التواصل بالبريد الالكترونى

بحث فى المدونة

الأحد، 27 مارس، 2011

كل هذه السيطرة لخمسة أشخاص فقط

محمد سيف الدولة

Seif_eldawla@hotmail.com



خمسة منابر إعلامية تقريبا كادت أن تتحكم في الرأى العام المصري عشية الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة .

منها ثلاث قنوات فضائية هى (الاون تى فى) و (دريم) و (الحياة)

و صحيفتين هما المصري اليوم والشروق

وكلها مملوكة لرجال أعمال كبار

ساويرس واحمد بهجت والسيد البدوي وكامل دياب وإبراهيم المعلم

وكلهم محل احترام على المستوى الشخصي ، ولكننا نختلف مع منظومة مصالحهم الخاصة وأجنداتهم وحساباتهم السياسية والاقتصادية .

* * *

و بالطبع كان هناك منابر إعلامية أخرى ولكنها لم تكن بذات التأثير والخطورة .

* * *

و المنابر المذكورة لم تخلو بطبيعة الحال من آراء مستقلة تغرد خارج السرب

ولكنها لم تستطع ان تنافس الحملة الإعلامية الموجهة ولا أن توازنها .

ولقد تفاوتت أيضا درجات التوجيه من منبر الى آخر

فالشروق ليست المصري اليوم

ودريم ليست أون تى فى

ولكن الاتجاه العام كان موحدا فى الأغلب الأعم .

* * *

صحيح أن الحملات الموجهة لم تقتصر على المنابر الإعلامية فقط .

فلقد كان هناك حملات موازية و موجهة هى الأخرى

وعلى الأخص من التيارات الدينية : إسلامية أو مسيحية .

ولكن الفرق كبير :

فالتيارات الدينية تيارات قديمة ومنتشرة فى الشارع المصري منذ عقود

ونشاطاتها سواء رفضناها أم قبلناها ، هي نتاج جهود دءوبة متراكمة على امتداد سنوات طويلة . تستطيع القوى الأخرى ، ان أرادت ، ان توازنها وتنافسها بالعمل السياسى والشعبى الدءوب .

وذلك على العكس تماما من حملات رجال المال و الأعمال ،

التى استطاعت ان تعيد صياغة الخطاب الاعلامى المصري كله فى بضعة أيام فقط ،

بدون ان يكون لها اى جذور او جهود او وجود فى الشارع المصري على امتداد سنوات طويلة .

انها القوة الصرفة الفورية للمال وجبروته .

* * *

و لطالما اندهشنا وانزعجنا من قدرة الشركات الأمريكية الكبرى على التحكم و السيطرة والهيمنة على الرأى العام هناك .

وكيف استطاعوا ان يقنعوا الجمهور الامريكى بمشروعية كل جرائمهم العدوانية فى العراق وفلسطين و أفغانستان وغيرها .

وكنا دائما ما نعتب على الشعب الامريكى ، انحيازه لإسرائيل رغم كل جرائمها فى فلسطين .

ولم نستطع أن نتفهم ابدا كيف تغيب الحقائق الساطعة عن شعوب الغرب بأكملها .

ولكنني بعد أن رأيتهم يفعلونها فى مصر ، زالت دهشتي تماما

وفهمت مغزى المثل الانجليزي القائل : Money Talks

* * *

و لقد كان الإعلام الرسمي المصري لنظام مبارك إعلاما موجها أيضا .

ولكنه كان توجيها غبيا ، يكذب فى كل صغيرة وكبيرة

فلم يصدقه أحد

ففقد تأثيره وخطورته .

* * *

أما خطورة إعلام رجال الأعمال فهو انه يكتسي بطبقة زائفة من المصداقية

ثم يكذب بحرفية وفى قضايا معينة و مختارة بعناية للتخديم على مصالحهم

كما انه يتجمل طول الوقت بتبنى بعض القضايا الحقيقية والعادلة التى لا تمس صلب المصالح ، أو بما يقدمه من خدمات إخبارية واسعة .

كما انه يتجمل أيضا بعدد من المحررين و الكتاب والشخصيات المحترمة أمثال سلامة أحمد سلامة و فهمي هويدى وجلال أمين وآخرين .

* * *

و أنا لست هنا بصدد تقييم المواقف السياسية من التعديلات الدستورية وتوابعها

فالخلاف فى الرأى هو أمر مشروع ومفهوم ومطلوب .

كما اننى لا أتناول مجمل عملية الاستفتاء بما لها أو عليها .

ولكنني أود التركيز على نقطة محددة لأهميتها وخطورتها وهى :

القوة الهائلة لرجال المال والأعمال فى التأثير على الرأي العام

فخمسة أشخاص فقط ،

خمسة مُلّاك لخمسة منابر إعلامية ،

تحكموا فى إدارة الحوار حول التعديلات الدستورية

فأوهمونا جميعا بأن الرأي العام المصرى منحاز لاختيار معين

لنكتشف لاحقا ان الحكاية في غالبيتها خدعة إعلامية موجهة .

* * *

لقد كان الحوار و الخلاف حول الاستفتاء فى البداية خلافا بريئا ، بين أطراف يمارسونه برقى وهدوء وتقبل وتفهم كامل ، فكافة المشاركين من الطرفين هم شخصيات لها مصداقيتها الوطنية والتاريخية .

* * *

ولكن بمجرد ان دخل رجال المال و الأعمال على الخط ، تغير الحال ، فتسطح النقاش ، وطغت المانشتات والتصريحات الزاعقة و المختصرة و الزائفة على المقالات الرصينة ، وتحول الحوار الى حملات دعائية وإعلامية شبيهة بإعلانات مساحيق الغسيل التلفزيونية .

* * *

ان رجال المال والأعمال ليسوا طرفا أصيلا في ثورة يناير ، ولا في أي ثورة شعبية حقيقية . فلقد كانت الغالبية العظمى منهم دائما وعلى مر العصور وتعدد الأنظمة ، تتقرب من السلطات ، أي سلطات ، حفاظا على مصالحها .

وليس من المعقول ولا من المقبول ، أن نسلمهم قيادة الخطاب السياسي والاعلامى للثورة لمجرد أنهم يملكون الأموال والصحف والفضائيات .

* * * * *

القاهرة فى 24 مارس 2011







هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

موضوع لا مثيل له ، ومن المثير للاهتمام للغاية بالنسبة لي))))