو هدم للحقائق التاريخية وللثوابت الوطنية العربية والمصرية، واعتناق واستسلام للإيديولوجية الصهيونية فى الصراع.
***
وعلى ذلك فانه أمام من يدعى ان الايديولوجيات العربية القديمة المعادية لاسرائيل ومشروعها الصهيونى، قد عفا عنها الزمن، ثلاثة خيارات :
الخيار الأول هو ان يأتى لنا بما يثبت تخلى اسرائيل عن صهيونيتها وثوابتها المبدئية ومشروعها الاستعمارى العنصرى العدوانى.
والثانى لا قدر الله هو ان يعلن قبوله واقتناعه بثوابتها ومنطلقاتها.
والاختيار الثالث هو ان يخبرنا بمواطن الخطأ والخلل والقدم وعدم الصلاحية فى حقائق التاريخ وفى منظومة ثوابتنا الوطنية والعربية.
بعد ذلك فقط وليس قبله، أى بعد أن نضع النقاط على الحروف، ونحدد المنطلقات المبدئية لكل منا، نستطيع أن ندير حوارا علميا وموضوعيا، حول استراتيجيات المواجهة والصراع وتكتيكاتها وادواتها.
*****


ليست هناك تعليقات: